حقيقة الابتلاء بالجهاد ما جعل الله تعالى على عباده في الدين مِن حرجٍ لا يقدرون عليه، ولكنّه ...

حقيقة الابتلاء بالجهاد


ما جعل الله تعالى على عباده في الدين مِن حرجٍ لا يقدرون عليه، ولكنّه سبحانه يبتليهم بما يشاء من الأعمال والأحوال، ليميز الخبيث من الطيب والمسيء من المحسن، والابتلاء منوطٌ بالقلوب ومدى انقيادها وقوة عزمها على فعل المأمور به وإنْ كرهته، وترك المنهي عنه وإنْ أحبته وتعلّقت به، وكلما تعلّق المرء بشيء ابتُلي به.

وتمرُّ لفظة "الابتلاء" كثيرا ولكن قلّ مَن يُعطيها حقّها مِن الفقه اللازم لها، والوعي التام بمتطلباتها؛ وذلك بسبب تقديم الشهوات والمحبوبات على أوامر الله تعالى.

وإن كان الابتلاء هو هدف رئيس مِن خلق الإنسان والكون كله، لقوله تعالى: {الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا}؛ فهو أيضا يصاحب المؤمن طوال مسيره في طريق الإيمان، بل هو الدليل على صدق إيمانه مِن عدمه، قال تعالى: {أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ}، فإذا أيقن المرء أنه لا مفرّ مِن الابتلاء في طريقه إلى الله، وجب عليه الاستعداد والتهيؤ له.

وعند وقوع الابتلاء وهو لا بدّ واقع للجميع؛ تتمايز مراتب الناس وتتباين درجاتهم، فهذا أبو الأنبياء الخليل إبراهيم -عليه السلام- تعرّض لابتلاءات واختبارات عدة، نال بعدها وصف {أمّة}، بل نُسبت الملة بأسرها إليه {ملة إبراهيم}، وكفى بموقفه في اختباره بذبح ولده إسماعيل، وذلك عندما {بلغ معه السعي} وقت شدة الحاجة إليه والتعلّق به، فما كان من إبراهيم وابنه -عليهما السلام- سوى التسليم والانقياد لأمر الله تعالى، والاستعداد للتضحية عن طيب خاطر، فلما امتثل للأمر، نودي: {أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ * قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا}، قال ابن كثير: "أي: قد حصل المقصودُ من رؤياك بإضجاعك ولدك للذبح"، فما كان الله ليشقّ عليهما في التكليف، ولكن أراد أن يختبر صدْقهما في الانصياع لأمره تعالى، فوفّيا -عليهما الصلاة والسلام-، قال ابن كثير: "ولهذا قال تعالى: {إِنَّ هَٰذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ} أي: الاختبار الواضح الجلي؛ حيث أمر بذبح ولده، فسارع إلى ذلك مستسلما لأمر الله، منقادا لطاعته؛ ولهذا قال تعالى: {وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّىٰ}".

ومِن أخص الاختبارات؛ ما أمر الله به عباده المؤمنين من الجهاد في سبيله ونصرة دينه وقتال عدوه رغم قدرته تعالى على الانتصار لدينه، قال تعالى: {ذَٰلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَٰكِنْ لِّيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ}، وقد اختبر الله تعالى أصحاب نبيه محمد صلى الله عليه وسلم الذين شاركوا في غزوة أُحُد، والذين لم يكن ابتلاؤهم في الغزوة فحسب، بل كان الابتلاء الحقيقي بعد الغزوة حين نودوا للخروج إلى محطة جهادية أخرى، -واشتُرط عليهم أنْ لا يخرج إلا مَن شارك في أُحُد-، فخرجوا بجراحاتهم وكُلُومهم منقادين لله طائعين راضين محتسبين وقالوا: {حسبنا الله ونعم الوكيل}، حتى وصلوا "حمراء الأسد" ورأى الله صدقهم فكفّ عنهم عدوهم وكانت النتيجة: {فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ}، قال ابن كثير: "أي: لما توكلوا على الله كفاهم ما أهمَّهُمْ وَرد عنهم بأس مَن أراد كيدهم، فرجعوا إلى بلدهم"، وفي هذا لفتة إلى أن العبرة باستعداد القلب للتضحية ولو كان الجسد مصابا بشيء من الضعف أو العطب، فإن القلب هو المحرّك والجسد تبع له، ولذلك شرط الله لرفع السبيل والحرج عن أهل الأعذار {إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ}، فإنْ علم الله صدقهم في نية الخروج للجهاد آجرهم وهم في مكانهم وأشركهم في أجر المجاهدين وهم في بيوتهم، وهذا فضل الله لمن صدَقه.

