البرهان الشافي في التوحيد "وإذا تأملت القرآن وتدبرته، وأعرته فكرا وافيا، اطّلعت فيه من أسرار ...

البرهان الشافي في التوحيد


"وإذا تأملت القرآن وتدبرته، وأعرته فكرا وافيا، اطّلعت فيه من أسرار المناظرات، وتقرير الحجج الصحيحة، وإبطال الشُّبه الفاسدة، وذكر النقض والفرق، والمعارضة والمنع، على ما يشفي ويكفي لمن بصّره الله، وأنعم عليه بفهم كتابه.

ومن ذلك قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} إلى قوله تعالى: {فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ}، فهذا استدلال في غاية الظهور ونهاية البيان على جميع مطالب أصول الدين من إثبات الصانع وصفات كماله من قدرته وعلمه وإرادته وحياته وحكمته وأفعاله وحدوث العالم وإثبات نوعي توحيده تعالى؛ توحيد الربوبية المتضمن أنه وحده الرب الخالق الفاطر، وتوحيد الإلهية المتضمن أنه وحده الإله المعبود المحبوب الذي لا تصلح العبادة والذل والخضوع والحب إلا له.

ثم قرر تعالى بعد ذلك إثبات نبوة رسوله محمد -صلى الله عليه وسلم- أبلغ تقرير وأحسنه وأتمه وأبعده عن المعارض، فثبت بذلك صدق رسوله في كل ما يقوله، وقد أخبر عن المعاد والجنة والنار فثبت صحة ذلك ضرورة، فقررت هذه الآيات هذه المطالب كلها على أحسن وجه، فصدّرها تعالى بقوله: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ}، وهذا خطاب لجميع بني آدم يشتركون كلهم في تعلقه بهم.

ثم قال: {اعْبُدُوا رَبَّكُمُ} فأمرهم بعبادة ربهم، وفي ضمن هذه الكلمة البرهان القطعي على وجوب عبادته؛ لأنه إذا كان ربنا الذي يربينا بنعمه وإحسانه، وهو مالك ذواتنا ورقابنا وأنفسنا، وكل ذرة من العبد فمملوكة له ملكا خالصا حقيقيا، وقد رباه بإحسانه إليه وإنعامه عليه، فعبادته له وشكره إياه واجب عليه، ولهذا قال: {اعْبُدُوا رَبَّكُمُ}، ولم يقل: إلهكم. والرب هو: السيد والمالك والمنعم والمربي والمصلح، والله تعالى هو الرب بهذه الاعتبارات كلها، فلا شيء أوجب في العقول والفِطر من عبادة من هذا شأنه وحده لا شريك له.

ثم قال: {الَّذِي خَلَقَكُمْ} فنبه بهذا أيضا على وجوب عبادته وحده، وهو كونه أخرجهم من العدم إلى الوجود، وأنشأهم واخترعهم وحده بلا شريك باعترافهم وإقرارهم، كما قال في غير موضع من القرآن: {وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ} [الزخرف]، فإذا كان هو وحده الخالق، فكيف لا يكون وحده المعبود؟! وكيف يجعلون معه شريكا في العبادة! وأنتم مقرون بأنه لا شريك له في الخلق، وهذه طريقة القرآن يستدل بتوحيد الربوبية على توحيد الإلهية.

ثم قال: {وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ}، فنبه بذلك على أنه وحده الخالق لكم ولآبائكم ومن تقدمكم، وأنه لم يشركه أحد في خلق من قبلكم ولا في خلقكم، وخلقه تعالى لهم متضمن لكمال قدرته وإرادته وعلمه وحكمته وحياته، وذلك يستلزم لسائر صفات كماله ونعوت جلاله، فتضمن ذلك إثبات صفاته وأفعاله، ووحدانيته في صفاته، فلا شبيه له فيها، ولا في أفعاله فلا شريك له فيها.

ثم ذكر المطلوب من خلقهم، وهو: أن يتقوه فيطيعوه ولا يعصوه، ويذكروه فلا ينسوه، ويشكروه ولا يكفروه، فهذه حقيقة تقواه.

وقوله: {لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} قيل: إنه تعليل للأمر، وقيل: تعليل للخلق، وقيل: المعنى اعبدوه لتتقوه بعبادته، وقيل: المعنى خلقكم لتتقوه، وهو أظهر لوجوه:
أحدها: أن التقوى هي العبادة، والشيء لا يكون علة لنفسه.
الثاني: أن نظيره قوله تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات].
والثالث: أن الخلق أقرب في اللفظ إلى قوله: {لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} من الأمر.

