مقال: أدرك وقتك (4) المواعيد الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد الصادق ...
مقال: أدرك وقتك (4) المواعيد
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد الصادق الأمين، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد.
لقد علّم الله سبحانه وتعالى عباده المؤمنين العناية بالأوقات والمواعيد، فوقّت للصلاة مواقيت مخصوصة، وفرض الصيام في شهر معيّن، وجعل للحج موعدًا محددًا، وسنّ لبعض الأذكار وقتًا مقيّدًا، وكل هذه العبادات وغيرها مضبوطة بأوقات محددة، كي يتعلم المسلم -بالمداومة عليها- الانضباط بالمواعيد.
وقد حثّ الله سبحانه وتعالى على الالتزام بالمواعيد في آيات عديدة من كتابه الكريم، كما في قوله تعالى: {وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا} [الإسراء]، وقوله تعالى: {وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُّمْ} [النحل]، وقوله أيضا: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ} [المائدة].
• "إن الله لا يخلف الميعاد"
وقد امتدح الله تعالى نفسه بأنه لا يخلف الميعاد، فقال سبحانه: {إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ} [آل عمران]، وقال تعالى: {وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ} [الروم]، وامتدح الله نبيه إسماعيل -عليه السلام- بأنه كان صادقًا في وعده فقال: {وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَّبِيًّا} [مريم].
وثبت في السنة النبوية أن الالتزام بالمواعيد من صفات الملائكة، كما جاء في صحيح مسلم عن عبد الله بن عباس -رضي الله عنهما- قال: "أخبرتني ميمونة: أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أصبح يوما واجما، فقالت ميمونة: يا رسول الله، لقد استنكرت هيئتك منذ اليوم، قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (إن جبريل كان وعدني أن يلقاني الليلة فلم يلقني، أم والله ما أخلفني)، قال: فظل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يومه ذلك على ذلك، ثم وقع في نفسه جرو كلب تحت فسطاط لنا، فأمر به فأخرج، ثم أخذ بيده ماء فنضح مكانه، فلما أمسى لقيه جبريل، فقال له: (قد كنت وعدتني أن تلقاني البارحة)، قال: أجل، ولكنا لا ندخل بيتا فيه كلب ولا صورةٌ". فدلّ ذلك على أن الملائكة أيضا لا تخلف وعودها.
• نبيكم الصادق الأمين
وكان نبينا محمد -صلى الله عليه وسلم- يُلقب في الجاهلية بالصادق الأمين؛ وما ذلك إلا لصدقه في حديثه وميعاده، ولما بعثه الله برسالة الإسلام حثّ النبي -صلى الله عليه وسلم- المؤمنين على هذا الخلق الفضيل، وكان هو -صلى الله عليه وسلم- في مقدمة الممتثلين لهذا الخلق، كيف لا وهو القائل: (إنما بُعثت لأتمم مكارم الأخلاق) [أخرجه أحمد]، وإن كان النبي -صلى الله عليه وسلم- قد امتثل هذا الخلق في الجاهلية دون وحي يرشده، فهو بعد أنْ نزل عليه الوحي وكُلف بالنبوة، أشد التزاما به وحرصا عليه.
وقد أمرنا الله بالأخذ بسنة النبي -صلى الله عليه وسلم- واتخاذه قدوة حسنة، قال تعالى: {لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا} [الأحزاب]، وأولى الناس أخذًا بسنة النبي -صلى الله عليه وسلم- هم المجاهدون في سبيل الله الذين يبتغون مرضاة الله تعالى ويسعون لتطبيق شريعته في أرضه.
• من خصال المنافقين!
ولِما في الإخلال بالمواعيد وإخلافها من فساد في الدين والدنيا وعلائق الناس بعضهم ببعض؛ نهى النبيُ -صلى الله عليه وسلم- عن ذلك، وبيّن أنه خصلة من خصال المنافقين -والعياذ بالله-، فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (أربع من كنّ فيه كان منافقا خالصا، ومن كانت فيه خصلة منهنّ كانت فيه خصلة من النّفاق حتّى يدعها: إذا اؤتمن خان، وإذا حدّث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر) [متفق عليه].
فيفهم من الحديث السابق أن الإخلاف بالعهد والتخلف عنه لغير عذر ليس من صفات المؤمن الذي يتصف بالصدق في أقواله وأفعاله، بل من صفات المنافق الذي اعتاد الكذب في قوله وعمله، فيكذب في حديثه ومواعيده ولا يبالي، فهو فاسد الباطن أصلاً وهذه الصفات تُظهر فساده للناس؛ لذا صارت علامات على النفاق، وذكْرُ النبي -صلى الله عليه وسلم- لهذه الصفة بأنها من صفات المنافقين هو دليل على تحريمها، وأنها معصية لله تعالى تنافي الصدق والوفاء، والله أعلم.
