الجهاد يا أمة الجهاد كلما تقادمت الأيام واستجدت الأحداث على الساحة ندرك ضرورة الجهاد لأمة ...

الجهاد يا أمة الجهاد


كلما تقادمت الأيام واستجدت الأحداث على الساحة ندرك ضرورة الجهاد لأمة الإسلام وأهمية الجماعة الواحدة والراية الواحدة للمسلمين، وهو عين ما أمرنا الله تعالى به لصلاح ديننا ودنيانا.

وما كان المسلمون في الرعيل الأول يظنون إسلاما بلا جهاد، فقد بدأت عتبات تثبيت هذا الدين ونزلت شرائعه في المدينة والجهاد له الحيّز الكبير في حياة المسلمين، ثم مضى المهاجرون والأنصار من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ومن تبعهم بإحسان على هذا الصراط، فعبد المسلمون ربهم على عزّ وتمكين لقرون طويلة.

إن الجهاد منوط بالخيرية في هذه الأمة فنحن أمة الجهاد ونبينا صلى الله عليه وسلم كان إماما للمجاهدين فقد غزا بنفسه وبعث السرايا وعقد الألوية، وحمل السيف والرمح ولبِسَ الدرع والمغفر، وشُج وجهه وكُسرت رباعيته وسال الدم من وجهه وإصبعه صلى الله عليه وسلم، وركب الخيل ومضى مجاهدا في الحرّ، وظل صابرا في شدة القرّ، كل ذلك ولم يكن شابا -عليه الصلاة والسلام- بل أول ما بدأ رحلة جهاده بالسيف وعمره أكثر من ثلاث وخمسين سنة، فجاهد واغبرّت قدماه في سبيل هذا الدين وهو أكرم الخلق على ربه سبحانه.

وحيثما يذمّ الله تعالى المنافقين القاعدين والمتخلفين عن الجهاد يبين حال نبيه صلى الله عليه وسلم ويأمر بالاقتداء به ليكون المثل لكل مسلم، فقال تعالى في سورة التوبة بعد ذكْر من رضوا بأن يكونوا مع الخوالف: {لَٰكِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ جَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ}، وقال بعد ذكر المنافقين في الأحزاب وتهرّبهم وتمنّيهم لو كانوا في البوادي بعيدا يسألون عن أخبار المسلمين، قال سبحانه: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا}.

فتلك السنة النبوية وذاكم الدين القويم، إيمان بالله وجهاد في سبيل الله، قال تعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ}.

والجهاد فريضة هذا الزمان وهو كالصلاة والصيام لا فرق فكلها فرض عين على المسلم أينما كان، فلا عذر لأحد بالغ عاقل أن يترك الجهاد.

إن بلاد المسلمين اليوم خالية من المحاكم الشرعية التي تحكمهم بالكتاب والسنة، باستثناء محاكم الدولة الإسلامية -أعزها الله- وكفى بهذا موجِبا للجهاد، فكيف بأسباب أخرى كحقوق المستضعفين من الأسرى الذين ملئت بهم السجون، وما يُصيب المسلمين من القتل والتشريد والتجويع، وقد دهم العدو بلاد المسلمين وغزاها من قرون ووضع عليها الوكلاء من عبيده المرتدين، وكل ذلك يوجب الجهاد على المسلمين قاطبة، وأقوال علماء الإسلام في ذلك معروفة، ولذلك يجب على كل مسلم أن يتعلم حمل السلاح والإعداد وأن يشتري السلاح ليجاهد في سبيل الله، فما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.

ويا عجبا لمليار وأكثر ينتسبون إلى الإسلام من إندونيسيا شرقا إلى إسبانيا غربا ومن أوربا شمالا إلى وسط إفريقية جنوبا لا يجدون محاكم تحكمهم بشريعة الإسلام، ثم هم لا يجاهدون ولا ينصرون المجاهدين؟!!

إن الجهاد حياة ونجاة، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ} قال ابن جرير: "عن ابن اسحاق: أي: للحرب الذي أعزكم الله بها بعد الذل، وقوّاكم بعد الضعف، ومنعكم بها من عدوكم بعد القهر منهم لكم"، وترك الجهاد هلكة وتهلكة، قال تعالى: {وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ} قال المفسرون: "الإقامة في الأهل والمال وترك الجهاد".

ومَن تتبع سير أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم لوجد أنهم بايعوه على الجهاد ما دامت فيهم عين تطرف حتى كان حداؤهم رضي الله عنهم كما أخرجه البخاري ومسلم: "نحن الذين بايعوا محمدا.. على الجهاد ما بقينا أبدا"، فأين المبايعين اليوم على الجهاد ما بقوا أبدا؟

وبعد الجهاد يبدأ البلاء بالمؤمن ليُختبر في إيمانه، ولذلك عدّ النبي صلى الله عليه وسلم من مات دون أن يغزو ولا أن يعزم عليه أنه في شعبة من شعب النفاق، فقال صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه مسلم: (من مات ولم يغز ولم يحدث نفسه بالغزو مات على شعبة من نفاق!)، وما أكثر من يموت اليوم قاعدا هو وأبوه وأجداده!، ما حمل أحدهم سلاحا ولا رأوه إلا بيد جنود الطاغوت المرتدين، ورثوا القعود جيلا عن جيل والله المستعان.

فإياكم يا معشر هذا الجيل بعد أن سمعتم بالخلافة قد أُعيدت أن تترددوا في الجهاد أو تطيبوا نفسا بالقعود، وإنكم لطالما ذقتم مرارة الذل فجربوا حلاوة العز بالجهاد في سبيل الله تعالى.

ومن رام محبة الله فليجاهد في سبيل الله؛ فالمحب يسترخص الغالي والنفيس لمحبوبه، والذين وعد الله بمجيئهم إذا ارتد فئام من الناس وصفهم ربُّنا سبحانه بالجهاد في سبيله، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ}، وفي ذلك إشارة لكل صادق يريد محبة الله تعالى أن يجاهد ولا تأخذه في الله لومة لائم!!

وللجهاد طرق عديدة لمن لم يستطع حضور ساحة الجهاد، فإما أن يجاهد بماله، أو يقتل الكافر بسلاح أو سم أو يخنقه أو يغرقه أو يرميه من شاهق، أو يقصد ماله فيغنمه أو يتلف له متجره أو مركبته أو مزرعته بتحريق أو تخريب أو هدم، فأموال المرتدين مِن قادةٍ وقُضاة وجنود في المتناول، ومَن يصدق الله يهيئ له الأسباب.

ومهما جرّب المجرّبون من طرق وسبل أخرى للنهوض بأمة الإسلام فلن يجدوا أقصر وأصوب من طريق الجهاد الذي سار عليه صلى الله عليه وسلم وصحابته والتابعون رضوان الله عليهم، فالجهاد الجهاد يا أمة الجهاد، والخلافة الخلافة يا أمة الإسلام فخر المسلمين وعزهم وغيظ الكافرين ورعبهم، والحمد لله رب العالمين.



• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 336
الخميس 27 رمضان 1443 هـ