الدولة الإسلامية / الجهاد وأهل الشعارات جرت سنة الله تعالى أنْ لا يذر المجاهدين على ما ...
الدولة الإسلامية / الجهاد وأهل الشعارات
جرت سنة الله تعالى أنْ لا يذر المجاهدين على ما هُم عليه مِن اختلاط الصفوف حتى يميز الخبيث من الطيب، والصادق من الكاذب، وأصحاب المنهج الرباني الذين يقاتلون على أمر الله ممّن سواهم، فلا بُدّ إذنْ للصفوف أن تتمايز، ولا بُدّ لهذا التمايز مِن فتنٍ تزيده وضوحًا كلما اشتدت، حتى تصل بالصفوف إلى مرحلة الاختيار بين أمري الدنيا والآخرة، عندها لا بُدّ للمرء من تحديد الانتماء بدقة إلى أي الفسطاطين ينتمي؛ إلى فسطاط المؤمنين أم إلى فسطاط المنافقين، ولا فساطيط بعد ذلك.
وعلى مدار عقود خلت رُفع شعار الجهاد في سبيل الله في ساحات كثيرة، من قِبل جماعات وتنظيمات عديدة، لكن قليلا من التمعّن يُظهِر أنه كان شعارًا فارغ المحتوى عند أكثر هؤلاء، فتجد منهم مَن يقاتل في سبيل داعميه، أو بالأحرى في سبيل جيبه! ولو خُيّر هذا بين أمر الله وأمر الداعمين لاختار أمر الداعمين على أمر الله!، ومنهم من يرفع شعار الجهاد في سبيل الله وهو يقاتل في سبيل وطنه، في سبيل التراب والحدود، والشعب الواحد المتعدد الأطياف والديانات!، ولا فرق عنده بين مَن يوحّد الله العظيم وبين مَن يشرك به، ولو خُيّر هذا بين أمر الله الذي يقضي بنصرة المسلم مِن غير أبناء وطنه على كافر مِن شركائه في الوطن؛ لاختار قطعًا أمر الوطن على أمر الله!، ومنهم مَن يقاتل حميّة ومنهم مَن يقاتل عصبية ومنهم مَن يقاتل تجارة!، والجميع يرفعون لافتات الجهاد في سبيل الله، ثم ليس عند هؤلاء مشكلة -بعد نقضهم عرى الإسلام والجهاد!- في أنهم يستمرون برفع شعار الجهاد في سبيل الله، ويتزيون بزي المجاهدين ويتكلمون بألسنتهم، ويصرّحون أنهم يقاتلون في سبيل الله وتطبيق الشريعة، التي هدموا أركانها بأفعالهم، ولم يسلم لهم منها إلا الاسم الذي صار دليلا على نفاقهم بما أخلفوا الله ما ادعوه!
إنّ اختيار سبيل الله في الجهاد يعني المفاصلة التامة مع أيّ سبيل آخر، ولا بُدّ فيه من تحديد الانتماء قولا وفعلا، وحسم الموقف مِن سبيل الحقّ سبحانه وسبيل الطاغوت والمفاصلة على ذلك مفاصلة واضحة، ومَن أراد اختبار ذلك في نفسه فعليه أن يتفقد حلاوة الإيمان في قلبه، وأن يتأكد من لوازم وجودها، كما قال نبيُّ الله ورسوله -صلى الله عليه وسلم-: (ثلاث من كنّ فيه وجد بهن حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يُحب الرجل أخاه لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يرجع إلى الكفر بعد أن أنقذه الله منه كما يكره أن يقذف في النار)[متفق عليه]، فلو خُيّر المسلم الصادق بين ما في هذه الدنيا من مصالح موهومة تجلب له ثناء الناس ومدحهم، أو مناصب مرموقة تجلب له المال والجاه؛ مقابل التنازل عن أمر الله ورسوله وتحكيم شرعه، لاختار أمر الله ورسوله وتحكيم شرعه كائنًا بعد ذلك ما يكون، وأنْ يحب المسلمين مِن أيّ بلد أو عرق أو لون أو لغة، ويواليهم على حساب كفار بلده وأبناء عمومته وإخوانه الذين يشترك معهم في رحم واحدة، فتكون رابطة الإسلام في قلبه أقوى من كل رابطة سواها، وأنْ يستشعر منّة الله عليه بالإسلام، وإنقاذه من ظلمات الضلال، وأن يرى ببصيرة الإيمان أنه في صف الإسلام وأهله ويكره الانتقال عنه إلى صف الطواغيت كما يكره أن يُقذف في النار، فهذه مؤشرات على صحة الطريق واستقامة المنهج، فليتفقدها في نفسه كل مَن رفع راية الجهاد، ثم لينظر أين هو منها.
