مقال: على نهج الراشدين الأُوَل في مشهدٍ مشرِّفٍ يتكرر منذ عصر الخلافة الراشدة، عصر أبي بكر ...

مقال: على نهج الراشدين الأُوَل


في مشهدٍ مشرِّفٍ يتكرر منذ عصر الخلافة الراشدة، عصر أبي بكر وعمر وعثمان وعلي -رضي الله عنهم-، وإلى عصر أبي بكر وأبي إبراهيم -رحمهم الله-، نسلٌ كريمٌ على نهج الراشدين الأُوَل مضوا وأمضوا وعودهم وأوفوا ببيعتهم فقاتلوا حتى قُتلوا، ولم يُسْلِموا الراية لعدوِّهم، بل سلّموها لمن يأخذها بحقّها بإذن الله تعالى.

قصةٌ تتكرر في تاريخ الإسلام القديم والمعاصر، خليفةٌ يعقبه خليفة، وإمامٌ يسلِّم الراية إلى آخر، فهذا الخليفة أبو بكر الصديق دامت خلافته عامين فقط حتى توفي بمرض قيل: إنه بالسُّم وقيل غير ذلك، فخلَفه الفاروقُ عمر الذي توسّعت الفتوحات في عهده وبلغت قوة الدولة الإسلامية ما بلغت، ثم قُتل وهو يؤمّ الناس بصلاة الفجر في مسجده وبين أصحابه بطعنات غرٍّ مجوسي قتلَ معه سبعة من الصحابة في نفس الواقعة!، ليخلفه ذو النورين عثمان فتموج فتنٌ في أواخر عهده ويُحاصر ويُقتل في منزله وبين أصحابه!، ثم خلَفه عليٌّ بن أبي طالب ودامت خلافته خمس سنوات حتى قتله الشقيُّ الخارجي ابن ملجم وهو في صلاة الفجر أيضًا وبين أصحابه.

هكذا قُتل الخلفاء الراشدون المهديون وما يزال قادة الخلافة المعاصرة يُقتلون على نفس نهج الراشدين الأول، فعلامَ يُلامون؟ علامَ يلمزهم الشانئون؟ علامَ ينكر هؤلاء علينا شرفا لم يبلغوه؟ ومجدا لم يدركوه؟ أيعيِّرونا بالثبات أم بالقتل ثابتين؟! علامَ ينتقدون موت الخليفةِ أبي إبراهيم في ملحمة بطولية بات الناس ليلتهم وكلٌّ يدَّعي وصلاً بها! كلٌّ يقول: هذا أميرنا وهذا قائدنا! حتى إذا ما انفلق الإصباح عن جثة الشيخ المسجّى بدّلوا كلامهم وقالوا: هذا شرُّنا وابن شرِّنا! وتنقّصوه!! في نفاقٍ بلغ الآفاق! ولو كان هذا المشهد المهيب في عصر الراشدين الأوَل لقالوا فيه: "يا أرشد الله من غاز وقد رشدا".

قال تعالى: {وَلَا تَقُولُوا لِمَن يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ}، ثم كرر ذلك مجددا في آل عمران فقال جلّ شأنه: {وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ}. قال المفسّرون في تفسيرها: أي "لا يخطر ببالك وحسبانك أنهم ماتوا وفقدوا، وذهبت عنهم لذة الحياة الدنيا والتمتع بزهرتها، الذي يحذر من فواتها مَن جبن عن القتال، وزهد في الشهادة {بل} قد حصل لهم أعظم مما يتنافس فيه المتنافسون، فهم {أحياء عند ربهم} في دار كرامته". وتأمل قوله تعالى: {عند ربهم} وما يقتضيه ذلك من علو المكانة والقرب من المولى سبحانه.

ولقد أغرق البعض في التحليلات والتكهنات حول أسباب تأخّر الإعلان عن مقتل الخليفة أبي إبراهيم -تقبله الله- وتنصيب الخليفة أبي الحسن -حفظه الله-، وما علموا أنَّ التنصيب والبيعة لم تتأخر، والذي أُرجئ هو فقط إعلان ذلك في الإعلام لأسباب تخصّ الميدان، فالميدان هو الذي يحكم الإعلامَ ويوجّهه وليس العكس، بل لم ينقضِ يوم الجمعة التالي للملحمة، حتى أدركنا البيعة للشيخ أبي الحسن الهاشمي -بفضل الله تعالى-، وعلى إثرها بايعت دواوين الجند والإعلام والمفارز في سائر الولايات.

ولقد وثّقت المكاتب الإعلامية على مدار أسبوع متواصل عشرات البيعات من جنود الخلافة في سائر ولايات الدولة الإسلامية في بقاع الأرض، في مشهد أغاظ الصليبيين والمرتدين وهم يرون كلَّ محاولاتهم لوقف عجلة الجهاد والقضاء على دولة الخلافة تذهب أدراج الرياح.

