مقال: لا تدابروا إنّ المسلمين فيما بينهم كالبنيان يشدُّ بعضُهم بعضا، إنْ أصيب مسلم في الشرق ...

مقال: لا تدابروا


إنّ المسلمين فيما بينهم كالبنيان يشدُّ بعضُهم بعضا، إنْ أصيب مسلم في الشرق تألم له إخوانه في الغرب، فهم كالجسد الواحد إنْ اشتكى منه عضوٌ تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى، وقد نهى الإسلام عن كل ما يفكك هذه الرابطة الربانية أو يضعفها، ولذلك أمر بوحدة الصف والجماعة والائتلاف، وحذّر من الفرقة بين المسلمين والاختلاف، ويبدأ هذا من علاقة المسلم بأخيه المسلم، فهذه الرابطة هي اللبنة الأولى في تماسك صف المسلمين، فنهت نصوص الشريعة عن هجر المسلم أخاه المسلم، ورتبت على ذلك الوعيد، ورغبت بتقوية العلاقة بين المسلم وإخوانه وجاء في ذلك الأجر الجزيل والثواب الجميل.


• المسلم أخو المسلم

لقد حثّ الإسلام على تقوية الصلة بين المسلمين، ورغّب في أسباب ذلك أيّما ترغيب، قال النبي -صلى الله عليه وسلم- (المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يُسْلمه، ومن كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته، ومن فرج عن مسلم كربة فرج الله عنه كربة من كربات يوم القيامة، ومن ستر مسلما ستره الله يوم القيامة) [متفق عليه]، فتأمل هذا الحديث الشريف، كيف يبني علاقة المسلمين فيما بينهم، ويحث على أسباب توطيدها، فلا يظلم المسلم أخاه، ولا يُسلمه ولا يخذله، ويكون في حاجته إذا احتاج، ويفرج كربته إن ابْتلي، ويستر عيبه إن بدا له، ومن أسباب تقوية هذه الصلة كذلك، هي محبة المسلم لأخيه المسلم والسلام عليه، وقد جعل الإسلام ذلك من الإيمان الذي لا يدخل الجنة بدونه، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (لا تدخلون الجنةَ حتى تُؤمنوا، ولا تُؤمنوا حتى تحابّوا، ألا أدلّكم على شيءٍ إذا فعلتُموه تحاببتم؟ أفشوا السلامَ بينكم) [رواه مسلم].

والمتأمل في نصوص الوحيين يجد أنّ الإسلام يحثّ على كل خلق حسن يزيد من ألفة المسلمين فيما بينهم، فحث على تواضع المسلم لأخيه، والذبّ عن عرضه في غيبته، وعشرته بالحسنى، وتعاهده بالزيارات كما رغب في الإهداء إليه، وعيادته إذا مرض، وتشميته إذا عطس، وخلافته لأهله بخير إذا غاب، وألا يبيع على بيعه، ولا يخطب على خطبته، ولا يغتابه ولا يظلمه، ولا يعين ظالما عليه ولا يعينه على ظلم غيره، وينصحه إذا غلط، ويواسيه إذا أصيب، وغيرها من آداب الإسلام السامية، التي تقوّي هذه الصلة بين المسلم وأخيه، والتي تنتهي بمجتمع متماسك تكون فيه الأخوّة بين المسلمين سمة ظاهرة، وتحقق وصف النبي -صلى الله عليه وسلم- للمؤمنين فيما بينهم بقوله: (الْمُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِ كَالْبُنْيَانِ يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًا) [متفق عليه].


