مقال: شهر الخير أيام قلائل ويهلّ علينا زائر كريم وموسم خير كبير، يحمل في طياته كنوزا لا تقدر ...
مقال: شهر الخير
أيام قلائل ويهلّ علينا زائر كريم وموسم خير كبير، يحمل في طياته كنوزا لا تقدر بثمن، من ظفر بها واغتنمها كان من الرابحين السعداء، ومن غفل عنها وفاتته أثمانها كان من الخاسرين الأشقياء، فهلم بنا نتذاكر كيف نستقبل هذا الضيف بقلوب مستعدة ونفوس متشوقة لنظفر بخيره وننعم ببركاته.
• موسم التجارة الرابحة
شهر مبارك وأيام معدودات لكن في طياتها بركات وخيرات، زائر يأتي مسرعا حاملا معه صفقات رابحة وبضاعة نفيسة، قال رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم: (إذا كان أول ليلة من شهر رمضان صفِّدت الشياطين ومردة الجن، وغلِّقت أبواب النار فلم يُفتح منها باب، وفتِّحت أبواب الجنة فلم يُغلق منها باب، وينادي مناد: يا باغي الخير أقبل، ويا باغي الشر أقصر، ولله عتقاء من النار، وذلك كل ليلة) [الترمذي].
وجاء في الصحيحين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (قال الله: كل عمل ابن آدم له إلا الصيام فإنه لي وأنا أجزي به، والصيام جنة، وإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب، فإن سابه أحد أو قاتله فليقل إني امرؤ صائم، والذي نفس محمد بيده لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك، للصائم فرحتان يفرحهما: إذا أفطر فرح، وإذا لقي ربه فرح بصومه)، فهل بعد هذا الفضل من فضل؟!
فإلى كل من ألمّت به الهموم والغموم وأحاطت به الخطوب؛ ها قد أقبل شهر تستجاب فيه الدعوات تفرج فيها الكربات، وتنزل فيه الرحمات من رب الأرض والسماوات، وإلى من يريد أن يتقدم ويجوز، لكنه ما يلبث أن يقع في حبائل الذنوب؛ ها قد أقبل شهر العتق من النيران، وشهر الانتصار على الشهوات والشيطان، وإلى المجاهدين الذين ينتظرون فجر النصر؛ ها هو شهر الغزوات والانتصارات والفتوحات، ألا إنها أيامٌ الخاسر فيها من ضيعها، أرأيتم لو أُهدي لأحد الفقراء جرة ذهب أكان طارحها؟ فكيف بنا نحن الفقراء المحتاجون إلى الحسنات والمغفرة، إلى عفو الله ورضاه، وقد أنهكتنا الدنيا وصرعتنا وألهتنا، فنحتاج إلى ملاذ نأوي إليه، تستجم فيه النفوس وتختلي فيه بالملك القدوس، هذا المأوى هو رمضان.
لو عددنا فضائله ما أحصيناها؛ تغلق فيه أبواب النيران، وتفتح أبواب الجنان، وتصفّد فيه الشياطين، ولله في كل ليلة عتقاء، فيه ليلة خير من ألف شهر، كنوز نحن بأمس الحاجة إليها لمن كان له قلب، فحري بمن عرف فضل الزائر أن يستعد لاستقباله فلربما لا يكتب له لقاء معه، فكم هم الذين منّوا أنفسهم بصيامه غطاهم الثرى قبل إدراكه!
• ردوني عليهم
"باع قوم من السلف جارية، فلما قرب شهر رمضان رأتهم يتأهبون له ويستعدون بالأطعمة وغيرها، فسألتهم فقالوا: نتهيأ لصيام رمضان، فقالت: وأنتم لا تصومون إلا رمضان؟ لقد كنت عند قوم كل زمانهم رمضان، ردوني عليهم" [لطائف المعارف]، هكذا حال الصالحين النجباء الذين يعرفون أن العمر فرص وأن الموت يأتي بغتة، فكما يكدح أهل الدنيا في طلبها فكذا يكدح الصالحون في طلب الآخرة، ويرون أن الدنيا محطة وقود يتزودون منها فقط ليكملوا المشوار إلى دار الخلود.
