530📜 معضلة المشروع الكردي يكاد لم يبق طرف ولا جهة سورية لم تحتفل بسيطرة الميليشيات الكردية ...

530📜 معضلة المشروع الكردي

يكاد لم يبق طرف ولا جهة سورية لم تحتفل بسيطرة الميليشيات الكردية الكافرة على بلدة "الباغوز" بوصفها "الجيب الأخير" للدولة الإسلامية آنذاك، الجميع صفق وهلل شامتا فرحا بهذا الانتصار الشيوعي المزعوم الذي ألبسوه ثوب الثورة والوطنية، حتى أن كثيرا منهم شاركهم -يومها- احتفالهم بعيد " النوروز" وشربوا معا نخب انتصار الثورة على الخوارج.

اليوم، تذكر الثوار السوريون فجأة أن المشروع الكردي مشروع انفصالي انقسامي عدائي مدفوع بأجندة خارجية، فاشتعلت المعارك مجددا بين أبناء الوطن في "سوريا الحرة والموحدة" في حلب الشهباء، ضمن فصل جديد من فصول الثورة الجاهلية التي ليس للإسلام فيها نصيب إلا كنصيب "أحمد" من الشرع! ومع أن دخول الميليشيات الكردية إلى باغوز الإيمان كان على جثث المسلمين من المجاهدين الثابتين وذراريهم من الولدان والنساء والضعفة، بعد موجة قصف صليبي جنوني أمام عدسات الإعلام، ومع ذلك عده الثوار التكفيريون حقيقة -نصرا مؤزرا على "الخوارج" وتطهيرا لسوريا من "الدخلاء".

طوال مراحل الثورة المختلفة، تراوحت مواقف الفصائل الثورية من الميليشيات الكردية، بين المد والجزر والعداء والصلح، بحسب المصلحة السياسية البحتة والآنية، ففي وقت حربهم على الدولة الإسلامية يصوّرهم الإعلام الثوري على أنهم جزء لا يتجزأ من النسيج السوري ضد الخوارج المارقين، وعندما تتصادم معهم الفصائل، يصيرهم إعلام الثورة جواسيس وخونة انفصاليين و "قنديليين" كما هو الحال اليوم بعد صدامهم الأخير مع النظام الجديد.

وحدها الدولة الإسلامية من خاصمت وفاصلت وقاتلت وحاربت وأحبت وأبغضت ووالت وعادت في الله تعالى، ولذلك لم تضطرب مواقفها يمنة ويسرة ولم تتبدل أحكامها بين عشية وضحاها، ولم تغير اصطفافاتها بين الشيء ونقيضه كما يحدث اليوم مع الثوار، تارة أعداء وتارة شركاء، وهذا هو الفرق بين من تُحرّكه العقائد، ومن تُحرّكه المصالح.

أما جذور المشروع الكردي فهو قديم قدم خرائط وخطط الغزو الصليبي اليهودي للمنطقة، فهو مشروع دعمه الغزاة -وخصوصا اليهود- منذ منتصف الستينيات، ليكون جسما دخيلا وأداة تفتيت للمنطقة، وحليفا متقدما وعمقا إستراتيجيا لدويلة اليهود، ضمن الجدر العديدة التي غرسها اليهود في مناطقنا من خلف الستار الأمريكي والأوروبي وغيره، وهو ما يفسر السبب الذي يجعل ملف الأكراد شائكا معقدا أمام الدول، لأنه لا أحد له سلطة فعلية عليه غير صناعه وداعميه الأوائل.

وهذا سبب صموده إلى اليوم في مواطنه الرئيسة في شمال العراق، وجنوب شرق تركيا، وشمال غرب إيران، وأخيرا شرق سوريا حيث "الإدارة الذاتية" التي ما يزال ملفها عالقا لا قدرة للنظام السوري على حسمه حتى الآن، لأن الكلمة الفصل فيه تأتي من الخارج، و"الخارج" حتى اللحظة لم يحسم موقفه المتراوح بين العقدة اليهودية والرغبة الأمريكية.

