مقال: السعيُ المشكور بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله نبينا محمد وعلى آله وصحبه ومن ...
مقال: السعيُ المشكور
بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله نبينا محمد وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد.
تَنْعَم أذُنُ المؤمن بلذة كلما سَمِعت بالجنة ونعيمها، فتتأثر جميع الأعضاء خاشعة مطمئنة مشتاقة لتلك الجنة العالية وما فيها من الحور والحبور والأنهار والقصور، وتتوق نفس المؤمن للشهادة في سبيل الله تعالى لما فيها من الكرامة التي تجعل صاحبها يسأل ربه أن يعود إلى الدنيا فيقتل عشر مرات في سبيل الله.
تلك الجنة أيها الأحباب، إن اشتقنا إليها؛ فإن لها سبيلا في الدنيا لا بدّ مِن سلوكه، ومَن سلكه وسار وصبر عليه وصل إن شاء الله.
وقد ساق الله عباده بالترهيب تارة وبالترغيب تارة، بما عنده من فضل يُغدقه عليهم في الدنيا والآخرة، وإن عاجل بشرى المؤمن في الدنيا أن يَرِد بساتين الذكر والأعمال الصالحات، فيذوق على إثرها حلاوة الإيمان، وتطيب نفسه ويعيش جنة الدنيا قبل أن يرزق جنة الآخرة، قال ابن تيمية رحمه الله: "إن في الدنيا جنةً، من لم يَدخلها، لن يدخل جنة الآخرة" [مدارج السالكين]، وهدى الله تعالى عباده لكل ما يصلح لهم أمور دينهم ودنياهم، فتفرّق الناس بين مستكثر طائع له سبحانه، وآخرون تركوا سبيل الهدى وطال بهم الأمل، فسلكوا سبيل الغي والخسران، قال تعالى: {إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا} [الإنسان: 3]، وقوله: {إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ} أي: بيناه له ووضحناه وبصرناهم به، كقوله: {وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَىٰ عَلَى الْهُدَىٰ} [فصلت: 17]، وكقوله: {وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ} [البلد: 10]، أي: بينا له طريق الخير وطريق الشر. [تفسير الطبري]
• خالِف نفسك واحذر الشيطان!
ومن أراد سبيل الجنة فعليه الحذر من أن يغويه الشيطان ويغريه، فإن الشيطان قد أخرج آدم وحواء من الجنة ويريد أن يُضل بَنِيهِما، قال تعالى: {يَا بَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِّنَ الْجَنَّةِ} [الأعراف: 27]، وقال تعالى: {قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ} [الحجر: 39 - 40]، فكان الإخلاص سببا للوقاية من الشيطان، فلا بد أن يأخذ به كل من أراد الآخرة وسعى لها سعيها ليكون سعيه مشكورا، فإن الشيطان بعِيدٌ من أهل الإخلاص.
والجنة إنما تُنال بالاجتهاد والتعب، ولا تُحصّل الجنة بكسل الكُسالى ولا بالتعلق بالدنيا والانشغال بها دون بذل وطاعة وحَمْل الجوارح على ما يحبه الله سبحانه، قال تعالى: {إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَٰلِكَ مُحْسِنِينَ * كَانُوا قَلِيلًا مِّنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ * وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ * وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ} [الذاريات: 16 - 19] ولا تُنال أيضا بالعلو والتكبّر في الدنيا والفساد فيها قال تعالى: {تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ} [القصص: 83]
• لا يُقبل العمل إلا إذا كان خالصًا صوابًا
وأما الأعمال التي تُدخل صاحبها الجنة ويقبلها الله تعالى فهي الأعمال التي استوفت شرطين اثنين هما: الإخلاص لله تعالى، ومتابعة النبي أي موافقة هديه، لقوله تعالى: {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ} [البينة: 5]، وقوله تعالى: {بَلَىٰ مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِندَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} [البقرة: 112]
قال ابن كثير رحمه الله: "أي: من أخلص العمل لله وحده لا شريك له، كما قال تعالى: {فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ...} [آل عمران: 20]، وقال أبو العالية والربيع: {بَلَىٰ مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ} يقول: من أخلص لله. وقال سعيد بن جبير: {بَلَىٰ مَنْ أَسْلَمَ} أخلص، {وَجْهَهُ} قال: دينه، {وَهُوَ مُحْسِنٌ} أي: متبع فيه الرسول صلى الله عليه وسلم فإن للعمل المتقبل شرطين، أحدهما: أن يكون خالصا لله وحده، والآخر: أن يكون صوابا موافقا للشريعة، فمتى كان خالصا ولم يكن صوابا لم يُتقبل، ولهذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد) [رواه مسلم]… وأما إن كان العمل موافقا للشريعة في الصورة الظاهرة، ولكن لم يُخلص عامله القصد لله فهو أيضا مردود على فاعله وهذا حال المنافقين والمرائين، كما قال تعالى: {إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَىٰ يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا} [النساء: 142]" انتهى كلامه.
بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله نبينا محمد وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد.
تَنْعَم أذُنُ المؤمن بلذة كلما سَمِعت بالجنة ونعيمها، فتتأثر جميع الأعضاء خاشعة مطمئنة مشتاقة لتلك الجنة العالية وما فيها من الحور والحبور والأنهار والقصور، وتتوق نفس المؤمن للشهادة في سبيل الله تعالى لما فيها من الكرامة التي تجعل صاحبها يسأل ربه أن يعود إلى الدنيا فيقتل عشر مرات في سبيل الله.
تلك الجنة أيها الأحباب، إن اشتقنا إليها؛ فإن لها سبيلا في الدنيا لا بدّ مِن سلوكه، ومَن سلكه وسار وصبر عليه وصل إن شاء الله.
وقد ساق الله عباده بالترهيب تارة وبالترغيب تارة، بما عنده من فضل يُغدقه عليهم في الدنيا والآخرة، وإن عاجل بشرى المؤمن في الدنيا أن يَرِد بساتين الذكر والأعمال الصالحات، فيذوق على إثرها حلاوة الإيمان، وتطيب نفسه ويعيش جنة الدنيا قبل أن يرزق جنة الآخرة، قال ابن تيمية رحمه الله: "إن في الدنيا جنةً، من لم يَدخلها، لن يدخل جنة الآخرة" [مدارج السالكين]، وهدى الله تعالى عباده لكل ما يصلح لهم أمور دينهم ودنياهم، فتفرّق الناس بين مستكثر طائع له سبحانه، وآخرون تركوا سبيل الهدى وطال بهم الأمل، فسلكوا سبيل الغي والخسران، قال تعالى: {إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا} [الإنسان: 3]، وقوله: {إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ} أي: بيناه له ووضحناه وبصرناهم به، كقوله: {وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَىٰ عَلَى الْهُدَىٰ} [فصلت: 17]، وكقوله: {وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ} [البلد: 10]، أي: بينا له طريق الخير وطريق الشر. [تفسير الطبري]
• خالِف نفسك واحذر الشيطان!
ومن أراد سبيل الجنة فعليه الحذر من أن يغويه الشيطان ويغريه، فإن الشيطان قد أخرج آدم وحواء من الجنة ويريد أن يُضل بَنِيهِما، قال تعالى: {يَا بَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِّنَ الْجَنَّةِ} [الأعراف: 27]، وقال تعالى: {قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ} [الحجر: 39 - 40]، فكان الإخلاص سببا للوقاية من الشيطان، فلا بد أن يأخذ به كل من أراد الآخرة وسعى لها سعيها ليكون سعيه مشكورا، فإن الشيطان بعِيدٌ من أهل الإخلاص.
والجنة إنما تُنال بالاجتهاد والتعب، ولا تُحصّل الجنة بكسل الكُسالى ولا بالتعلق بالدنيا والانشغال بها دون بذل وطاعة وحَمْل الجوارح على ما يحبه الله سبحانه، قال تعالى: {إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَٰلِكَ مُحْسِنِينَ * كَانُوا قَلِيلًا مِّنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ * وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ * وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ} [الذاريات: 16 - 19] ولا تُنال أيضا بالعلو والتكبّر في الدنيا والفساد فيها قال تعالى: {تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ} [القصص: 83]
• لا يُقبل العمل إلا إذا كان خالصًا صوابًا
وأما الأعمال التي تُدخل صاحبها الجنة ويقبلها الله تعالى فهي الأعمال التي استوفت شرطين اثنين هما: الإخلاص لله تعالى، ومتابعة النبي أي موافقة هديه، لقوله تعالى: {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ} [البينة: 5]، وقوله تعالى: {بَلَىٰ مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِندَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} [البقرة: 112]
قال ابن كثير رحمه الله: "أي: من أخلص العمل لله وحده لا شريك له، كما قال تعالى: {فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ...} [آل عمران: 20]، وقال أبو العالية والربيع: {بَلَىٰ مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ} يقول: من أخلص لله. وقال سعيد بن جبير: {بَلَىٰ مَنْ أَسْلَمَ} أخلص، {وَجْهَهُ} قال: دينه، {وَهُوَ مُحْسِنٌ} أي: متبع فيه الرسول صلى الله عليه وسلم فإن للعمل المتقبل شرطين، أحدهما: أن يكون خالصا لله وحده، والآخر: أن يكون صوابا موافقا للشريعة، فمتى كان خالصا ولم يكن صوابا لم يُتقبل، ولهذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد) [رواه مسلم]… وأما إن كان العمل موافقا للشريعة في الصورة الظاهرة، ولكن لم يُخلص عامله القصد لله فهو أيضا مردود على فاعله وهذا حال المنافقين والمرائين، كما قال تعالى: {إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَىٰ يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا} [النساء: 142]" انتهى كلامه.