لقد كان حال سلفنا في استقبال شهر الخير مغايرا تماما لواقع أمتنا المرير! فانظروا كيف كان استقبالهم وكيف هو استقبالنا، فهذا سيد الخلق صلى الله عليه وسلم كان يكثر من صيام شعبان استعدادا لرمضان، أما الصحابة رضوان الله عليهم فقد روي أنهم كانوا يدعون الله ستة أشهر أن يبلغهم رمضان -وإذا دخل تفرغوا للعبادة وقراءة القرآن والاتجار مع الله- ثم يدعونه ستة أشهر أن يتقبله منهم.
أما عن استعداد أهل زماننا له فلا تسل عن المأكولات حين تُخزن وكأنه شهر الجوع، ولا تسل عن التنافس على الملبوسات والمشتريات، يضيعون الصلوات من أجل شراء حاجيات رمضان في الأسواق، مشاحنات وصراعات على أتفه الأسباب، وكأنّ الشيطان قبل أن يصفّد ينال منهم وينهلون منه، فعلى هذه الحال يبكي القلب دما وتذرف العين دمعا، فلو كان عرضا من الدنيا لتهافتوا عليه تهافت الأنعام الجائعة، ولكن هي وربي قلوب غشيتها الغفلة، وأهلكها حب الدنيا، فتعالوا نمحو الغبار عن القلوب، ونتعلم كيف نستقبل رمضان.
• لن يسبقني إلى الله أحد
الزم أخي المسلم هذا الشعار فيما بقي من شهر شعبان فهو شهر يغفل عنه الناس، فاتخذه وقودا لك لتكمل المسير وتلتقي بشهر الخير، وإليك أخي المسلم بعض الخطوات نذكرك بها لتعينك على حسن استقبال شهر الخير.
أولا: اشكر المولى سبحانه على نعمة رمضان فهو فضل كبير من رب جواد كريم، قال تعالى: {لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ}.
ثانيا: لا يمكن بحال من الأحوال أن تتحلى قبل أن تتخلى، فتخلَّ عن ذنوبك وتب منها من الآن، جدد نيتك على عدم الرجوع إليها كبيرها وصغيرها، ولتكن توبة صادقة تستقبل بها هذا الضيف العزيز، فالذنوب عوائق في الطريق لن تدعك تكمل الطريق، فكم من محروم حُرم لذة العبادة بسببها.
ثالثا: أصلح ما بينك وبين الناس وتحلل من المظالم ورد الحقوق إلى أصحابها، فرب دعوة مقهور بسببك منعتك البركة والتوفيق، فإياك أن يأتي رمضان وبينك وبين إخوانك عداوة وشحناء.
رابعا: امسك مصحفك من الآن، وابدأ في تلاوته وتدبر معانيه، وأكثر من التلاوة أضعاف ما كنت قبل، فشهر رمضان شهر القرآن.
خامسا: اعزم على النفقة في سبل الخير وخاصة الأسرى والذراري، وساهم في إفطار الصائمين ولو باليسير، خصص مبلغا من الآن ولا تتعذر باحتياجك وتذكر، {وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ} فأنت تتعامل مع الكريم.
سادسا: اشرع وسارع في تعلم أحكام الصيام، لكي تعبد الله على بصيرة ويصح صيامك وتسلم عبادتك.
سابعا: أكثر من الدعاء أن يعينك الله تعالى على العبادة، وقد كان من هدي النبي صلى الله عليه وسلم كما روى أبو داود والنسائي من حديث معاذ بن جبل رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أَخَذَ بِيَدِهِ، وَقَالَ: (يَا مُعَاذُ، وَاللَّهِ إِنِّي لَأُحِبُّكَ، وَاللَّهِ إِنِّي لَأُحِبُّكَ)، فَقَالَ: (أُوصِيكَ يَا مُعَاذُ: لَا تَدَعَنَّ فِي دُبُرِ كُلِّ صَلَاةٍ تَقُولُ: اللَّهُمَّ أَعِنِّي عَلَى ذِكْرِكَ، وَشُكْرِكَ، وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ).
فأحسن أخي المسلم الاستعداد لرمضان، فهو فرصة من فرص العمر وغنيمة لا يفوز بها إلا من وفقه الله، فأرِ مولاك منك عزيمة وصدقا، واحرص أن يكتب اسمك من العتقاء، فتسعد سعادة لا تشقى بعدها أبدا، والحمد لله رب العالمين.