إنّ هذه المفاصلة هي اختبار عملي لصحة الإيمان، وقد كان الصحابة يعرفون حقيقتها، فهي من ثمرات الإيمان المتجذر في قلوبهم، والذي ما إنْ تخالط بشاشته قلب أحدهم حتى يزن جميع مَن حوله وما حوله بما عرف مِن الحق، وكان من صور هذه المفاصلة الإيمانية التي طبّقها صحابة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في حياتهم، قصة الصحابي ثمامة بن أثال -رضي الله عنه- فقد أسلم على يدي رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، ولم يكن قد مضى على إسلامه غير مسافة الطريق بين المدينة ومكة التي ذهب إليها معتمرا، حتى أعلن المفاصلة مع مَن كانوا حلفاء أمسه مِن كفار قريش، فقرر أنْ يقطع عنهم الحنطة التي كانت تمر بطريق قومه، ويعلن -وهو سيد بني حنيفة باليمامة- مفاصلته التامة لأعداء دينه قائلا: "فلا واللهِ لا تأتيكم مِن اليمامةِ حبَّهُ حِنطةٍ حتَّى يأذَنَ فيها رسولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-"، فتأمل هذه المفاصلة السريعة والحاسمة بعد أيام قليلة فقط من إسلامه، وقارنها بمن يدّعون الإسلام والجهاد لسنين طوال، وهم غارقون في موالاة أعداء دينهم حتى آذانهم!
وهذا عمر الفاروق -رضي الله عنه- يستشيره رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في أسرى بدر المشركين الذين هم أعمامه وبنو أعمامه، وهم قومه الذين نشأ بينهم في موطن صباه، فيقول: "أرى أن تُمكنني من فلان -قريب لعُمر- فأضربُ عنقه، وتُمكّنَ عليًّا مِن عقيل فيضرب عنقه، وتُمكّن حمزة من فلان -أخيه- فيضرب عنقه!، حتى يعلم الله أنه ليس في قلوبنا هوادة للمشركين..." [مسلم وأحمد]، فيُنزل الله تعالى آيات من السماء تؤيد كلام الفاروق -رضي الله عنه-، إذن فهي المفاصلة الحاسمة التامة التي لا تخلط الإيمان بالكفر مثقال ذرة ولا أقل من ذلك، رضي الكفار أم لم يرضوا، فهذا هو دين الله الذي رضيه لعباده، لا تنازل فيه عن العقيدة، ولا مداهنة ولا حلول وسط ترضي جميع الأطراف!، ولا طاولات مستديرة للتفاوض على دين الله تعالى والتنازل عن التوحيد، بل ثبات على أمر الله حتى يحكم الله بين المسلمين وأعدائهم وهو خير الحاكمين.
ولو أمعنّا النظر في زماننا هذا، وتأملنا حال الدولة الإسلامية وحال أصحاب الشعارات الجهادية، لوجدنا أن سيل الجهاد قد احتمل الغث والسمين، والصادق والمنافق، والجميع يرفعون شعار الجهاد في سبيل الله، فلما امتُحنت الصفوف، بالفتن والابتلاءات، وحان وقت المفاصلة والصدق، ذهب الزبد جفاءا، وبقي ما ينفع الناس أصله ثابت وفروعه ترتفع وثماره تينع في مشارق الأرض ومغاربها، فثبتت الدولة الإسلامية على تطبيق الشريعة في كل بقعة وصل إليها سلطانها، في حين انكشف الأدعياء وأصحاب الشعارات الذين حاربوها لمّا مكّنهم الله من الأرض وأخلفوا الله ما وعدوه، وبان زيف شعاراتهم، وانفضح للناس نفاقهم، وكل ذلك بتقدير الله وحكمته، وهو أيضا من رحمته بالمجاهدين في سبيله، ليسيروا على بصيرة من أمرهم، والحمد لله رب العالمين.
• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 346
الخميس 8 ذو الحجة 1443 هـ
جرت سنة الله تعالى أنْ لا يذر المجاهدين على ما هُم عليه مِن اختلاط الصفوف حتى يميز الخبيث من الطيب، والصادق من الكاذب، وأصحاب المنهج الرباني الذين يقاتلون على أمر الله ممّن سواهم، فلا بُدّ إذنْ للصفوف أن تتمايز، ولا بُدّ لهذا التمايز مِن فتنٍ تزيده وضوحًا كلما اشتدت، حتى تصل بالصفوف إلى مرحلة الاختيار بين أمري الدنيا والآخرة، عندها لا بُدّ للمرء من تحديد الانتماء بدقة إلى أي الفسطاطين ينتمي؛ إلى فسطاط المؤمنين أم إلى فسطاط المنافقين، ولا فساطيط بعد ذلك.
وعلى مدار عقود خلت رُفع شعار الجهاد في سبيل الله في ساحات كثيرة، من قِبل جماعات وتنظيمات عديدة، لكن قليلا من التمعّن يُظهِر أنه كان شعارًا فارغ المحتوى عند أكثر هؤلاء، فتجد منهم مَن يقاتل في سبيل داعميه، أو بالأحرى في سبيل جيبه! ولو خُيّر هذا بين أمر الله وأمر الداعمين لاختار أمر الداعمين على أمر الله!، ومنهم من يرفع شعار الجهاد في سبيل الله وهو يقاتل في سبيل وطنه، في سبيل التراب والحدود، والشعب الواحد المتعدد الأطياف والديانات!، ولا فرق عنده بين مَن يوحّد الله العظيم وبين مَن يشرك به، ولو خُيّر هذا بين أمر الله الذي يقضي بنصرة المسلم مِن غير أبناء وطنه على كافر مِن شركائه في الوطن؛ لاختار قطعًا أمر الوطن على أمر الله!، ومنهم مَن يقاتل حميّة ومنهم مَن يقاتل عصبية ومنهم مَن يقاتل تجارة!، والجميع يرفعون لافتات الجهاد في سبيل الله، ثم ليس عند هؤلاء مشكلة -بعد نقضهم عرى الإسلام والجهاد!- في أنهم يستمرون برفع شعار الجهاد في سبيل الله، ويتزيون بزي المجاهدين ويتكلمون بألسنتهم، ويصرّحون أنهم يقاتلون في سبيل الله وتطبيق الشريعة، التي هدموا أركانها بأفعالهم، ولم يسلم لهم منها إلا الاسم الذي صار دليلا على نفاقهم بما أخلفوا الله ما ادعوه!
إنّ اختيار سبيل الله في الجهاد يعني المفاصلة التامة مع أيّ سبيل آخر، ولا بُدّ فيه من تحديد الانتماء قولا وفعلا، وحسم الموقف مِن سبيل الحقّ سبحانه وسبيل الطاغوت والمفاصلة على ذلك مفاصلة واضحة، ومَن أراد اختبار ذلك في نفسه فعليه أن يتفقد حلاوة الإيمان في قلبه، وأن يتأكد من لوازم وجودها، كما قال نبيُّ الله ورسوله -صلى الله عليه وسلم-: (ثلاث من كنّ فيه وجد بهن حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يُحب الرجل أخاه لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يرجع إلى الكفر بعد أن أنقذه الله منه كما يكره أن يقذف في النار)[متفق عليه]، فلو خُيّر المسلم الصادق بين ما في هذه الدنيا من مصالح موهومة تجلب له ثناء الناس ومدحهم، أو مناصب مرموقة تجلب له المال والجاه؛ مقابل التنازل عن أمر الله ورسوله وتحكيم شرعه، لاختار أمر الله ورسوله وتحكيم شرعه كائنًا بعد ذلك ما يكون، وأنْ يحب المسلمين مِن أيّ بلد أو عرق أو لون أو لغة، ويواليهم على حساب كفار بلده وأبناء عمومته وإخوانه الذين يشترك معهم في رحم واحدة، فتكون رابطة الإسلام في قلبه أقوى من كل رابطة سواها، وأنْ يستشعر منّة الله عليه بالإسلام، وإنقاذه من ظلمات الضلال، وأن يرى ببصيرة الإيمان أنه في صف الإسلام وأهله ويكره الانتقال عنه إلى صف الطواغيت كما يكره أن يُقذف في النار، فهذه مؤشرات على صحة الطريق واستقامة المنهج، فليتفقدها في نفسه كل مَن رفع راية الجهاد، ثم لينظر أين هو منها.