ولمن نصر الأول أن يقول: لا يمتنع أن يكون قوله: {لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} تعليلا للأمر بالعبادة، ونظيره قوله تعالى: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [البقرة]، فهذا تعليل لكتب الصيام، ولا يمتنع أن يكون تعليلا للأمرين معا، وهذا هو الأليق بالآية، والله أعلم.ثم قال تعالى: {الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَّكُمْ}، فذكر تعالى دليلا آخر متضمنا للاستدلال بحكمته في مخلوقاته.
فالأول: متضمن لأصل الخلق والإيجاد، ويسمى: "دليل الاختراع والإنشاء".
والثاني: متضمن للحكم المشهودة في خلقه، ويسمى: "دليل العناية والحكمة"، وهو تعالى كثيرا ما يكرر هذين النوعين من الاستدلال في القرآن.

ونظيره قوله تعالى: {اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَّكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهَارَ * وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ} [إبراهيم]، فذكر خلق السماوات والأرض، ثم ذكر منافع المخلوقات وحكمها...

ونظير ذلك أيضا قوله تعالى: {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِن مَّاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} [البقرة]، وهذا كثير في القرآن لمن تأمله.

وذكر سبحانه في آية (البقرة) قرار العالم وهو: الأرض، وسقفه وهو: السماء، وأصول منافع العباد وهو: الماء الذي أنزله من السماء، فذكر المسكن والساكن وما يحتاج إليه من مصالحه، ونبه تعالى بجعله للأرض فراشا على تمام حكمته في أن هيأها لاستقرار الحيوان عليها، فجعلها فراشا ومهادا وبساطا وقرارا، وجعل سقفها بناء محكما مستويا لا فطور فيه ولا تفاوت ولا عيب.

ثم قال: {فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَادًا وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ} فتأمل هذه النتيجة وشدة لزومها لتلك المقدمات قبلها، وظفر العقل بها بأول وهلة وخلوصها من كل شبهة وريب وقادح، وأن كل متكلم ومستدل ومحجاج إذا بالغ في تقرير ما يقرره وأطاله، وأعرض القول فيه فغايته -إن صح ما يذكره- أن ينتهي إلى بعض ما في القرآن فتأمل ما تحت هذه الألفاظ من البرهان الشافي في التوحيد، أي: إذا كان الله وحده هو الذي فعل هذه الأفعال فكيف يجعلون له أندادا!؟ وقد علمتم أنه لا ند له يشاركه في فعله.

فلما قرر نوعي التوحيد أتم تقرير انتقل إلى تقرير النبوة فقال: {وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} إن حصل لكم ريب في القرآن وصدق من جاء به، وقلتم: إنه مفتعل؛ فأتوا ولو بسورة واحدة تشبهه، وهذا خطاب لأهل الأرض أجمعهم، ومن المحال أن يأتي واحد منهم بكلام يفتعله ويختلقه من تلقاء نفسه، ثم يطالب أهل الأرض بأجمعهم أن يعارضوه في أيسر جزء منه، يكون مقداره ثلاث آيات من عدة ألوف، ثم تعجز الخلائق كلهم عن ذلك، حتى إن الذين راموا معارضته كان ما عارضوه من أقوى الأدلة على صدقه، فإنهم أتوا بشيء يستحيي العقلاء من سماعه، ويحكمون بسماجته، وقبح ركاكته وخسته، فهو كمن أظهر طيبا لم يشم أحد مثل ريحه قط، وتحدى الخلائق ملوكهم وسوقتهم بأن يأتوا بذرة طيب مثله، فاستحى العقلاء وعرفوا عجزهم، وجاء الحمقان بعذرة منتنة خبيثة، وقالوا: قد جئنا بمثل ما جئت به، فهل يزيد هذا ما جاء به إلا قوة وبرهانا وعظمة وجلالة؟!.

وأكد تعالى هذا التوبيخ والتقريع والتعجيز بأن قال: {وَادْعُوا شُهَدَاءَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ}، كما يقول المعجز لمن يدعي مقاومته: اجهد علي بكل من تقدر عليه من أصحابك وأعوانك وأوليائك، ولا تبق منهم أحدا حتى تستعين به، فهذا لا يقدم عليه إلا أجهل العالم وأحمقه وأسخفه عقلا، إن كان غير واثق بصحة ما يدعيه، أو أكملهم وأفضلهم وأصدقهم وأوثقهم بما يقوله..

فاشتملت الآيات على تقرير مهمات أصول الدين؛ من إثبات خالق العالم وصفاته ووحدانيته، ورسالة رسوله، والمعاد الأكبر". [بدائع الفوائد/ابن القيم].



• المصدر:
صحيفة النبأ العدد 534
السنة السابعة عشرة - الخميس 24 شعبان 1447 هـ