باقيةٌ على خطى نبيّها -صلى الله عليه وسلم- حفل هذا العامُ بمحطات بارزة في مسيرة الدولة ...

باقيةٌ على خطى نبيّها -صلى الله عليه وسلم-


حفل هذا العامُ بمحطات بارزة في مسيرة الدولة الإسلامية، إذْ ابتدأ بالهجوم الكبير على مطار (كابل) والذي أسقط (31) قتيلا وجريحا من الجيش الأمريكي باعتراف "البنتاغون" بخلاف عشرات الجواسيس والمتعاقدين، ليرسم الهجوم معالم المرحلة ويبدّد أوهام الحالمين بالسلام مع أمريكا، وفي منتصف العام استيقظ الناس على أخبار هدم أسوار (سجن غويران) في ملحمة أسطورية أذهلت العالم، وكانت آخر وأشرف الإنجازات في عهد الخليفة أبي إبراهيم القرشي (رحمه الله)، ليُقتل بعدها في ملحمة أخرى بعد أنْ وفّى بوعده -نحسبه ولا نزكيه-، ثم بايع المسلمون الخليفة أبا الحسن القرشي (حفظه الله)، لتستمر عجلة الجهاد تدور، ولمّا ينتهي العام بعد حتى فاجأت الدولة الإسلامية العالم مجددًا بهدم أسوار سجن (كوجي) قرب العاصمة النيجيرية.

لقد كان عامًا حافلاً بنفس ما كانت تحفل به أعوامُ الدولة الإسلامية الأولى في عهد النبي -صلى الله عليه وسلم- وعهد خلفائه الراشدين، جهادا ورباطا ودعوة، قتالا ومراغمة، محنا وصعابا وابتلاءات، عزيمة وصبرا وثباتا، وشريعةُ الله تعالى لم تُعطّل، وحُكمه ماضٍ لم يُبدّل، والمسلمون في مناطقها يتفيئون ظلال الشريعة وينافحون عنها بدمائهم، بينما المنافقون تفرّغوا لهمزها ولمزها والطعن بها.

وفي جولة سريعة في تاريخ الدولة النبوية، وتحديدا في عام الأحزاب عندما حاصر "عشرة آلاف مقاتل" الدولة الإسلامية حتى بلغ الحال بالمسلمين مبلغًا صعبًا أصاب قائدهم وجنودهم، قال جابر -رضي الله عنه- في الحديث المطوّل: "لمّا حفر الخندق رأيت بالنّبيِّ -صلى الله عليه وسلم- خمصا شديدا، فانكفأت إلى امرأتي، فقلت: هل عندك شيء؟ فإنّي رأيت برسول اللّه -صلى الله عليه وسلم- خمصا شديدا.." [رواه الشيخان]، بل وصل الأمر بذراري ونساء المسلمين القابعين في وسط المدينة، أن يصبحوا تحت التهديد المباشر من يهود بني قريظة، بينما سائر رجال الدولة الإسلامية يرابطون عند الخندق!، حتى أنزل الله تعالى سورة في القرآن حملت اسم هذه المحنة {الأحزاب}.

وبعد ستة أعوام على هذه المحنة تُوفي النبي -صلى الله عليه وسلم-، ليتولى الحكم مِن بعده الخليفة أبو بكر الصديق -رضي الله عنه- والذي استلم الحكم في فترة عصيبة ارتدت فيها العرب إلا القليل، قال محمد بن إسحاق: "ارتدت العرب عند وفاة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ما خلا أهل المسجدين مكة والمدينة!" [البداية والنهاية]، فلم يبق على الإسلام إلا المدينة ومكة والطائف، وقرية صغيرة شرق الجزيرة، بل حتى أصبحت عاصمة الدولة الإسلامية تحت تهديد المرتدين من "بني أسد" لقربهم منها، وغدر المرتدون بكثير من المسلمين الذين كانوا في مناطقهم وفعلوا بهم الأفاعيل كما فعل مسيلمةُ الكذَّاب بمسلمي بني حنيفة، بل وصل الضعف بدولة الإسلام آنذاك أن تجرّأ المرتدون على عاصمتها، وأرسلوا وفودهم يساومون الخليفة ويشترطون عليه "إسلامًا بلا زكاة"، مقابل أن لا يُهاجموا المدينة، وأمام ذلك الموقف الصعب اقترح بعض المسلمين على الخليفة أنْ يوقف جيش أسامة الذي كان قد جهّزه النبي -صلى الله عليه وسلم- قبل وفاته، ليعود الجيش إلى المدينة لحمايتها! وهنا وقف الصديق الأسيف موقفا حفظ الله به الدين، وقف صلبا حاسما الموقف، رافضا كل الاقتراحات والعروض، واثبا أمام طوفان الردة الجامح، قائلا: "والله لا أحلّ عقدة عقدها رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، ولو أن الطير تخطفنا والسباع من حول المدينة!، ولو أن الكلاب جرت بأرجل أمهات المؤمنين لأجهزن جيش أسامة!، وآمر الحرس يكونون حول المدينة، فكان خروجه في ذلك الوقت من أكبر المصالح والحالة تلك". [البداية والنهاية].