• المصدر:
صحيفة النبأ العدد 534
السنة السابعة عشرة - الخميس 24 شعبان 1447 هـ
أيام قلائل ويهلّ علينا زائر كريم وموسم خير كبير، يحمل في طياته كنوزا لا تقدر بثمن، من ظفر بها واغتنمها كان من الرابحين السعداء، ومن غفل عنها وفاتته أثمانها كان من الخاسرين الأشقياء، فهلم بنا نتذاكر كيف نستقبل هذا الضيف بقلوب مستعدة ونفوس متشوقة لنظفر بخيره وننعم ببركاته.
• موسم التجارة الرابحة
شهر مبارك وأيام معدودات لكن في طياتها بركات وخيرات، زائر يأتي مسرعا حاملا معه صفقات رابحة وبضاعة نفيسة، قال رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم: (إذا كان أول ليلة من شهر رمضان صفِّدت الشياطين ومردة الجن، وغلِّقت أبواب النار فلم يُفتح منها باب، وفتِّحت أبواب الجنة فلم يُغلق منها باب، وينادي مناد: يا باغي الخير أقبل، ويا باغي الشر أقصر، ولله عتقاء من النار، وذلك كل ليلة) [الترمذي].
وجاء في الصحيحين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (قال الله: كل عمل ابن آدم له إلا الصيام فإنه لي وأنا أجزي به، والصيام جنة، وإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب، فإن سابه أحد أو قاتله فليقل إني امرؤ صائم، والذي نفس محمد بيده لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك، للصائم فرحتان يفرحهما: إذا أفطر فرح، وإذا لقي ربه فرح بصومه)، فهل بعد هذا الفضل من فضل؟!
فإلى كل من ألمّت به الهموم والغموم وأحاطت به الخطوب؛ ها قد أقبل شهر تستجاب فيه الدعوات تفرج فيها الكربات، وتنزل فيه الرحمات من رب الأرض والسماوات، وإلى من يريد أن يتقدم ويجوز، لكنه ما يلبث أن يقع في حبائل الذنوب؛ ها قد أقبل شهر العتق من النيران، وشهر الانتصار على الشهوات والشيطان، وإلى المجاهدين الذين ينتظرون فجر النصر؛ ها هو شهر الغزوات والانتصارات والفتوحات، ألا إنها أيامٌ الخاسر فيها من ضيعها، أرأيتم لو أُهدي لأحد الفقراء جرة ذهب أكان طارحها؟ فكيف بنا نحن الفقراء المحتاجون إلى الحسنات والمغفرة، إلى عفو الله ورضاه، وقد أنهكتنا الدنيا وصرعتنا وألهتنا، فنحتاج إلى ملاذ نأوي إليه، تستجم فيه النفوس وتختلي فيه بالملك القدوس، هذا المأوى هو رمضان.
لو عددنا فضائله ما أحصيناها؛ تغلق فيه أبواب النيران، وتفتح أبواب الجنان، وتصفّد فيه الشياطين، ولله في كل ليلة عتقاء، فيه ليلة خير من ألف شهر، كنوز نحن بأمس الحاجة إليها لمن كان له قلب، فحري بمن عرف فضل الزائر أن يستعد لاستقباله فلربما لا يكتب له لقاء معه، فكم هم الذين منّوا أنفسهم بصيامه غطاهم الثرى قبل إدراكه!
• ردوني عليهم
"باع قوم من السلف جارية، فلما قرب شهر رمضان رأتهم يتأهبون له ويستعدون بالأطعمة وغيرها، فسألتهم فقالوا: نتهيأ لصيام رمضان، فقالت: وأنتم لا تصومون إلا رمضان؟ لقد كنت عند قوم كل زمانهم رمضان، ردوني عليهم" [لطائف المعارف]، هكذا حال الصالحين النجباء الذين يعرفون أن العمر فرص وأن الموت يأتي بغتة، فكما يكدح أهل الدنيا في طلبها فكذا يكدح الصالحون في طلب الآخرة، ويرون أن الدنيا محطة وقود يتزودون منها فقط ليكملوا المشوار إلى دار الخلود.
