صحيفة النبأ (347) / استعن بالله ولا تعجز يسير المؤمن على بصيرة من أمره، فالمنهج المرسوم له ...

صحيفة النبأ (347) / استعن بالله ولا تعجز


يسير المؤمن على بصيرة من أمره، فالمنهج المرسوم له منهج رباني لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، فإن عرض له عارض يصيب العزيمة بالفتور، أو جنحت نفسه نحو شيء من ذلك، أنهضها بالغاية العظيمة المنتظرة، والجزاء الأوفى الموعود، لتهون عليه التكاليف ويستعذب ما كان منها مرّا، وتنهض نفسه من جديد لتواصل المسير وتحثّ الخطى، بهمة عالية ونفس راضية مستعينة بالله متوكلة عليه، طالبة لرضاه سبحانه وتعالى.

وإن مِن بشرية النفوس المؤمنة أنها تحب قطف ثمار جهدها وبذلها وتحصد زروع تعبها وكدّها ونصبها، فإنْ تأخر الحصاد تباطأت خطى بعضها واستطالت الطريق، وقد أصاب الصحابة -رضي الله عنهم- يوم (أحد) ما أصابهم، بعد أن قُتل منهم الكثير والتف العدو من خلفهم وظنوا أنهم أحيط بهم، وبُثت الأراجيف الكاذبة التي أشاعت مقتل رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، ووجد الصحابة أنفسهم في مواجهة أول مصاب كبير في مسيرتهم في سبيل الله، لتنزل -بعد ذلك- آيات الله الكريم تواسيهم فيما أصابهم، وتحذرهم من الإبطاء في مسيرة العطاء، وتنبههم ألّا يقعوا في الوهن والضعف والاستكانة، وتضرب لهم مثلا بمن ساروا على صراط الله المستقيم قبلهم، قال تعالى: {وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُواْ لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُواْ وَمَا اسْتَكَانُواْ وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ}.

وهكذا هم أهل الإيمان في هذا الزمان، يجب أن ينظروا إلى من سبقهم ممن ساروا على صراط الله المستقيم، فلا يهنوا لما يصيبهم من جراحات ولا يضعفوا عن مواصلة الطريق ولا يستكينوا، فقد أصاب كل ذلك مَن قبلهم مِن الأنبياء وأتباعهم والصحابةَ ونبيَّهم -صلى الله عليه وسلم-، وهم على إثرهم سائرون، فلابد أن يصبروا كما صبر الذين من قبلهم، وأن يعلموا أن طول طريقهم ووعورته إنما هو اختبار لصدق عزيمتهم في الاستمرار عليه، وأن كل ضغط يتعرضون له هو محاولة لدفعهم نحو الكف عن المسير، أو التباطؤ فيه.

وإن وجد المؤمن من نفسه فتورا أو تراخيا، فعليه أن يستعين بالعلاج الذي وصفه له الله تعالى ورسوله -صلى الله عليه وسلم-، ليكون دافعا له لمواصلة المسير، ومنهِضا له من الفتور، ومن هذا العلاج: الاستعانة بالصبر والصلاة، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ}، ففي الآية توجيه لمن أبطأ السير، وخالج نفسه شعور الملل؛ بالاستعانة بالصبر المفضي إلى التسليم بأمر الله، لما قدّره عليه من عقبات الابتلاء في الدنيا، ثم الصلاة التي تصله بربه، لتتجدد بتلك الصلة المباركة صلتُه بالعزيمة والهمة مرة أخرى، ويكون ذلك زادا إيمانيا تتكئ عليه النفس إن مالت نحو الوهن أو شيء منه، ومن العلاج أيضا: تحديث النفس بالعاقبة الحسنة، وأنّ بعد هذا التعب الطويل راحة كبرى، وبعد هذا الصبر الجميل غاية يهون عند وصولها كل تعب، وقد ربّى الأنبياء الكرام أتباعهم على هذا، فهذا نبي الله موسى عليه السلام، يبشّر أتباعه كما قال تعالى: {قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ} فيشكون له تبعات الطريق وصعوبته: {قَالُوا أُوذِينَا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنَا وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنَا}، فيجيبهم كليم الله مرة أخرى محفزا ومبشرا: {قَالَ عَسَىٰ رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ}، فينبغي أن يكون التفكر في العاقبة الحسنة والمنقلب الجميل حافزا للنفوس التي هزتها رياح الابتلاءات أن تنهض من فتورها، وتستيقظ من رقادها، لتواصل المسير بهمم عالية وقلوب راضية.

