حب الدنيا وكراهية الموت مؤسسة صرح الخلافة تقدم: تفريغًا للإصدار المرئي هُدًى وَمَوْعِظَةٌ ...

حب الدنيا وكراهية الموت


مؤسسة صرح الخلافة تقدم:
تفريغًا للإصدار المرئي هُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِّلْمُتَّقِينَ
(حب الدنيا وكراهية الموت) الصادر عن ولاية غرب إفريقية - رمضان 1447هـ



نشيد:
بآي الكتاب المجيد الموقر
يزال غبار المعاصي ويلقى
إذا ما على قلب عبد توالت
فيبقى الفؤاد مزكى ...


• أبو أنس النيجري

بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه أما بعد:

الحمدُ لله ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلامُ على رسولِ الله الأمين، وعلى آله وصحبِه ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، أما بعد:

فإن حبَّ الدنيا وكراهيةَ الموت داءٌ قتّالٌ يفسدُ الدينَ والدنيا، ويلقي بصاحبِه في هوّ الردى.
فعن عمرِو بنِ عوفٍ أن رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- بعث أبا عبيدةَ بن الجراح إلى البحرين يأتي بجزيتها، وكان رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- هو صالَح أهل البحرين، وأمَّر عليهم العلاءَ بن الحضرمي، فقدم أبو عبيدة بمالٍ من البحرين، فسمعَت الأنصار بقدوم أبي عبيدة، فوافوا صلاةَ الفجر مع النبي -صلى الله عليه وسلم-، فلما انصرف تعرَّضوا له، فتبسَّم رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- حين رآهم، ثم قال: «أظنكم سمعتم أن أبا عبيدة قد قدم بشيء؟» قالوا: أجل يا رسول الله، قال: «فأبشروا وأمِّلوا ما يسركم، فوالله ما الفقر أخشى عليكم، ولكني أخشى أن تُبسط عليكم الدنيا كما بُسطت على من قبلكم، فتنافسوها كما تنافسوها، وتهلككم كما أهلكتهم»، متفقٌ عليه.
وعن ثَوبان قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «يوشك الأمم أن تداعى عليكم كما تداعى الأكلةُ إلى قصعتها»، فقال قائل: ومن قلةٍ نحن يومئذ؟ قال: «بل أنتم يومئذ كثير، ولكنكم غثاء كغثاء السيل، ولينزعنَّ الله من صدور عدوِّكم المهابةَ منكم، وليقذفنَّ الله في قلوبكم الوهن»، فقال قائل: يا رسول الله، وما الوهن؟ قال: «حب الدنيا وكراهية الموت»، أخرجه أحمد وأبو داود وغيرهما بإسنادٍ حسن.

ومن مظاهر حبِّ الدنيا حبُّ المدح، وهو أقوى أسباب الرياء، وحبُّ المال والجاه، وهما يقودان إلى ارتكاب الأخطار والتعرُّض للمهالك في الدين والدنيا.

ومما جاء في ذمِّ الحرص على المال والجاه وشدةِ الرغبة فيهما قوله تعالى: {كَلَّا بَل لَّا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ * وَلَا تَحَاضُّونَ عَلَىٰ طَعَامِ الْمِسْكِينِ * وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلًا لَّمًّا * وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا * كَلَّا إِذَا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا * وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا * وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنسَانُ وَأَنَّىٰ لَهُ الذِّكْرَىٰ * يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي * فَيَوْمَئِذٍ لَّا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ * وَلَا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ} [الفجر: 17-26].

وقوله تعالى: {إِنَّ الْإِنسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ * وَإِنَّهُ عَلَىٰ ذَٰلِكَ لَشَهِيدٌ * وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ * أَفَلَا يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ * وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ * إِنَّ رَبَّهُم بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّخَبِيرٌ} [العاديات: 6-11].
ففي هذه الآيات ذمُّ الحرص على الاستكثار من جمع المال، والتقريب للموت الذي يقطع ذلك ولا بد لكل أحدٍ منه.

