ويحكم أين يُذهب بعقولكم؟ في جزيرة العرب عصفت الردة فأوقعت بكثير منهم، ولمّا أُعملت سيوف ...

ويحكم أين يُذهب بعقولكم؟


في جزيرة العرب عصفت الردة فأوقعت بكثير منهم، ولمّا أُعملت سيوف التوحيد في رقاب أعداء الله المرتدين، عاد بعضهم إلى رشده، فقدمت منهم وفودٌ إلى الصدّيق -رضي الله عنه-، فسمع منهم بعض خرافات مسيلمة الكذّاب، فقال لهم موبّخا على ما أهلكوا أنفسهم به، واتبعوا رؤوس الردة: "ويحكم، أين كان يُذهب بعقولكم؟"، فقد أصاب عقولهم عَصْفُ الفتنة فاتبعوا مسيلمة وطليحة وسجاح وأشباههم، وتركوا وصية نبيهم -صلى الله عليه وسلم-، ودينه الذي لم يجفّ حبر تسطيره.

وتمر أزمان تشتد فيها عواصف الفتن حتى كان زماننا أشدها عصفا بترك حكم الله واتّباع أحكام الجاهلية، ويا عجبًا لمن ضلّ عن عظمة الشريعة، وعظمة من فرضها حكمًا بين عباده! لو دروا حكم مَن يأبون ويرفضون؟! إنه حكم الله العدل.

وحسبنا في هذه الشريعة أنها حكم الخالق سبحانه، أيُساوى حُكمه وقضاؤه بقضاء غيره من الطواغيت والأنداد؟! قد تعاظم سبحانه وعزّ، فما شيء إلا وهو خالقه ومُوجِده وقاهره، فتفرّد -وهو العليم- بالخلق، وتفرّد -وهو الخبير- بالأمر. إنه خلق آدم وبنيه فقال: {فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ}، وأنزل لهم حكما ليحتكموا إليه فقال: {وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا}، فخلقه الأحسن، وحكمه الأحسن {أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ}.

وحكمه سبحانه مِن علو وقهر قال جل وعلا: {فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ} يقول الطبري: "فالقضاء لله العلي على كل شيء، الكبير الذي كل شيء دونه متصاغرا له اليوم"، فمن تصاغر فليس مِن حقه التشريع، ومَن كان مخلوقا فليس من شأنه الحكم، {إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ}، إنهم يشرّعون من دون الله ابتغاء الحكمة، ويدَعون حكم خالق الحكمة سبحانه، وقد أُمر الناطق بالحكمة -صلى الله عليه وسلم- أن يقول: {أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا وَهُوَ الَّذِي أَنزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلًا}، قال الطبري: "أي: قل: فليس لي أن أتعدَّى حكمه وأتجاوزه، لأنه لا حَكَم أعدل منه، ولا قائل أصدق منه {وَهُوَ الَّذِي أَنزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلًا} يعني القرآن، مبينًا فيه الحكم فيما تختصمون فيه من أمري وأمركم".

وإن صحّ عقل الإنسان فإنه لن يتخذ حكما إلا حكم الله، لقوله تعالى: {وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ}، قال ابن كثير: "أي: ومَن أعدل من الله في حكمه لمن عَقل عن الله شرعه، وآمن به وأيقن وعلم أنه تعالى أحكم الحاكمين، وأرحم بخلقه من الوالدة بولدها، فإنه تعالى هو العالم بكل شيء، القادر على كل شيء، العادل في كل شيء".

فكيف يطيب لفئام كثيرة تنتسب إلى الإسلام أن تظلّ تحت حكم البشر بالبرلمانات والمجالس الشركية، أو قرارات الطواغيت الخارجة عن حكم الشريعة؟!

إن تغيّر أحكام البشر وتعديلها بشكل مستمر، وعقد الجلسات للنظر في موادها، وتغيير المشرّعين الكافرين، كل فترة، دليل كافٍ على سفاهة هذه الأحكام والدساتير التي يحلفون على احترامها والقتال تحت رايتها.

قد كانت شرائع أخرى قبل هذه الشريعة الخاتمة، خيرا مِن هذه الأهواء والسخافات البشرية، ومع ذلك فلا يجوز الحكم بها، بعد إكرام البشرية بأحسن الشرائع وأيسرها.

وأعطى الله الأنبياء السابقين شرائع لكنها مخصوصة بأقوامهم وأزمانهم، في حين جاءت شريعة النبي محمد -صلى الله عليه وسلم- بما لم تأت به أي شريعة سابقة، فهي صالحة لكل الأقوام والأزمان، وفي أحكامها سعادة الروح والجسد، وهي التي لزمها أهل القرون المفضلة فصاروا بها سادة أعزة، دان لهم بها الشرق والغرب، ودخل الناس في دين الله أفواجا، وكانوا مثالا عاليا للأمم، ولا يمكن أن يكون ذلك الحكم سببَ ضياع الناس، أو مصدر تراجع لهم، إنما هذه المزاعم هي من أباطيل الشياطين وأقاويل الجاحدين؛ لإضفاء الحُسن على قبيح شركهم وديمقراطيتهم ودساتيرهم العفنة.

وما مآل إقامة حكم الله وشريعته إلا العزة في الدنيا، وسلامة الدين والنجاة في الآخرة، وأما مآل حكم القوانين الكفرية، فالذلة وفساد الدين والدنيا، والهلاك في الآخرة.

إن بشرا يخطئ وينسى ويغفل وينام، لا يستحق أن يقف موقف المشرّع ليحلّل ويحرّم، أو يناقش في حكم مَن خلقه وسوّاه فعدله في أي صورة ما شاء ركّبه! فيساوي قولَه بقول خالقه، فضلا عن أن ينحّي حُكم الله ليأمر عباد الله بطاعة نفسه.

وما كان لمخلوق كان أعمى فبصّره الله، وأصما فأسْمعه الله، وجاهلا فعلّمه الله؛ أن يشرّع للناس شيئا ولا أن يرضى بتشريع أحد دون الله، قال الله تعالى: {قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا} قال ابن كثير: "أي: أطلب ربا سواه، وهو رب كل شيء، يُرَبّنِي ويحفظني ويكلؤني ويدبر أمري، أي: لا أتوكل إلا عليه، ولا أنيب إلا إليه؛ لأنه رب كل شيء ومليكه، وله الخلق والأمر".

والحق كل الحق في حكم الله وقضائه، والعمل به والقتال في سبيله، والباطل فيما عداه، قال الله تعالى: {وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ إِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ}، فأين العقول وأين يُذهب بها حين تختار الديمقراطية والوطنية والقومية وأحكام البشر وأهواءهم؟!

وقد عادت الشريعة وحكمها بقيام الدولة الإسلامية وسعيها المتواصل لإنقاذ الناس من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام؛ ولتُلغى أحكام الدساتير وترهات السفهاء وقوانين الكفر من الصدور وتُمحى من الدور، ويعلو حكم الخالق سبحانه، ويظهر دينه على الدين كله ولو كره المشركون، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.


• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 352
الخميس 20 محرم 1444 هـ