تركيا ومسيرة المصالح لا ضوابط أو قيود تحكم مسيرة الحكومات المرتدة إلا "المصالح" فتدور معها ...

تركيا ومسيرة المصالح


لا ضوابط أو قيود تحكم مسيرة الحكومات المرتدة إلا "المصالح" فتدور معها حيث دارت، ولو كان ذلك على حساب محاربة الإسلام وأهله، وإبادة الحرث والنسل والإفساد في الأرض، ومِن أوضح النماذج على ذلك حكومة تركيا العلمانية، التي ارتكبت أبشع المجازر بحق المسلمين في الشام، وقطّعت أوصال الأطفال والنساء بصواريخها، في إطار حربها ضد الدولة الإسلامية التي رأت فيها تركيا تهديدًا لمصالحها وحدودها، ضاربةً عرض الحائط بكلّ ما تغنّت به من شعارات براقة كحماية السوريين ونصرتهم؛ ولذا لم يكن مستغرَبا أبدًا أن تُلمّح الحكومة التركية مؤخرا إلى إمكانية "المصالحة" مع النظام النصيري المرتد، طالما أن "المصلحة" تقتضي ذلك.

فقد أثبت الطاغوت التركي وحكومته مرارا كثيرة في السنوات الماضية، أنْ لا شيء يعلو عندهم فوق مصالحهم النتنة، ولا ضير عندهم -لكي يحققوها- لو انتقلوا من دور "الحليف" للفصائل المرتدة، إلى دور "الوسيط" مع النظام النصيري، بل وربما إلى دور "الحليف" له والذي كانوا يصفونه يوما ما بـ"الإرهابي".

فعلى مدار سنوات الحرب في الشام، زعمت الحكومة التركية بأنها تدعم "حقوق السوريين" وتعمل على حمايتهم وتقف إلى جانبهم، وتمنّ عليهم باستقبالهم "لاجئين" في أراضيها، رغم أنها في الحقيقة استخدمتهم ورقة ضغط وابتزاز لدول أوروبا الصليبية إن عارضوا سياستها! أما على الجانب الآخر من الحدود، فقد حرفت الحكومة التركية المعركة من قتال النظام النصيري إلى قتال المجاهدين، وذلك عبر تحويل الفصائل الموالية لها إلى مرتزقة تقاتل في سبيل تحقيق المصالح التركية وحسب، فقاتلت تركيا بهم الدولة الإسلامية قبل سنوات، وتقاتل اليوم بهم الميليشيات الكردية، وذلك بهدف إنشاء "المنطقة العازلة" التي ترى فيها تركيا "حماية" وربما "توسعة" لحدودها، ولا سبيل لإقامتها إلا عبر تطويع واستغلال المرتزقة الأذلاء العبيد كما هو حاصل اليوم، حيث صاروا مجرّد بيادق تحرّكهم تركيا أين ومتى شاءت.

وبالمحصلة، استخدمت الحكومة التركية "الملف السوري" في تحقيق مصالحها السياسية والقومية والعلمانية البحتة، تارة بالقوة العسكرية، وتارة بـ"القوة الناعمة" عبر ادعاء حماية "السوريين" وإيوائهم وتوزيع الفتات عليهم.

موقف فصائل "المعارضة السورية" من تلميح تركيا إمكانية "التصالح" مع النظام النصيري، كان موقفا سخيفا متناقضا، فكيف لمن لا يملك أمره مِن الحرب أو السلم، أن يزعم أنه لن يُصالح! بينما سيّده ومشغّله "الأتاتوركي" لم يُخطره أو يشاوره بذلك! بل هو لم ينتظر رأيه من قبل، يوم أعلن عودة "العلاقات" مع اليهود الكافرين، وعندها برّر هؤلاء الأتباع الأغرار هذه الخطوة بأنها "مصلحة اقتصادية"!! واليوم تعلن تركيا "عودة العلاقات الدبلوماسية بالكامل" مع اليهود، أي ما يُعدّ وفقا لمصطلحاتهم المنحرفة "تطبيعا كاملا"، وهو ما يُسمى شرعًا موالاة اليهود، فهل قدّمت معارضة العبيد أو أخّرت من المعادلة شيئا؟! وهل مَن شرعن ارتماء الطاغوت التركي في الأحضان اليهودية، سيضيره ارتماء نفس الطاغوت في الأحضان النصيرية! خصوصا إذا ما علمنا أنّ الطاغوتين "بشار وأردوغان" محسوبان على "محور المقاومة!" أي أن عودة العلاقات "التركية-السورية" يُعد شيئا "مشرّفا" إذا ما قورن بـ"العلاقات التركية-اليهودية!"، عش رجبًا ترى عجبًا.