ومما جاء في ذمِّ الحرص على المال والجاه حديث كعب بن عياض قال: سمعت النبي -صلى الله عليه وسلم- يقول: «إن لكل أمة فتنة، وفتنة أمتي المال»، أخرجه أحمد والحاكم والترمذي وغيرهم، وقال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرّجاه، وأقره الذهبي على ذلك، وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.

ومما جاء في ذلك أيضاً حديث عباس بن سعد قال: سمعت الزبير على المنبر بمكة في خطبة يقول: يا أيها الناس، إن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان يقول: «لو أن ابن آدم أُعطي وادياً ملأً من ذهب أحبَّ إليه ثانية، ولو أُعطي ثانية أحبَّ إليه ثالثة، ولا يسد جوف ابن آدم إلا التراب، ويتوب الله على من تاب»، أخرجه البخاري في صحيحه.

ومن ذلك أيضاً حديث أبي هريرة عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «تعس عبد الدينار وعبد الدرهم وعبد الخميصة، إن أُعطي رضي، وإن لم يُعط سخط، تعس وانتكس، وإذا شيك فلا انتقش، طوبى لعبد آخذٍ بعنان فرسه في سبيل الله، أشعثَ رأسه، مغبرةً قدماه، إن كان في الحراسة كان في الحراسة، وإن كان في الساقة كان في الساقة، إن استأذن لم يؤذن له، وإن شفع لم يشفع»، أخرجه البخاري في صحيحه.

ومن ذلك أيضاً حديث كعب بن مالك الأنصاري قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «ما ذئبان جائعان أُرسلا في غنم بأفسد لها من حرص المرء على المال والشرف لدينه»، أخرجه الترمذي وغيره، وقال: هذا حديث حسن صحيح.فالمراد من الحديث أن الحرص على المال والجاه والمنصب أكثر إفساداً للدين من إفساد الذئبين للغنم.

تنبيه: الذمُّ على أولئك الذين يستكثرون من المال استكثاراً يفضي إلى الانصراف عن القيام بواجبات الدين في العبادات والمعاملات والأخلاق، ويجنونه بطرقٍ غير مشروعة لم يأذن بها الله، كالربا والغش والخداع والتدليس والمتاجرة بما حرمه الله.

وقال -صلى الله عليه وسلم- فيما رواه الإمام أحمد في مسنده من حديث عمرو بن العاص رفعه: «نِعم المال الصالح للرجل الصالح»، وإسناده صحيح.
وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «تقيء الأرض أفلاذ كبدها أمثال الأسطوان من الذهب والفضة، فيجيء القاتل فيقول: في هذا قتلت، ويجيء القاطع فيقول: في هذا قطعت رحمي، ويجيء السارق فيقول: في هذا قُطعت يدي، ثم يدعونه فلا يأخذون منه شيئاً»، أخرجه مسلم في صحيحه.

ومن نتائج حبِّ الدنيا كذلك ضيق الصدر وسوء العاقبة، قال تعالى: {مَن كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ * أُولَٰئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [هود: 15-16].

وقال: {مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِن نَّصِيبٍ} [الشورى: 20].

وعن أبان بن عثمان أن زيد بن ثابت خرج من عند مروان نحوًا من نصف النهار، فقلنا: ما بعث إليه الساعة إلا لشيءٍ سأله عنه، فقمت إليه فسألته، فقال: أجل، سألَنا عن أشياء سمعتها من رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: «نضّر الله امرأً سمع منا حديثًا فحفظه حتى يبلغه غيره، فإنه رُبَّ حامل فقهٍ ليس بفقيه، ورُبَّ حامل فقهٍ إلى من هو أفقه منه، ثلاث خصال لا يغل عليهن قلب مسلم أبدًا: إخلاص العمل لله، ومناصحة ولاة الأمر، ولزوم الجماعة، فإن دعوتهم تحيط من ورائهم»، وقال: «من كان همه الآخرة جمع الله شمله، وجعل غناه في قلبه، وأتته الدنيا وهي راغمة، ومن كانت نيته الدنيا فرَّق الله عليه ضيعته، وجعل فقره بين عينيه، ولم يأته من الدنيا إلا ما كُتب له»، وسألنا عن الصلاة الوسطى، وهي الظهر، أخرجه أبو داود وابن ماجه وغيرهما.

والحمد لله رب العالمين.