تاريخيًا، كانت فكرة الدعم اليهودي للمشروع الكردي بنسخته الأولى في کردستان العراق"تطبيقا عمليا لنظرية الطاغوت الماكر "بن غوريون" أول رئيس وزراء لليهود، وحملت اسم "نظرية الأطراف" وتقوم على فكرة إنشاء علاقات نفعية متغلغلة مع "أطراف معتدلة" داخل بلاد الشام والجزيرة والأناضول ما يسمى بـ"الشرق الأوسط"- لدعم المشروع اليهودي التوسعي الذي كان غريبا بين محيطه في بداياته، وكل ما نراه اليوم من مفرزات "التطبيع" هو نتاج عملي لهذه النظرية اليهودية البنغريونية وأخواتها المشابهة.


وهكذا استمر الدعم اليهودي والصليبي للمشروع الكردي كأداة لتقسيم وتجزئة المنطقة على قاعدة "فرق تسد" التي يدمنها الغزاة، وكذلك كحالة نفعية متبادلة إذ شكلت كردستان العراق" على سبيل المثال، قاعدة أمنية متقدمة للأنشطة اليهودية والأمريكية الاستخبارية قرب إيران والعراق، حتى ارتبط اسم "أربيل" بالموساد اليهودي والمخابرات الأمريكية، إلى غيرها من المصالح السياسية والاقتصادية المشتركة ولا ننسى أن دويلة اليهود دعمت علنا ورسميا انفصال "كردستان العراق".

وفي سوريا تلقى المشروع الكردي دفعة قوية، عندما تم توظيفه في الحرب على الدولة الإسلامية في سوريا، فصبّ الصليبيون الدعم صبّا على الميليشيات الكردية بوصفها شريكا محليا وآمنا في الحرب على الإرهاب على مقربة من اليهود، وصنعوا لها "إدارة ذاتية" قومية كفرية على غرار كردستان العراق"، ومن يومها لا يجرؤ أحد من فصائل الثورة على أن يواجه المشروع الكردي مواجهة حقيقية، لأن الذي منح "الإدارة الذاتية" لـ "مظلوم عبدي " هو ذاته الذي منح "الإدارة السورية" لـ "الجولاني".

يتناغم "الحلم" الكردي" بإقامة دولة قومية كبرى تجمع شتاتهم، مع "الحلم اليهودي" المشابه الذي يرى في المشروع الكردي حليفا لا دينيا مقبولا، وأداة "آمنة" في ضرب خصوم اليهود في المنطقة مقارنة بأدوات أخرى لا تتناسب مع العقدة اليهودية الخانقة.

وفقا لكل المعطيات السابقة، غدا مشروع "دولة كردستان الكبرى" بمراحله ومقدماته في العراق وسوريا، جدارا من جدر الحماية المتقدمة عن دويلة يهود في العالم العربي، وبرغم سنفونية العداء العربية التقليدية لليهود، إلا أنه لم يحارب أحد هذا المشروع القومي تدينا إلا الدولة الإسلامية التي قاتلتهم في شمال العراق وشرق سوريا جهادا في سبيل الله بعيدا عن المصالح السياسية، قتال إيمان وكفر، وهو ما يفسّر التدخل المسعور للتحالف الدولي في المعارك التي اقتربت من "أربيل" و"كوباني " العواصم التقليدية للحلم الكردي القومي، والمعامل الخلفية للجهد الأمني اليهودي والصليبي.

كل ما سبق حول جذور وحقيقة المشروع الكردي القومي، يدركه المجاهدون منذ عقود طويلة بفضل الله تعالى، لكننا نعيد التذكير به اليوم تزامنا مع تجدُّد الصراع الكردي السوري الجاهلي بين البيادق الأمريكية المتنافسة، ليقف المسلم من جميع هذه البيادق والصراعات موقف المؤمن الفطن الذي يزن الأمور بمقياس الشرع لا مقياس الوطن، وينطلق في أحكامه على الواقع من هدي الكتاب والسنة، بعيدا عن الأهواء الشخصية والمصالح الحزبية والإملاءات الخارجية التي خنقت الساحة السوريةقديما وحديثا.

وبقدر ما يُرسّخ المسلم قواعد انطلاقه العقدية المنهجية ويُحكم وثاقها بحبل الله المتين؛ بقدر ما يثبت على هذا الطريق ويكون انحيازه لمعسكر التوحيد، وبقدر ما يفرّط في ذلك ويتهاون -ولو بالقليل-؛ بقدر ما يتردى في دركات الجاهلية بمرور الأيام حتى يجد نفسه في نهاية المطاف جنديا في معسكر الطاغوت، معادلة لا تخطىء ولا تحابي.