• اضبطوا مواعيدكم
وفي انضباط المسلمين بمواعيدهم أثر واضح في صفاء قلوبهم، ووحدة صفهم، وقوة عملهم، كما أن إخلافها سبب لإيغار الصدور وكثرة الملامة والتمادي في الإهمال.
ويتأكد هذا الأمر في حق المجاهدين فهم القدوة للمسلمين، وبضبط المواعيد تُنجز كثير من المهمات والتكاليف الشرعية التي تفرضها واجبات اليوم والليلة، وبدونها يحدث التقصير والكسل.
ولا يَعد المرء أخاه شيئًا لا يستطيعه، أو يواعدْه وقتًا يغلب على ظنه أنه أقصر مما يمكن، فقد يقع في الإخلاف بين القول والعمل، الذي نهى الله تعالى عنه في قوله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ} [الصف].
ثم على المسلم أن يعذر أخاه إنْ وعده فتأخر عليه يسيرًا، أو لم يستطع الإيفاء بوعده خصوصا إن كان الأمر خارجا عن إرادته ولم يقصد التقصير، أو حدث أمر طارئ لم يقدر عليه، فلا يكلف الله نفسا إلا وسعها.
وبناء على ما تقدم ذكره، فلابدّ للمسلمين عموما والمجاهدين خصوصا الانضباط بالمواعيد وإيلائها اهتماما بالغا قدر الإمكان، كي تستقيم لهم أمور دنياهم وتكاليف جهادهم، فالوقت ثمين وهو في الجهاد أثمن وأثمن، فأوقات المجاهد كلها بذل وأجر وخير، وكلما كان المجاهد ضابطا لوقته كان أكثر إنجازا وإتقانا في أعماله، فنسأل الله أن يجعلنا ممن يحفظون العهود، ويفون بالمواعيد والوعود، وأن يهدينا لأحسن الأخلاق إنه لا يهدي لأحسنها إلا هو، وأن يصرف عنا سيئها إنه لا يصرف عنا سيئها إلا هو، سبحانه إنه سميع قريب مجيب.
هذا والله أعلم وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 345
الخميس 1 ذو الحجة 1443 هـ
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد الصادق الأمين، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد.
لقد علّم الله سبحانه وتعالى عباده المؤمنين العناية بالأوقات والمواعيد، فوقّت للصلاة مواقيت مخصوصة، وفرض الصيام في شهر معيّن، وجعل للحج موعدًا محددًا، وسنّ لبعض الأذكار وقتًا مقيّدًا، وكل هذه العبادات وغيرها مضبوطة بأوقات محددة، كي يتعلم المسلم -بالمداومة عليها- الانضباط بالمواعيد.
وقد حثّ الله سبحانه وتعالى على الالتزام بالمواعيد في آيات عديدة من كتابه الكريم، كما في قوله تعالى: {وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا} [الإسراء]، وقوله تعالى: {وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُّمْ} [النحل]، وقوله أيضا: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ} [المائدة].
• "إن الله لا يخلف الميعاد"
وقد امتدح الله تعالى نفسه بأنه لا يخلف الميعاد، فقال سبحانه: {إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ} [آل عمران]، وقال تعالى: {وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ} [الروم]، وامتدح الله نبيه إسماعيل -عليه السلام- بأنه كان صادقًا في وعده فقال: {وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَّبِيًّا} [مريم].
وثبت في السنة النبوية أن الالتزام بالمواعيد من صفات الملائكة، كما جاء في صحيح مسلم عن عبد الله بن عباس -رضي الله عنهما- قال: "أخبرتني ميمونة: أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أصبح يوما واجما، فقالت ميمونة: يا رسول الله، لقد استنكرت هيئتك منذ اليوم، قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (إن جبريل كان وعدني أن يلقاني الليلة فلم يلقني، أم والله ما أخلفني)، قال: فظل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يومه ذلك على ذلك، ثم وقع في نفسه جرو كلب تحت فسطاط لنا، فأمر به فأخرج، ثم أخذ بيده ماء فنضح مكانه، فلما أمسى لقيه جبريل، فقال له: (قد كنت وعدتني أن تلقاني البارحة)، قال: أجل، ولكنا لا ندخل بيتا فيه كلب ولا صورةٌ". فدلّ ذلك على أن الملائكة أيضا لا تخلف وعودها.