بعيدا عن الضجيج الإعلامي الذي افتعلته الفصائل السورية زاعمةً أنها لن تصالح! فعلى أرض الواقع لا تلتزم هذه الفصائل المرتدة بأي قيود أو ضوابط شرعية، فخطواتها كلها تسير خلف المصلحة المتوهمة! فهم كما رأوا قديما أن مصلحتهم في "الدعم التركي" أو "السعودي" أو "القطري" سيرون أيضًا أن مصلحتهم في "المصالحة" لو تحققت أو "التسوية" كما يسمونها، فهم سِلْم لمن يسالم الداعمون، وحرب لمن يحاربون، ولا عجب، فهم منذ البداية لم يسيروا على بصيرة من أمرهم، ولم يقاتلوا إقامة للشرع ولا معاداة وبراءة من المشركين كافة، فدين الله تعالى لا فرق فيه بين المرتد السوري والمرتد التركي، ولا بين الصليبي الروسي أو الأمريكي، فدين الله واحد، ومنهجه واضح، لا يزيغ عنه إلا هالك، فلما زاغ هؤلاء عن طريق الحق واتبعوا سبل الداعمين، سلّط الله عليهم ذلا ومهانة يراها كل متابع للساحة الشامية، فلا رأي لهم ولا كرامة ولا اعتبار، بل صاروا مجرد متسولين على أبواب الداعمين، يندبون حظهم على ما صار إليه حالهم، ولا يجدون مخرجا مما هم فيه إلا تقديم مزيد من التنازلات، قال تعالى: {وَمَن يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِن مُّكْرِمٍ}، قال القرطبي -رحمه الله-: "أي مَن أهانه بالشقاء والكفر، لا يقدر أحد على دفع الهوان عنه". والجزاء من جنس العمل ولا يظلم ربك أحدا.
إن الداء الذي تعيشه الأمة اليوم، من التيه والضياع والتبعية، لا علاج له سوى الدواء الإيماني الرباني، الذي يأتي على الأدواء من قواعدها، ويعالج المرض من جذوره، فلا يمكن أن يأتي نصر الأمة عبر موالاة أعدائها أو عن طريقهم، أو تحت وصايتهم وإملاءاتهم، بل لا يُبنى النصر إلا على تضحيات أبنائها البررة، وهذا ما فعلته الدولة الإسلامية منذ اليوم الأول لدخولها في الشام، بتوفيق الله تعالى، فقدّمت أمر الله تعالى ومرضاته على ما سواه، وتبرأت من الكفار والمرتدين كافة، ولم تداهن في دين الله وشريعته ولم تحابي، وبدأت بمشروعها الكبير المبارك الذي تصادمت معه مشاريع الكيانات المرتدة التابعة للحكومات الداعمة، والتي تدور في فلكها ولا تعصي لها أمرا.

ورحم الله الشيخ العدناني يوم قال منذ بدايات الجهاد في الشام: "إنّ مشروعنا هذا يقابله مشروعان؛ الأول: مشروع دولة مدنية ديموقراطية، مشروع علماني تدعمه جميع ملل الكفر قاطبة على تضارب مصالحها واختلاف مناهجها، ليس حبّا بأهل العراق ولا رأفة بأهل الشام، وإنما خوفًا من إعادة سلطان الله إلى أرضه وإقامة الخلافة الإسلامية، الأمر الخطير الذي لا يمكن السكوت عنه، وأما المشروع الثاني: فمشروع دولة محلية وطنية تسمى إسلامية، تدعمها أموال وفتاوى علماء آل سلول وحكومات الخليج، وتهندسُ مشروعَها المخابراتُ، ولا ضير أن تكون حكومتها طويلة اللحى قصيرة الثوب، حكومة تسالم اليهود وتحمي الحدود، فتباركها هيئة الأمم، وتحظى بمقعد في مجلس الأمن". انتهى كلامه رحمه الله، ورحم -سبحانه- مَن بنى هذه الدولة المباركة من القادة والجنود، بدمائهم وأشلائهم، الذين لم يرتضوا أن يعطوا الدنية في الدين، وأسلموا أمرهم لله رب العالمين، وواصلوا طريقهم رغم ما أصابهم من القرح، فلم يبدلوا أو يغيّروا، أو يداهنوا أو يصالحوا، فكانوا بذلك مثالا حيّا لمن بعدهم في الثبات على أمر الله حتى يأتيهم اليقين، {وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ}.



• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 353
الخميس 27 محرم 1444 هـ