لقد كان حال سلفنا في استقبال شهر الخير مغايرا تماما لواقع أمتنا المرير! فانظروا كيف كان استقبالهم وكيف هو استقبالنا، فهذا سيد الخلق صلى الله عليه وسلم كان يكثر من صيام شعبان استعدادا لرمضان، أما الصحابة رضوان الله عليهم فقد روي أنهم كانوا يدعون الله ستة أشهر أن يبلغهم رمضان -وإذا دخل تفرغوا للعبادة وقراءة القرآن والاتجار مع الله- ثم يدعونه ستة أشهر أن يتقبله منهم.
أما عن استعداد أهل زماننا له فلا تسل عن المأكولات حين تُخزن وكأنه شهر الجوع، ولا تسل عن التنافس على الملبوسات والمشتريات، يضيعون الصلوات من أجل شراء حاجيات رمضان في الأسواق، مشاحنات وصراعات على أتفه الأسباب، وكأنّ الشيطان قبل أن يصفّد ينال منهم وينهلون منه، فعلى هذه الحال يبكي القلب دما وتذرف العين دمعا، فلو كان عرضا من الدنيا لتهافتوا عليه تهافت الأنعام الجائعة، ولكن هي وربي قلوب غشيتها الغفلة، وأهلكها حب الدنيا، فتعالوا نمحو الغبار عن القلوب، ونتعلم كيف نستقبل رمضان.
• لن يسبقني إلى الله أحد
الزم أخي المسلم هذا الشعار فيما بقي من شهر شعبان فهو شهر يغفل عنه الناس، فاتخذه وقودا لك لتكمل المسير وتلتقي بشهر الخير، وإليك أخي المسلم بعض الخطوات نذكرك بها لتعينك على حسن استقبال شهر الخير.
أولا: اشكر المولى سبحانه على نعمة رمضان فهو فضل كبير من رب جواد كريم، قال تعالى: {لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ}.
ثانيا: لا يمكن بحال من الأحوال أن تتحلى قبل أن تتخلى، فتخلَّ عن ذنوبك وتب منها من الآن، جدد نيتك على عدم الرجوع إليها كبيرها وصغيرها، ولتكن توبة صادقة تستقبل بها هذا الضيف العزيز، فالذنوب عوائق في الطريق لن تدعك تكمل الطريق، فكم من محروم حُرم لذة العبادة بسببها.
ثالثا: أصلح ما بينك وبين الناس وتحلل من المظالم ورد الحقوق إلى أصحابها، فرب دعوة مقهور بسببك منعتك البركة والتوفيق، فإياك أن يأتي رمضان وبينك وبين إخوانك عداوة وشحناء.
رابعا: امسك مصحفك من الآن، وابدأ في تلاوته وتدبر معانيه، وأكثر من التلاوة أضعاف ما كنت قبل، فشهر رمضان شهر القرآن.
خامسا: اعزم على النفقة في سبل الخير وخاصة الأسرى والذراري، وساهم في إفطار الصائمين ولو باليسير، خصص مبلغا من الآن ولا تتعذر باحتياجك وتذكر، {وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ} فأنت تتعامل مع الكريم.
سادسا: اشرع وسارع في تعلم أحكام الصيام، لكي تعبد الله على بصيرة ويصح صيامك وتسلم عبادتك.
سابعا: أكثر من الدعاء أن يعينك الله تعالى على العبادة، وقد كان من هدي النبي صلى الله عليه وسلم كما روى أبو داود والنسائي من حديث معاذ بن جبل رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أَخَذَ بِيَدِهِ، وَقَالَ: (يَا مُعَاذُ، وَاللَّهِ إِنِّي لَأُحِبُّكَ، وَاللَّهِ إِنِّي لَأُحِبُّكَ)، فَقَالَ: (أُوصِيكَ يَا مُعَاذُ: لَا تَدَعَنَّ فِي دُبُرِ كُلِّ صَلَاةٍ تَقُولُ: اللَّهُمَّ أَعِنِّي عَلَى ذِكْرِكَ، وَشُكْرِكَ، وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ).
فأحسن أخي المسلم الاستعداد لرمضان، فهو فرصة من فرص العمر وغنيمة لا يفوز بها إلا من وفقه الله، فأرِ مولاك منك عزيمة وصدقا، واحرص أن يكتب اسمك من العتقاء، فتسعد سعادة لا تشقى بعدها أبدا، والحمد لله رب العالمين.
• المصدر:
صحيفة النبأ العدد 534
السنة السابعة عشرة - الخميس 24 شعبان 1447 هـ
