حبُّ الظهور.. تفقّد نيتك! الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، ...

حبُّ الظهور.. تفقّد نيتك!


الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد.

إن الله العليم الخبير استخلف الإنسان في الأرض، وخلق فيه من الغرائز وحوله من متاع الدنيا ما يختبر به انقياده إليه، وتمسّكه بما أمرَه به، وهو سبحانه ناظر إليه، مطّلع على جميع أحواله، كما قال رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم: (إن الدنيا حلوة خَضِرة، وإن الله مستخلفكم فيها، فينظر كيف تعملون...) [رواه مسلم]، فالإنسان تحت نظر الله تعالى وسمعه، يعلم ما توسوس به نفسه وهو أقرب إليه من حبل الوريد، وقد حدَّد له -جلّ في علاه- من متاع هذه الدنيا "الحلوة الخضرة" ما يأتي وما يذر، فأباح له ما رضيَه له مما فيه صلاح حاله وحال مَن حوله، ونهاه عما لا يرضاه له مما فيه فساد حاله وحال مَن حوله.

ومما نهاه ربه عنه مما يفسده: تطلعه لحبّ الظهور وطلب الجاه في هذه الحياة الفانية، فهذه الصفة ليست من صفات المتطلعين للدار الآخرة، التي كتبها الله لأهل الصلاح وخفض الجناح للمسلمين، قال تعالى: {تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ} [القصص:83]، فالمسلم الذي يحرص على أن تكون له عاقبة المتقين الحسنة يحرص على ألا يبغي العلو والجاه في هذه الأرض على حساب دينه، بل يأطر نفسه على التواضع أطرا، إنْ وجد منها تعلّقا بالجاه أو حب الظهور.

كتب سفيان الثوري إلى عباد بن عباد، رسالة قال فيها: "إيّاك أن تكون ممن يحبُّ أن يُعمل بقوله!، أو يُنشر قوله!، أو يُسمع قوله!، وإيّاك وحب الرياسة فإن الرجل يكون حبُّ الرياسة أحبَّ إليه من الذهب والفضة وهو باب غامض لا يبصره إلا البصير من العلماء السماسرة، فتفقّد قلبك، واعمل بنية".

وحبّ الجاه والظهور من أدواء النفوس الخفية التي لها أسبابها وأعراضها وآثارها، كما لها أيضا طبّها وعلاجها.


• من أسباب هذا المرض

فمن أسباب هذا الداء، هو الجهل بحقيقة الدنيا، فمن تأمل حقيقة أنها إلى زوال حتمي، وأنها متاع قليل، وأنها مهما طالت فهي قصيرة ومهما عظمت فهي حقيرة، وأن المسلم فيها كراكب استظلّ بظل شجرة ثم راح وتركها؛ لم يعظم في عينه شيء مِن جاهها، ولم تتطلع نفسه لشيء من حطامها، ومن أسباب هذا الداء أيضا جهل الإنسان بنفسه، فيظن نفسه أكبر مما هو عليه، فيزعم أنه يطلب لها بالجاه حقها، ويضعها في المكانة اللائقة بها ولا يدري أنه بذلك يقتلها!، ومن الأسباب كذلك، الشعور بالنقص الذي يحاول صاحبه أن يعوّضه بطلبه للجاه، ويسد حاجة نفسه من ذلك، ومن أسبابه المؤدية إليه أيضا، كثرة المدّاحين ممن أُمرْنا أن نحثوَ التراب في وجوههم، الذين لا يراعون حال الممدوح ولا تأثّره السيئ بالمدح، مِنْ تعاظم نفسه وتعاليها وإيهامها بالجاه الزائف.


• أعراض هذا المرض

أما أعراض هذا الداء فكثيرة، منها طلب العلم للجدال والظهور، لا للتعلم والعمل، وقد ورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قوله: (مَنْ طَلَبَ الْعِلْمَ لِيُجَارِيَ بِهِ الْعُلَمَاءَ، أَوْ لِيُمَارِيَ بِهِ السُّفَهَاءَ، أَوْ يَصْرِفَ بِهِ وُجُوهَ النَّاسِ إِلَيْهِ، أَدْخَلَهُ اللَّهُ النَّارَ) [أخرجه أبو داود]، ومنها: التكلم عن النفس كثيرا، فيقول قائلهم: لي كذا وكذا، وأستطيع كذا وكذا، وعندي كذا كذا، وقد ذكر الله تعالى في كتابه أمثلة من هؤلاء، فمنهم إبليس -لعنه الله- كما في قوله تعالى: {قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ} [الأعراف:12]، ومنهم فرعون الطاغية كما في قوله تعالى: {وَنَادَىٰ فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَٰذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِن تَحْتِي أَفَلَا تُبْصِرُونَ} [الزخرف:51]، ومنهم قارون الذي خسف الله به وبداره الأرض والذي قال: {إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَىٰ عِلْمٍ عِندِي} [القصص:78]، ومن أعراض هذا الداء كذلك: طلب الإمارة والرياسة، والحرص عليها لذاتها، لا لأخذها بحقها وفائدة البلاد والعباد، وإنما إشباعا لشهوة الجاه وإرضاءً لرغبة النفس.