• حرمة القطيعة والتدابر

ولقد نهى الإسلام عن القطيعة والتدابر بين المسلمين، وكثُرت النصوص في ذلك لخطورته، قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (لا تقاطعوا، ولا تدابروا، ولا تباغضوا، ولا تحاسدوا، وكونوا عباد الله إخوانًا..) [متفق عليه]، وروى الإمام مسلم في صحيحه أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (تُعرض الأعمال في كل اثنين وخميس؛ فيغفر الله لكل امرئ لا يشرك بالله شيئًا إلا امرءًا كانت بينه وبين أخيه شحناء، فيقول: اتركوا هذَين حتى يصطلحا)، فتأمل كيف يُحرم المتهاجرون فضل المغفرة كلما رُفعت الأعمال إلى الله تعالى، فيغفر الله للمسلمين حين تعرض أعمالهم عليه في الأسبوع مرتين، ويُؤخّر من كانت بينه وبين أخيه شحناء إلى أن يصطلحا، ويكفي هذا الحديث رادعا لترك الشحناء بين المسلم وأخيه، وقد بيّن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أنه يحرم على المسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث ليال، كما جاء في الحديث عنه -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: (لا يحلُّ لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث ليال، يلتقيان فيعرض هذا وهذا، وخيرهما الذي يبدأ بالسلام) [متفق عليه].

وقد رخّص في الهجر ثلاثة أيام فما دونها، لأنه قد يقع بين المسلم وأخيه خلاف، ثم يقع في النفس شيء يدفعها لهجر من خاصمته، وتركه مدة يسكن فيها الغضب وتذهب عنها دواعيه، والثلاثة أيام -كحد أقصى- يكفي لذلك أو يزيد، وخير هذين المتخاصمَين هو الذي يبدأ أخاه بالسلام، وفي ذلك حثّ على البدء والمبادرة إلى قطع هذا الهجران، والعودة إلى الأصل، فالأصل هو التواصل بين المسلمين لا التدابر.

• الهجر الشرعي وضابطه

إلا أن الهجر أحيانا قد يكون مطلوبا لمصلحة راجحة وعندها يكون هجرا شرعيا، مثل هجر أهل المعاصي فهو من التعزير الذي يُرجى أن يؤتي ثماره بترك المنكر، وضابطه أن يؤدي إلى الإقلاع عن المنكر، فإن أدى لعكس ذلك من المداومة عليه أو إفضائه لمنكر أكبر أو معصية أخرى لم يُشرع، قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-: "وأما هجر التعزير فمثل هجر النبي -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه الثلاثة الذين خُلّفوا، وهجر عمر والمسلمين لصبيغ [هو رجل كان يثير المتشابهات من القرآن]، فهذا من نوع العقوبات، فإذا كان يحصل بهذا الهجر حصول معروف أو اندفاع منكر فهي مشروعة، وإن كان يحصل بها من الفساد ما يزيد على فساد الذنب فليست مشروعة، والله أعلم" [مجموع الفتاوی].

وهذا الهجر هو هجر في سبيل الله لا لحظوظ النفس وهواها، قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-: "فالهجرة الشرعية هي من الأعمال التي أمر الله بها ورسوله، فالطاعة لا بد أن تكون خالصة لله وأن تكون موافقة لأمره، فتكون خالصة لله صواباً، فمن هجر لهوى نفسه أو هجر هجراً غير مأمورٍ به كان خارجاً عن هذا، وما أكثر ما تفعل النفوس ما تهوى ظانةً أنها تفعله طاعةً لله" [مجموع الفتاوی]، وقال الإمام مالك: "ويهجر أهل الأهواء والبدع والفسوق، لأن الحب والبغض فيه واجب، ولما في ذلك من الحث على الخير والتنفير من الشر والفسوق" [الذخيرة].


• لا تدابروا.. فالدنيا قصيرة

إن هذه الحياة مهما طالت فهی قصيرة، وهذه الدنيا مهما عظمت فهي حقيرة، وإنما هي أيام نقضيها ثم نذهب إلى الحياة الآخرة الأبدية، ومن استشعر صغر الدنيا وحقارتها هانت عليه حظوظ النفس وملذاتها، فلا يبقي في صدره غِلا لإخوانه، ويغفر لهم ما يكون من خطأ في حقه، ولا يحمله حظ نفسه وهواها على هجر أخيه، فينبغي للمسلمين أن يستشعروا هذا المعنى، وأن يعلموا أن التدابر بين المسلمين من المعاصي التي تؤخر النصر، وتخلخل صفوفهم وتسلط عليهم عدوهم، نسأل الله ألا يجعل في قلوبنا غلا للمسلمين، وأن يجعلنا مع إخواننا على سرر متقابلين في جنات النعيم، والحمد لله رب العالمين.



• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 348
الخميس 22 ذو الحجة 1443 هـ