إنّ ما فعله الصدّيق يُعد في عرف كثير من "أدعياء الجهاد" اليوم؛ "فشلا في تحييد الأعداء!" و"تهوّرا وانتحارا عسكريا!" و"عدم مراعاة لفقه الواقع والأولويات!" و"جهلا بالسياسة الشرعية!"، لكنه في الحقيقة كان الفقه الجهادي المفقود في عصر الحسابات البشرية المادية التي طغت على أهل هذا الزمان.هكذا كان حال دولة الإسلام في عهد النبي -صلى الله عليه وسلم- وعهد خلفائه الراشدين، ومع ذلك لم نسمع أنّ أحدا مِن المسلمين أعاب على النبي -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه دولتهم، أو عدّها تجربة فاشلة للحكم الإسلامي، ولا طالب الصحابةُ النبي -صلى الله عليه وسلم- بترك أو تأجيل تحكيم الإسلام، والتماهي والانصياع لضغوطات "النظام العالمي" آنذاك، ولم يُعطّل النبي -صلى الله عليه وسلم- الشريعة وحكمها أو عدَل عنها إلى غيرها، وحاشاه -صلى الله عليه وسلم- وحاشا صحابته أن يفعلوا ذلك، بل بقيت دولتهم -على اختلاف أحوالها مدًا وجزرًا- دولة إسلام يحتكم إليها المسلمون ويدافعون عنها، ولم يقل أحد منهم إنها "فشلت" أو "انتهت" أو إنها "دولة وهمية" لا وجود لها إلا في أذهان أصحابها، ولم نجد في كتب السير المعتبرة أحدا ذمّ دولة الإسلام الأولى أو تنقّص منها، أو عكف على همزها ولمزها وتشويهها، بل احتفت كتب السير والمغازي ببطولات الدولة الإسلامية يوم الفتوحات والانتصارات، وأشادت بصبر قادتها وجنودها في المحن والملمّات، فكانت في قوتها وضعفها، وتمددها وانحسارها؛ دولة إسلام، تلك سيرة الدولة الإسلامية الأولى، وعلى خطاها تسير الدولة الإسلامية اليوم.

ولو قارنّا أحوال الدولة الإسلامية اليوم بأحوال أعدائها، فإن جنودها يعيشون وحدةً وترابطًا إيمانيًا في كل الولايات، بينما أعداؤها يعيشون تناحرًا وانقسامًا وتفرقًا يتصاعد كل يوم في كل الساحات؛ فالصليبيون حروبهم عادت دموية بعد أن كانت باردة! وبأسهم بينهم أشد من ذي قبل، والمعسكر الرافضي منقسمٌ على نفسه ولا حلّ لأزمته في الأفق، وجنوده باتوا يتهيّبون حتى مِن أحوال الطقس والمناخ إنْ اغبرّ أو احمرّ أو اصفرّ، فكل ألوانه بالنسبة إليهم نذُر شؤم تلوّح بالعذاب، وفصائل الصحوات في الشام تطحن وتفضح بعضها ولم تعد حقيقتها تخفى إلا على مَن أبى!، ومعارك الاستنزاف والمطاولة مستمرة في الخير والبركة والرقة، وأما في البادية فحدّث ولا حرج، وفي غرب إفريقية يتمدد الجهاد من الصحاري إلى المدن، وها هو يلتحق بمسيرة هدم الأسوار، وفي ولاية الساحل لقّن المجاهدون الجيوش والميليشيات المرتدة درسا لن ينسوه وأهلكوا منهم خلقا كثيرا، وفي وسط إفريقية وموزمبيق بات النصارى في دورة نزوح لا تنتهي، وباتت التجارة العالمية تحت تهديد المجاهدين!، أما في خراسان فاتساع رقعة الهجمات أرهق الميليشيا الوطنية المرتدة، واستنزف طاقتها حتى بدأ الصليبيون يشتكون، ويشكّون في قدرتها على الإيفاء بوعودها بمكافحة الجهاد، وفي سيناء وليبيا وشرق آسيا وغيرها إباء وثبات، وها هم المجاهدون في اليمن يعودون.

لقد مرّت خمسة عشر عاما على إعلان الدولة الإسلامية في العراق، وثمانية أعوام على تمددها وإعلانها دولة خلافة على منهاج النبوة؛ وما زالت باقية ماضية على نفس خطى الدولة النبوية الأولى وعلى منهاج قائدها الأول -صلى الله عليه وسلم-، والحمد لله رب العالمين.



• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 349
الخميس 29 ذو الحجة 1443 هـمقال: مُضيٌّ وإقبال


الحمد لله القوي القهار، مكوّر الليل على النهار، والصلاة والسلام على النبي المختار وعلى آله وصحبه الأبرار، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الفرار، أما بعد.