• آثار هذا المرض

ومن آثار طلب الجاه وحب الظهور بالمال أو الرياسة أو العلم أو غيرها هو فساد الدين والعياذ بالله، روى الإمام أحمد في مسنده من حديث كعب بن مالك الأنصاري -رضي الله عنه-، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (مَا ذِئْبَانِ جَائِعَانِ أُرْسِلَا فِي غَنَمٍ، بِأَفْسَدَ لَهَا مِنْ حِرْصِ الْمَرْءِ عَلَى الْمَالِ وَالشَّرَفِ لِدِينِهِ) قال ابن رجب -رحمه الله-:"فهذا مثل عظيم جدًّا ضربه النبي صلى الله عليه وسلم لفساد دين المؤمن بالحرص على المال والشرف في الدنيا، وأن فساد الدين بذلك ليس بدون فساد الغنم بذئبين ضاريين باتا في الغنم قد غاب عنها رعاتها ليلًا، فهما يأكلان الغنم ويفترسانها، ومعلوم أنه لا ينجو من الغنم من إفساد الذئبين المذكورين والحالة هذه إلا قليل" [ذم المال والجاه]، ومن آثاره أيضا أنه ربما ينتهي بصاحبه الساعي إليه الحريص عليه إلى الوقوع في نواقض الإسلام أو اقتحام الذنوب العظام، كما حصل مع فرعون وقارون ومشركي قريش وابن سلول، وكما يحصل اليوم من كثير من الناس، من المتعالمين ووجهاء الناس وأعيانهم، ومن محبي الشهرة والتصدّر في الشبكة العنكبوتية، فحُبّ الظهور عند كثير من هؤلاء دفعهم إلى مداهنة الناس وتقديم أهوائهم ورضاهم على أحكام الله وأوامره ورضاه، فلم ينالوا غير سخط الله تعالى وسخط الناس!


• علاج هذا المرض

وبما أنه من الأدواء، فإن له دواءً ولا بد، ودواؤه: معرفة حقيقة الدنيا واستحقارها، والتطلع للدار الآخرة والتأمل فيما جاء في وصفها، من لذات لا كدر فيها ولا انقطاع لها، ومعرفة حقيقة النفس والاعتراف بضعفها، وحاجتها لعون الله خالقها وبارئها، والتبرؤ مِن حولها وقوتها إلى حول الله وقوته، وسؤاله سبحانه وتعالى الإخلاص في الأقوال والأعمال، وسؤاله -جلّ وعلا- أن يكسر هذه الرغبة في النفس المتطلعة لها، والتأمل في حال الذين أرادوا الظهور في هذه الدنيا فأهلكهم الله شر هلاك وقصم ظهورهم وجعلهم عبرة، والحرص على عدم طلب الرياسة والتصدّر فإنه باب شر وخطر إذْ الإنسان ضعيف لا يأمن على نفسه!، وإنها أمانة وإنها يوم القيامة خزي وندامة، كما جاء في الحديث عن أبي ذر -رضي الله عنه- قال: (قُلْتُ: يَا رسول اللَّه، ألا تَستعمِلُني؟ فضَرب بِيدِهِ عَلَى مَنْكبِي ثُمَّ قَالَ: يَا أَبَا ذَرٍّ، إنَّكَ ضَعِيفٌ، وإنَّهَا أَمانةٌ، وإنَّها يَوْمَ القيامَة خِزْيٌ ونَدَامةٌ، إلَّا مَنْ أخَذها بِحقِّها، وَأدَّى الَّذِي عليهِ فِيها) [رواه مسلم].


• فائدة

فإن قال قائل: إن إبراهيم -عليه السلام- سأل الله أن يجعل له ذكرا من بعده فقال: {وَاجْعَل لِّي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ} [الشعراء:84] وإن يوسف -عليه السلام- قد طلب الرياسة حين قال للملك: {اجْعَلْنِي عَلَىٰ خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ} [يوسف:55]، وقد ذكر الله تعالى من صفات عباد الرحمن الصالحين أنهم: {وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا} [الفرقان:74] فقد طلبوا أن يكونوا أئمة للمتقين، فلماذا يُمنع المسلم أن يطلب الذكر والجاه؟ فنقول: أما نبيُّ الله إبراهيم -عليه السلام- فإنه سأل الله أن يكون له مِن بعده ذكر حسن ولم يكن يعمل من أجل ذلك، قال ابن كثير في تفسير الآية المذكورة: "أي واجعل لي ذكرا جميلا بعدي أذكر به، ويُقتدى بي في الخير"، وأما نبي الله يوسف -عليه السلام- فقد كان أهلا لها ولم يطلبها لذاتها، وإنما لصلاح البلاد والعباد، أما دعاء عباد الرحمن بأن يكونوا أئمة للمتقين، فقد قال الإمام البخاري -رحمه الله- في تفسيرها: "أئمة نقتدي بمن قبلنا ويقتدي بنا من بعدنا"، ففرق بين من يطلب الإمارة والذكر حرصا على الدنيا وبين من يطلب ذلك حرصا على الآخرة، وقد قال الله تعالى: {مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ * أُولَٰئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [هود:16،15]

فهذا هو الداء، وهذه هي أسبابه وأعراضه وآثاره، فلا بد للمسلم أن يتفقد نفسه كل حين، فربما أصيب بهذا الداء الخفي من حيث لا يشعر، فمن أحسّ بشيء من ذلك فليبادر للعلاج ما دام في العمر بقية، وليصلح نفسه ولْيتهمْها، فإن القلوب بين إصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف شاء، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.



• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 340
الخميس 25 شوال 1443 هـ