وما مات رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حتى أتمّ ما أمره الله به، وما ترك منه صغيرا ولا كبيرا، كما ...

وما مات رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حتى أتمّ ما أمره الله به، وما ترك منه صغيرا ولا كبيرا، كما جاء عن أبي وائل عن حذيفة -رضي الله عنه- قال: "لقد خطبنا النبي -صلى الله عليه وسلم- خطبة ما ترك فيها شيئا إلى قيام الساعة إلا ذكره؛ علمه من علمه، وجهله من جهله، إن كنت لأرى الشيء قد نسيت فأعرف ما يعرف الرجل إذا غاب عنه فرآه فعرفه". [البخاري]

ومن المعلوم أن الإسلام دين شامل متكامل، لا نقص فيه ولا زيادة في أصوله وأركانه وفرائضه وفروعه وواجباته وسننه، فمن أراد الإسلام أخذه كله دون أن يرد منه شيئا، ولابد له من معرفة ما يجب عليه معرفته ولا يسعه جهله منه.

فالناس فيه صنفان لا ثالث لهما لقوله تعالى في سورة [التغابن]: {هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنكُمْ كَافِرٌ وَمِنكُم مُّؤْمِنٌ}، ولهذا قاعدة عظيمة وجب على المكلف معرفتها وإلا فقد باء بالخسران المبين وهي: أن كل من دخل فيه ولم يأت بما لا يصح إسلامه إلا به، وما لا يبنى الإسلام إلا عليه؛ من إقرار أو أصل أو ركن أو فرض، وغيره من تحريم الحرام وتحليل الحلال؛ فإنه لا يقبل منه انتسابه لهذا الدين، وإن زعم أنه من أهله وقادته.

وأن كل من دخله وجاء بما يصح معه إسلامه؛ فإنه يقبل منه إسلامه، ويشهد له به وهو مسلم؛ وإن قصر بإتيانه ما لا يحقق له كمال الإيمان؛ كارتكابه الكبائر والصغائر مجتمعة لشموله بقوله تعالى: {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} [الزمر]، ومن مات من أهل المعاصي منهم تحت المشيئة؛ إن شاء غفر له و إن شاء عذبه، وربنا ذو عفو وغفران، كما جاء في الصحيح عن عبادة بن الصامت -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "وحوله عصابة من أصحابه: (بايعوني على أن لا تشركوا بالله شيئا، ولا تسرقوا، ولا تزنوا، ولا تقتلوا أولادكم، ولا تأتوا ببهتان تفترونه بين أيديكم وأرجلكم، ولا تعصوا في معروف، فمن وفى منكم فأجره على الله، ومن أصاب من ذلك شيئا فعوقب في الدنيا فهو كفارة له، ومن أصاب من ذلك شيئا ثم ستره الله فهو إلى الله، إن شاء عفا عنه و إن شاء عاقبه)، فبايعناه على ذلك". [البخاري]

والناس فيه على تفاضل لقوله تعالى: {ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَٰلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ}. [فاطر] وبهذا يتضح لك كم من الناس في هذا الزمان من هذا الصنف الذي يدعي انتماءه لهذا الدين والدين منه براء، قد أخذ من الدين ما يوافق هواه، وترك ما يخالف شهواته ونزواته، فإذا جد الجد فما رأيته إلا في خندق الكفار وعسكرهم، يوالي من يوالون ويعادي من يعادون ويقاتل من يقاتلون، قد مرق من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية، وتراه لم يأخذ من الإسلام إلا اسمه، وحقيقته أضر على الإسلام وأهله من اليهود والنصارى، ألا ترى انضواءه تحت راياتهم وصليبهم، يسير في مقدمتهم جنبا إلى جنب لا يفارقهم؛ وهو مع كل هذا يصلي ويصوم رمضان، وينطق بالشهادتين ويتلو كتاب الله بل ويوقره ويجله!! ويتصدق ويفعل من أعمال الخير الكثير، ويزعم أنه مسلم وقد صاده إبليس في فخاخه، وصيره من جنوده وعبيده! ونزع عنه إسلامه، فأوقعه في أم الدواهي وشراك الشرك والكفر، وأبقى له ظنه الذي لا يغني ولا يسمن من جوع، قال تعالى: {فَرِيقًا هَدَىٰ وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِ اللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُم مُّهْتَدُونَ} [الأعراف]، وقال تعالى: {الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا}. [الكهف]

فعليك يا من تروم الهدى وسبيل النجاة اتباع دين الله تعالى كاملا، بكل ما جاء فيه توحيدا وجهادا، دعوة وقتالا، وخالِف في ذلك هوى نفسك، فإن النفس تهوى الركون والراحة قال تعالى: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ}، واعلم أن مرضاة الله تعالى فيه، وعاقبته محمودة وثمرته معجلة ومؤجلة، قال تعالى: {لِّلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَىٰ وَزِيَادَةٌ وَلَا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلَا ذِلَّةٌ أُولَٰئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ}. [يونس]

فهذا دين الله تعالى كاملٌ شاملٌ لا نقص فيه ولا خلل، لا يحتاج إلى ترميم أو إضافة أو تجديد، بل هو صالح لكل زمان ومكان، قرآن يهدي وسيف ينصر، طريقه كثيب أحمر رطب لزج، سُكبت عليه دماء الأنبياء والصالحين، ينزلق عنه كل منافق، ويثبت عليه كل مؤمن صادق، فنسأله تعالى أن يتوفانا عليه، والحمد لله رب العالمين.


• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 353
الخميس 27 محرم 1444 هـ