ونموذج آخر في بيعة الرضوان التي ظفر فيها ألف وأربعمائة صحابي بالجنة ورضوان الله عليهم في الدنيا والآخرة، فلم يكن قتال في علم الله تعالى إلا أنه اختبار للصحابة أيبايعون نبيهم صلى الله عليه وسلم على الموت وعدم الفرار؟ فكانوا خير وزراء لخير نبي صلى الله عليه وسلم، فبايعوه وعزموا على التضحية لدين الله وخلُصت قلوبهم حتى نالوا الجائزة الكبرى: {لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ}، قال ابن كثير: "أي: مِن الصدق والوفاء، والسمع والطاعة".

أما غزوة تبوك التي فضحت المنافقين وعرّت مزاعمهم وقشقشت دواخلهم وبحثت مكنوناتهم وجلّت صفاتهم، وما زال قول الله فيهم: {ومنهم... ومنهم} حتى كشف الله كل شيء؛ فلم يكن في هذه الغزوة قتال يُذكر لمواجهة جيش الروم سوى سرايا لبعض أحياء العرب، وقد كان الابتلاء هو السمة البارزة الطاغية على هذه الغزوة، في تقديم التضحية لدين الله وتلبية نداء رسول الله صلى الله عليه وسلم على إيثار البقاء في الظل البارد وقت دنو الثمار، فقد أفلح مَن كان الله ورسوله أحبّ إليه مِن أهله وولده وماله، وخاب من قعد ورضي بالحياة الدنيا من الآخرة.
وغيرها من الغزوات التي خرج لها رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه الكرام، ولم يَلقوا فيها عدوا أو لم يقع فيها قتال واحتدام، فما كان ثَم إلا اختبار للنفوس، فتلك حقيقة الجهاد، وتلك حقيقة الدين، وتلك ملة إبراهيم عليه السلام؛ الامتثال والتسليم التام المطلق لله تعالى، فهو سبحانه لم يشرّع شيئا لا يستطيعه الناس أو يفوق طاقتهم، بل قال تعالى: {وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ} [الحج: 78]، وهي الحقيقة التي فقهها اليوم جنود الخلافة الثابتون أمام جموع الكفر وأحزابهم وفتاوى حميرهم وحملات تشويههم.

فإذا علمنا هذا، بان بوضوح سبب تساقط كثير من الجماعات والكيانات، فما أعجل تساقطهم في أول اختبار تحت بريق ما يسمى بـ"الدعم المالي" أو "الاعتراف الدولي" أو إزالتهم عن "لوائح الإرهاب" أو غيرها من سبل الترويض والاحتواء، وليتهم سقطوا وتوقفوا عند هذا القعر!، فبعد أن خارت فيهم روح الإيمان والتضحية لربهم؛ رموا أهل الثبات بالنقائص والقبائح.

وما ضرّ المجاهدين الثابتين نعيق هؤلاء الساقطين، وقد علموا أنه لن يبقى في تاريخ أمة الإسلام إلا أهل الصدق والبذل لربهم، فهم النبراس للأجيال، والمجاهد المسلِّم لربه قلبَه وجوارحَه وحياتَه وموتَه، الموطّن نفسه على قبول كل ما أمر الله به، هو الفائز على كل حال، والحمد لله رب العالمين.



• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 341
الخميس 2 ذو القعدة 1443 هـ