ولقد استغرب الصديق والعدو مِن إعلان الدولة الإسلامية مقتل الشيخ أبي حمزة القرشي -تقبله الله- وهو ما لم تعلم به أمريكا الصليبية ولا كلّ مخابرات العالم، ولا وسائل الإعلام ولا محلليها ومخرِّصيها على كثرتهم وكثرة كذبهم، وفي ذلك رسالة إلى من يظنون أنّ المخابرات العالمية تتحكم في الكرة الأرضية! وأنه لا يخفى عليها شيء في الأرض!، فلقد خفي عنها مقتل الشيخ المتحدث الرسمي أبي حمزة القرشي -تقبله الله تعالى-، والذي وصفه خلَفه الشيخ أبو عمر المهاجر -حفظه الله- بقوله: "الشيخ الخفي التقي" ولا نزيد.

وننتهز الفرصة لنخاطب إخواننا المناصرين فنقول: إنَّ عليهم أنْ لا ينشغلوا بالرد على مَن طمس الله بصيرته فلم يتوقف إلى اليوم عن بثّ الأراجيف والشبهات حول هوية الخليفة ومَن يكون، فلقد خاضوا كثيرا مِن قبل في الخليفة أبي بكر البغدادي -تقبله الله- حتى خرج إليهم جهارًا نهارًا في خطبة الجمعة على الملأ! فقالوا كيف يخرج وأين طائرات الصليبيين عنه؟ فلما قُتل قالوا أين جثته؟! وهكذا لن يتوقف هؤلاء المنافقون عن الخوض في ذلك؟ فذلك دأبهم وتلك شنشنتهم.

فإياكم أن تنشغلوا بهم أو يشغلوكم، بل ترفّعوا عنهم فقد قيل: إن الصقور تُحلّق عاليًا كي لا تشتبك مع الغرانيق! فترفّعوا -رفع الله قدركم- عن هؤلاء، وفي المقابل اخفضوا جناح الذل والرحمة للمسلمين الباحثين عن الحق ولينوا لهم وترفّقوا بهم، وعِظوهم وادعوهم بالحكمة والموعظة الحسنة، والفرق بين الباحث عن الحق والمرجف المنافق لا يخفى.

كما كان واضحا نقمة الناس وحنقهم على بيادق المخابرات التركية والدولية في (إدلب)، وكيف عكفت الحواضن على انتقادهم ووصفهم بالغدر والخيانة حتى اضطر هؤلاء إلى إصدار بيانات خانعة على استحياء تدين قتل الأطفال وتخنس عن قتل الأبطال في صورة تغني عن كثير مقال لأولي الألباب والنهى.

وليتأمل العاقل كيف تُساق الحجج على هؤلاء مِن حيث لا يدرون! وكيف يُحسن الله تعالى خاتمة أوليائه ويكشفها للعباد ليعتبروا ويتدبروا ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

أما أمريكا العجوز التي حاول أخرقُها البائس أن يُسابق الزمن لتسجيل نصر موهوم يُغطّي بغربال على فرحة المسلمين بملحمة غويران التي كانت مِن "آخر البطولات وأشرف الإنجازات" في عهد الخليفة أبي إبراهيم -تقبله الله- "في ملحمة لا يستطيعها إلا جنود الدولة الإسلامية وقادتها".

لقد بحثت أمريكا العجوز مجددا بين أكوام الركام في (أطمة) عن النصر الذي زعمته من قبل في (باريشا)! وهو نفس النصر الذي بحثت عنه بين جثث الأطهار البررة في الباغوز والموصل، وهو نفس النصر الذي ادَّعته كثيرا من قبل؛ يوم قتلت أبا مصعب وأبا عمر وأبا حمزة وأبا محمد وأبا بكر وأبا الحسن وغيرهم -تقبلهم الله جميعا-، فأين نصركِ أمريكا؟! وأيّ نصر هذا الذي تزعمينه منذ نحو عقدين من الزمان وتبحثين عنه بين الركام، فلا تجدين غير الحطام؟!

بل نقول وبالله التوفيق: إن دولة الخلافة اليوم تقاتل المشركين في صف واحد عربا وعجما يأتمرون بأمر إمام واحد من الشام إلى الهند ومن العراق إلى موزمبيق، في الوقت الذي انقسمت فيه صفوف الصليبيين انقسامًا لن يلتئم بل سيتصاعد بإذن الله.

فهذه صفوفكِ أمريكا وصفوف حلفائكِ مبعثرة منقسمة، وصفوفنا على منهاج النبوة مجتمعة وبحبل الله تعالى مستمسكة، وسيواصل جنود الخلافة طريقهم على هذا النهج المبارك نهج الراشدين المهديين حتى يسلِّموا الراية إلى عيسى عليه السلام، والحمد لله رب العالمين.



• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 330
الخميس 14 شعبان 1443 هـ