• نبيكم الصادق الأمين
وكان نبينا محمد -صلى الله عليه وسلم- يُلقب في الجاهلية بالصادق الأمين؛ وما ذلك إلا لصدقه في حديثه وميعاده، ولما بعثه الله برسالة الإسلام حثّ النبي -صلى الله عليه وسلم- المؤمنين على هذا الخلق الفضيل، وكان هو -صلى الله عليه وسلم- في مقدمة الممتثلين لهذا الخلق، كيف لا وهو القائل: (إنما بُعثت لأتمم مكارم الأخلاق) [أخرجه أحمد]، وإن كان النبي -صلى الله عليه وسلم- قد امتثل هذا الخلق في الجاهلية دون وحي يرشده، فهو بعد أنْ نزل عليه الوحي وكُلف بالنبوة، أشد التزاما به وحرصا عليه.
وقد أمرنا الله بالأخذ بسنة النبي -صلى الله عليه وسلم- واتخاذه قدوة حسنة، قال تعالى: {لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا} [الأحزاب]، وأولى الناس أخذًا بسنة النبي -صلى الله عليه وسلم- هم المجاهدون في سبيل الله الذين يبتغون مرضاة الله تعالى ويسعون لتطبيق شريعته في أرضه.
• من خصال المنافقين!
ولِما في الإخلال بالمواعيد وإخلافها من فساد في الدين والدنيا وعلائق الناس بعضهم ببعض؛ نهى النبيُ -صلى الله عليه وسلم- عن ذلك، وبيّن أنه خصلة من خصال المنافقين -والعياذ بالله-، فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (أربع من كنّ فيه كان منافقا خالصا، ومن كانت فيه خصلة منهنّ كانت فيه خصلة من النّفاق حتّى يدعها: إذا اؤتمن خان، وإذا حدّث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر) [متفق عليه].
فيفهم من الحديث السابق أن الإخلاف بالعهد والتخلف عنه لغير عذر ليس من صفات المؤمن الذي يتصف بالصدق في أقواله وأفعاله، بل من صفات المنافق الذي اعتاد الكذب في قوله وعمله، فيكذب في حديثه ومواعيده ولا يبالي، فهو فاسد الباطن أصلاً وهذه الصفات تُظهر فساده للناس؛ لذا صارت علامات على النفاق، وذكْرُ النبي -صلى الله عليه وسلم- لهذه الصفة بأنها من صفات المنافقين هو دليل على تحريمها، وأنها معصية لله تعالى تنافي الصدق والوفاء، والله أعلم.
• اضبطوا مواعيدكم
وفي انضباط المسلمين بمواعيدهم أثر واضح في صفاء قلوبهم، ووحدة صفهم، وقوة عملهم، كما أن إخلافها سبب لإيغار الصدور وكثرة الملامة والتمادي في الإهمال.
ويتأكد هذا الأمر في حق المجاهدين فهم القدوة للمسلمين، وبضبط المواعيد تُنجز كثير من المهمات والتكاليف الشرعية التي تفرضها واجبات اليوم والليلة، وبدونها يحدث التقصير والكسل.
ولا يَعد المرء أخاه شيئًا لا يستطيعه، أو يواعدْه وقتًا يغلب على ظنه أنه أقصر مما يمكن، فقد يقع في الإخلاف بين القول والعمل، الذي نهى الله تعالى عنه في قوله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ} [الصف].
ثم على المسلم أن يعذر أخاه إنْ وعده فتأخر عليه يسيرًا، أو لم يستطع الإيفاء بوعده خصوصا إن كان الأمر خارجا عن إرادته ولم يقصد التقصير، أو حدث أمر طارئ لم يقدر عليه، فلا يكلف الله نفسا إلا وسعها.
وبناء على ما تقدم ذكره، فلابدّ للمسلمين عموما والمجاهدين خصوصا الانضباط بالمواعيد وإيلائها اهتماما بالغا قدر الإمكان، كي تستقيم لهم أمور دنياهم وتكاليف جهادهم، فالوقت ثمين وهو في الجهاد أثمن وأثمن، فأوقات المجاهد كلها بذل وأجر وخير، وكلما كان المجاهد ضابطا لوقته كان أكثر إنجازا وإتقانا في أعماله، فنسأل الله أن يجعلنا ممن يحفظون العهود، ويفون بالمواعيد والوعود، وأن يهدينا لأحسن الأخلاق إنه لا يهدي لأحسنها إلا هو، وأن يصرف عنا سيئها إنه لا يصرف عنا سيئها إلا هو، سبحانه إنه سميع قريب مجيب.
هذا والله أعلم وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 345
الخميس 1 ذو الحجة 1443 هـ