فقد خلق الله الخلق لغاية محددة، وجعل لهم أجلا هم بالغوه، وكتب لكل أمة أجلا ولكل امرئ أجله، والناس في هذه الدنيا يمرون على أطوار ومراحل حتى تنقضي بهم آجالهم، وهذا المرور مرهون بتقلب الليل والنهار فيُنتِجُ تقلبهما أياما وأسابيعَ ثم أشهرا وسنينا، يُسْلِم كلٌ منها الإنسانَ إلى ما يليه لينتهي به أجله، وكل يومٍ يدنّي للفتى الأجلَ.

تمر هذه الأزمان على أكثر الناس كمرّ الريح لا يلتفتون لها ولا تدق في قلوبهم عِبرٌ ولا يقظة، وما ذلك إلا لعُمق الغفلة وطول الضجعة، فلا يكاد أحدهم يفيق إلا على هجمة ملك الموت يخاطب روحه أن تخرج حيث لم يبقَ لها في الدنيا بقاءٌ وقد استوفت رزقها فلم يبق لها مثقال ذرة، وحينها لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا، فأعقبه الندم وتوالت عليه الحسرات، قال ابن الجوزي رحمه الله: "عباد الله أيامكم مراحل تقطعونها، وساعاتكم مناهل تردونها، والموت يطوف عليكم بالليل والنهار، لا يؤخر من فقدت ساعاته وفرغت أيامه وأوقاته" [بستان الواعظين]


• أما أولوا الألباب

غير أنّ من عباد الله من يدرك سرّ هذا التقلب ويعتبر بليله ونهاره، ويَعظُمُ عنده انقضاء عامه، أولئك أولوا الألباب والعقول الراجحة التي فقهت هدف وجودها، وتنبّهت لما يُراد بها، فراجعت نفسها كل يوم أو أسبوع أو سنة، هم الذين قال الله فيهم: {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ... لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} [البقرة: 164]، وقال تعالى: {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِّأُولِي الْأَلْبَابِ} [آل عمران: 190]، وقال أيضا: {إِنَّ فِي اخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَّقُونَ} [يونس: 6]، وقد قيل: "إنّ الليل والنهار يتراكضان كتراكض البريد، يقربان كل بعيد، ويبليان كل جديد، وفي ذلك عباد الله ما يلهي عن الشهوات ويسلي عن اللذات ويرغب في الباقيات الصالحات" [العاقبة في ذكر الموت]


• أهمية الزمان

وعند مُضيِّ عام وإقبال آخر، تكون للراغب في الآخرة وقفات لا تكاد تغيب عنه، فأول ما يستوقفه تنبّهه لأهميّة الزمان، وأنه الخزينة التي تُملأ بأعمال العبد، وهي ماضية عليه ماضية، قال عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه: "إن الليل والنهار يعملان فيك، فاعمل فيهما"، فإنْ عمل فيهما خيرا سُرّ به في نهاية المطاف، وإنْ عمل بهما سوءا أو أمضاهما هملا أصابه الغبن في النهاية، وهو ما يرشد اللبيب أن يكون عامرا لوقته كله فيما ينفع نفسه وأمته، فيكون وقته ذخرا له في الآخرة، فعندما ينتهي العام لا يبقى منه إلا ما كان نتاجا من جهاد أو دعوة وعلم، ويذهب تعب الجد والاجتهاد وتبقى الثمار يانعة، وتُهمل كل ساعات الغفلة واللهو والضياع، فيعزم العاقل على ألا يمضي عليه عامه القابل كعامه الماضي، وفي الحديث عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (ما من قوم يجلسون مجلسا لا يذكرون الله فيه، إلا كانت عليهم حسرة يوم القيامة، وإن دخلوا الجنة) [النسائي]، وكانوا يندمون إذا لم يزدادوا فائدة من أيامهم، جاء عن بعض السلف: "كُلّ يوم يمر بي لا أزداد فِيه عِلماً يقربني من الله عَزَّ وَجَلَّ فلا بورك فِي طلوع شمس ذَلِكَ اليوم"، وقال الجنيد رحمه الله: "الوقت إذا فات لا يستدرك وليس شيء أعز من الوقت". وقال الحسن البصري رضي الله عنه: "أدركت أقواماً كَانُوا عَلَى أوقاتهم أشد منكمْ حرصاً عَلَى دراهمكم ودنانيركم" [شرح السنة].


• ذهاب العمر

ومما يستوقف الراغب في الآخرة أن ذهاب عمره كله كذهاب عامه المنصرم، فكما أنه جنى من عامه هذا يسيرا أو كثيرا، فكذلك يجني من عمره يوم القيامة عندما يقف بين يدي الله ويحاسبه (عن عمره فيما أفناه، وعن شبابه فيما أبلاه)، وكما قيل: "مَنْ كَانَتْ مطيتُه اللّيلَ والنّهارَ، سِيرَ به وإن لم يَسِرْ".