فإنْ ربط المؤمن قلبه بالله وتعلق به سبحانه وتعالى، لا يضره حينئذ ما وقع من عقبات في طريقه، ولا يدفعه عدم نيله مراده في الدنيا إلى الإبطاء من المسير، فالغاية أن يبقى ملازما غرزَ الصالحين كائنا في سبيل ذلك ما كان، وقد بشر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بفتح فارس والروم ثم مات ولم ير ذلك الفتح العظيم، وقُتل من الصحابة يوم (بدر) من لمْ ير انكسار المشركين، وقُتل في حروب الردة أضعاف أضعافهم ممن لم يشهدوا هزيمة المرتدين، وما زال الركب الميمون مستمرا بالعطاء إلى زماننا هذا، فقد رأينا الاستشهاديين، وهم يسقون شجرة النصر من دمائهم ثم يذهبون ليقطف ثمرها إخوانهم من بعدهم، وهكذا يمضي أهل الإيمان، همهم أنهم يُثبتون الخطى على مراد ربهم، رأوا ثمرة أعمالهم أم لم يروها، فمن كان قصده الآخرة هانت عليه الدنيا بما فيها.

فعن خَبَّاب بن الأَرَت -رضي الله عنه- قال: "هاجرنا مع النبي -صلى الله عليه وسلم- نُريد وجه الله، فوقع أجرنا على الله، فمِنَّا مَنْ مَضَى لم يأخذ من أجره شيئًا منهم: مصعب بن عمير قتل يوم أحد، وترك نَمِرة، فكنا إذا غطينا رأسه بدت رجلاه، وإذا غطينا رجليه بدا رأسه، فأمرنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أن نغطي رأسه ونجعل على رجليه شيئًا من الإذخر، ومنا من أيْنَعَتْ له ثمرته فهو يهدبها" [رواه الشيخان]، فتأمل حال الصحابيين الجليلين، مصعب بن عمير وخباب بن الأرت الذي روى هذا الحديث، فقد ذهب مصعب إلى ربه مجاهدا في سبيل الله، لم يرَ فتح مكة ولا هزيمة كفار قريش، ولم يجد كفنا في الدنيا يكفيه!، بينما بقي خبّاب وهو من السابقين الأولين الذين كانوا يعذبون في مكة أشد العذاب؛ ليشهد فتح مكة ويرى إرغام أنوف طغاتها الذين كانوا يعذبونه، ثم يرى فتح العراق والشام وغيرها من بلاد الله، كما أخبره رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يوم ذهب إليه شاكيًا إليه طول الطريق وشدة البلاء، قائلا: شَكَوْنا إلى رَسولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- وهو مُتَوَسِّدٌ بُرْدَةً له في ظِلِّ الكَعْبَةِ فَقُلْنا: ألا تَسْتَنْصِرُ لنا ألا تَدْعُو لَنا؟ فقالَ: (قدْ كانَ مَن قَبْلَكُمْ، يُؤْخَذُ الرَّجُلُ فيُحْفَرُ له في الأرْضِ، فيُجْعَلُ فيها، فيُجاءُ بالمِنْشارِ فيُوضَعُ علَى رَأْسِهِ فيُجْعَلُ نِصْفَيْنِ، ويُمْشَطُ بأَمْشاطِ الحَدِيدِ، ما دُونَ لَحْمِهِ وعَظْمِهِ، فَما يَصُدُّهُ ذلكَ عن دِينِهِ، واللهِ لَيَتِمَّنَّ هذا الأمْرُ، حتَّى يَسِيرَ الرَّاكِبُ مِن صَنْعاءَ إلى حَضْرَمَوْتَ، لا يَخافُ إلَّا اللَّهَ، والذِّئْبَ علَى غَنَمِهِ، ولَكِنَّكُمْ تَسْتَعْجِلُونَ) [البخاري] وقد شهد الفتوح كما وعده حبيبه -صلى الله عليه وسلم-.

فعلى المسلمين عموما والمجاهدين خصوصا أن يتأكدوا دومًا من ملازمتهم لأمر الله ورسوله، وأن يكون كل همهم هو هذه الملازمة المستمرة، سواء شهدوا هذا النصر أم لم يشهدوه وأن يوقنوا بأن الله ناصر دينه لا محالة، وليجعلوا كل همهم السير على مراد ربهم تعالى، قبل النصر أو بعده، وأن يستعينوا بالله تعالى على ما يواجهونه في هذا الطريق المبارك، فإنه هو مولاهم وناصرهم، {فَنِعْمَ الْمَوْلَىٰ وَنِعْمَ النَّصِيرُ}.


• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 347
الخميس 15 ذو الحجة 1443 هـ