الفرق بين لفظ بعث وارسل (لطائف قرآنيه) بقلم: الباحث والمفكر الإسلامى حازم محمود ...... ...

الفرق بين لفظ بعث وارسل (لطائف قرآنيه)

بقلم: الباحث والمفكر الإسلامى
حازم محمود
...... عندما اقرأ قوله تعالى فبعث الله غرابا
يبحث فى الأرض ليريه كيف يوارى سوءة أخيه

يتبادر إلى ذهنى وكأن الله بعث ما نسميه حانوتى بلفظنا الدارج حاليا أو المتعهد بتغسيل وتكفين الموتى ودفنهم، ولكنه كان من أمة الطير بمعنى من يقوم بوظيفة الحانوتى من الغربان،،،،،،، لذلك يجب أن نتدبر الآتى

الفرق بين لفظ بعث وارسل فى القرآن يستخدم بعناية إلهيه فائقه.

لماذا قال الله: ﴿فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا﴾ ولم يقل: فأرسل الله غرابًا؟
لمسة بلاغية تكشف عمق الاختيار القرآني

من دقائق البيان القرآني التي لا تُدرك من القراءة السطحية، اختيار الألفاظ بما يناسب المقام أدق مناسبة. ومن ذلك قوله تعالى في قصة ابني آدم:

﴿فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْأَةَ أَخِيهِ﴾ [المائدة: 31]

فلماذا بعث، ولم يقل: أرسل؟

البعث: إثارةٌ بعد تمحيص، لا حركةٌ عابرة
الفرق بين البعث والإرسال ليس فرق ترادف، بل فرق دلالة ومقام.
فالإرسال يدل على توجيهٍ عام قد يقع من غير تخصيص، أما البعث فيفيد:

إثارة بعد خفاء

إقامة بعد سكون

اختيارًا وتعيينًا بعد تمحيص

ولهذا استُعمل البعث في القرآن في مواضع التخصيص والانتقاء:

﴿وَبَعَثْنَا فِيهِمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا﴾
﴿وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا﴾

غرابٌ مُعيَّن لمهمةٍ مخصوصة
الغراب في الآية ليس أي غراب مرّ مصادفة، ولا حركة طائر عادية، بل مخلوق مُختار لوظيفة بعينها:

﴿يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ﴾
والبحث هنا نبشٌ وتقليبٌ وتنقيب، وهي مهارة فطرية اشتهر بها الغراب.

فالمشهد ليس “إرسال طائر”، بل بعث صاحب خبرة فطرية ليؤدي مهمة دقيقة: تعليم أول قاتل في التاريخ كيف يواري سوءة أخيه.

كأنه “مسؤول مراسم الدفن” في عالم الطيور
من حيث المعنى البلاغي، لا التشبيه الحرفي، يمكن القول:

كأن الله بعث غرابًا مختصًّا بأمر الدفن، كما يُستدعى صاحب الخبرة لأداء مهمة لا يحسنها غيره.

وهذا المعنى لا يؤديه لفظ أرسل، لأن الإرسال لا يفيد التخصيص ولا التعيين، بينما البعث يفيد أن هذا الغراب مُنتقى للمقام.

توبيخ الإنسان بالبعث لا بالإرسال
بهذا الاختيار اللفظي يشتدّ التوبيخ:
إنسانٌ قتل أخاه، ثم عجز عن أبسط تصرّف إنساني، حتى بُعث له طائر مختص ليوقظه من موته المعنوي.

ولهذا جاءت صرخته الموجعة:

﴿قَالَ يَا وَيْلَتَىٰ أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَٰذَا الْغُرَابِ﴾

استُعمل لفظ “بعث” لأن المقام مقامُ تمحيصٍ وتخصيصٍ وتعيين، لا مجرد إرسال.
فكان الغراب مبعوثًا بخصيصة، لا مرسَلًا بحركة.

وهكذا تتجلّى بلاغة القرآن: لا كلمة فيه تقوم مقام أختها، ولا لفظ يُستبدل بغيره دون أن يختلّ المعنى.