إنّ هذه المفاصلة هي اختبار عملي لصحة الإيمان، وقد كان الصحابة يعرفون حقيقتها، فهي من ثمرات الإيمان المتجذر في قلوبهم، والذي ما إنْ تخالط بشاشته قلب أحدهم حتى يزن جميع مَن حوله وما حوله بما عرف مِن الحق، وكان من صور هذه المفاصلة الإيمانية التي طبّقها صحابة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في حياتهم، قصة الصحابي ثمامة بن أثال -رضي الله عنه- فقد أسلم على يدي رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، ولم يكن قد مضى على إسلامه غير مسافة الطريق بين المدينة ومكة التي ذهب إليها معتمرا، حتى أعلن المفاصلة مع مَن كانوا حلفاء أمسه مِن كفار قريش، فقرر أنْ يقطع عنهم الحنطة التي كانت تمر بطريق قومه، ويعلن -وهو سيد بني حنيفة باليمامة- مفاصلته التامة لأعداء دينه قائلا: "فلا واللهِ لا تأتيكم مِن اليمامةِ حبَّهُ حِنطةٍ حتَّى يأذَنَ فيها رسولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-"، فتأمل هذه المفاصلة السريعة والحاسمة بعد أيام قليلة فقط من إسلامه، وقارنها بمن يدّعون الإسلام والجهاد لسنين طوال، وهم غارقون في موالاة أعداء دينهم حتى آذانهم!
وهذا عمر الفاروق -رضي الله عنه- يستشيره رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في أسرى بدر المشركين الذين هم أعمامه وبنو أعمامه، وهم قومه الذين نشأ بينهم في موطن صباه، فيقول: "أرى أن تُمكنني من فلان -قريب لعُمر- فأضربُ عنقه، وتُمكّنَ عليًّا مِن عقيل فيضرب عنقه، وتُمكّن حمزة من فلان -أخيه- فيضرب عنقه!، حتى يعلم الله أنه ليس في قلوبنا هوادة للمشركين..." [مسلم وأحمد]، فيُنزل الله تعالى آيات من السماء تؤيد كلام الفاروق -رضي الله عنه-، إذن فهي المفاصلة الحاسمة التامة التي لا تخلط الإيمان بالكفر مثقال ذرة ولا أقل من ذلك، رضي الكفار أم لم يرضوا، فهذا هو دين الله الذي رضيه لعباده، لا تنازل فيه عن العقيدة، ولا مداهنة ولا حلول وسط ترضي جميع الأطراف!، ولا طاولات مستديرة للتفاوض على دين الله تعالى والتنازل عن التوحيد، بل ثبات على أمر الله حتى يحكم الله بين المسلمين وأعدائهم وهو خير الحاكمين.
ولو أمعنّا النظر في زماننا هذا، وتأملنا حال الدولة الإسلامية وحال أصحاب الشعارات الجهادية، لوجدنا أن سيل الجهاد قد احتمل الغث والسمين، والصادق والمنافق، والجميع يرفعون شعار الجهاد في سبيل الله، فلما امتُحنت الصفوف، بالفتن والابتلاءات، وحان وقت المفاصلة والصدق، ذهب الزبد جفاءا، وبقي ما ينفع الناس أصله ثابت وفروعه ترتفع وثماره تينع في مشارق الأرض ومغاربها، فثبتت الدولة الإسلامية على تطبيق الشريعة في كل بقعة وصل إليها سلطانها، في حين انكشف الأدعياء وأصحاب الشعارات الذين حاربوها لمّا مكّنهم الله من الأرض وأخلفوا الله ما وعدوه، وبان زيف شعاراتهم، وانفضح للناس نفاقهم، وكل ذلك بتقدير الله وحكمته، وهو أيضا من رحمته بالمجاهدين في سبيله، ليسيروا على بصيرة من أمرهم، والحمد لله رب العالمين.
• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 346
الخميس 8 ذو الحجة 1443 هـ
