انتصاف شهر رمضان لابن الجوزي "أيها الناس: إن شهركم هذا قد انتصف، فهل فيكم من قهر نفسه وانتصف، ...
انتصاف شهر رمضان لابن الجوزي
"أيها الناس: إن شهركم هذا قد انتصف، فهل فيكم من قهر نفسه وانتصف، وهل فيكم من قام فيه بما عرف، وهل تشوقت هممكم إلى نيل الشرف، أيها المحسن فيما مضى منه دُم، وأيها المسيء وبّخ نفسك على التفريط ولُم، إذا خسرت في هذا الشهر متى تربح، وإذا لم تسافر فيه نحو الفوائد فمتى تبرح، عن أبي هريرة أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (رغم أنف رجل دخل عليه رمضان ثم انسلخ قبل أن يغفر له) [الترمذي].
إذا الروض أمسى مجدبا في ربيعه *** ففي أي حين يستنير ويخصب؟!
عباد الله: فرحة الحِسّ عند الإفطار تناول الطعام، وفرحة الإيمان بالتوفيق لإتمام الصيام. يا هذا قدِّم دستور الحساب قبل الغروب فإن وجدت خللا فارقعه برقعة استغفار، فإذا جاء السحر فاعقد عقد الزهد في الدنيا عند نية الصوم، وتجرع جرعة دمعة في إناء ركعة لعلك تطَّلع على خبايا خفايا ما أعد للصائمين من مستور {فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ}.
يا مضيّع الزمان فيما ينقص الإيمان، ما أراك في رمضان إلا كجمادى وشعبان، أما يشوقك إلى الخير ما يشوق، أما يعوقك عن الضير ما يعوق، متى تصير سابقا يا مسبوق، إلى متى سوق الشوق إلى سوق الفسوق، أول الهوى سهل ثم تتخرق الخروق، كلما حصدت نباته بمنجل الصبر أخرجت العروق، وإن لذيذ شربه فشربه شجى في الحلوق، وإنما لذات الدنيا كخطف البروق، ميِّز بين ما يفنى وما يبقى تر الفروق، خلِّ التواني إن شئت أن تفوق.
عليك حافظ وضابط، ليس بناس ولا غالط، يكتب الكلمات السواقط، وأنت في ليل الحدث خابط، تتعرض في الصباح والمساء للمساخط، يا من قد شاب إلى كم تغالط، لا بد لليل من فجر منير كاشط، كيف ينهض للعب واللهو الأشامط، ماذا بقي وهذا الشيب واخط، أما تستحي وأنت في الإثم وارط، يا قاعدا عند التقى وهو في الهوى ناشط، كلما رفعت لم ترد إلا المهابط، تيقظ لنفسك فقد مضى الفارط، وابك على ذنبك ويكفي الفارط، أصلح ما بقي واقبل من الوسائط، جاهد هواك في الدنيا فالفخر للمرابط، انظر لمن تعاشر واعرف لمن تخالط، احذر جزاء القسط عليك يا قاسط، لا تغتر بالسلامة فربما قبض الباسط، فِ لنا بالشروط ونحن نَفِي بالشرائط، ذكر نفسك بالموت ذاك الشديد الضاغط، إذا تحيرت في الأمور وزال الجأش الرابط، لا تنفع الأقارب ولا تدفع الأراهط، ونفس النفس يخرج من سم إبرة خائط.
لله در أقوام تفكروا فأبصروا، ولاحت لهم الغاية فما قصروا، وجعلوا الليل روح قلوبهم والصيام غذاء أبدانهم، والصدق عادة ألسنتهم والموت نصب أعينهم.
طوبى لعبد بالغ في حذاره، واحتفر بكفّ فكره قبره قبل احتفاره، وانتهب زمانه بأيدي بداره، وأعذر في الأمر قبل شيب عذاره، ولم يرض في زاده بتقليله واختصاره، ورأى عيب الهوى فلم يصطل بناره، ودافع الشهوات وصابر المكاره، إن بحثت عنه رأيته صائم نهاره، وإن سألت عن ليله فقائم أسحاره، وإن تلمحته فالزفير في إصعاده والدمع في انحداره، ولا يتناول من الدنيا إلا قدر اضطراره، باعها فاشترى بها ما يبقى باختياره، هل فيكم متشبه بهذا أو على نجاره؟ يا حسنه ومصابيح النجوم تزهر والناس قد ناموا وهو في الخير يسهر، غسل وجهه من ماء عينه وعين العين أطهر، فلما قضى ورد الدجى جلس يتفكر، فخطر على قلبه كيف يموت وكيف يقبر، وتصور صحائفه كيف تطوى وكيف تنشر، فهام قلبه في بوادي القلق وتحير، فطلق الدنيا ثلاثا وهل يستوطن معبر.
إخواني: استدركوا باقي الشهر فإنه أشرف أوقات الدهر، واحصروا النفوس عن هواها بالقهر، وقد سمعتم بالحور العين فاهتموا بالمهر.
عباد الله: اعلموا أن النصف الأخير أفضل من الأول، لأن فيه العشر وليلة القدر، والأعمال تضاعف بشرف وقتها ومكانها، أترى صح لك صوم يوم، أترى تسلم في شهرك من لوم، أترى لفيك خلوق أم فيك خلاق، من فطّر صائما فله أجر صائم، فاجتهد أن تصوم رمضان ستين يوما، إنما أنت ضيف أصبحت في مترك، وما في يديك وديعة عندك، ويوشك الضيف أن يرتحل والوديعة أن ترد، ابك على نفسك أيام الحياة بكاء من ودع الدنيا.
لله در تلك القلوب الطاهرة، أنوارها في ظلام الدجى ظاهرة، رفضت حلية الدنيا وإن كانت فاخرة، كم تركت شهوة وهي عليها قادرة، باتت عيونها والناس نيام ساهرة، زفرات الخوف تثير سحائب الأجفان الماطرة، يندمون على الذنوب وإن كانت نادرة، كم بينك وبينهم يا بائع الآخرة، شيب وعيب أمثال سائرة، أمل مع هرم هذه نادرة، كم أقوام أمّلوا هذا الشهر فخاب الأمل، أين هم خلوا في الألحاد بالعمل، تالله إنّ نسيان النقل في العقل خلل، أما يكفي زجر المقيم بمن رحل.
يا من عمره قد وهى في سلك الهوى فهو متهافت، متى تستدرك في هذه البقية بالتقية الفائت، متى تشبع النوم فتجتمع الهموم الشتائت، أيها المريض البالي وما يبالي بوصف ناعت، إلى متى أنت بالعيوب إلى علام الغيوب متماقت، متعرض صباحا للساخط ومساء للماقت، وتعمل بالأغراض في الإعراض عمل العفارات، يا متكلما في ضره فأما في نفعه فساكت، كلما نقص أجله زاد أمله وهذا متفاوت، أما رأيت المنايا تحصد المُنى في المنابت، كم مقهقه رجع القهقرى إلى حزن باكت، كأنك بالموت إذ ثوى قد فزع الثوابت، ونزل بك إذ نزل بك إلى حيرة باهت، يا جاهلا قد غُرَّ لقد سُرَّ بفعلك الشامت.
إخواني: هذه أيام تصان، هي كالتاج على رأس الزمان، وصل توقيع القِدم من الرحيم الرحمن {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ}. يا له من وقت عظيم الشان تجب حراسته مما إذا حل شان، كأنكم به قد رحل وبان ووجه الصلح ما بان {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ}. من اللازم فيه أن تُحرس العينان، ومن الواجب أن يُحفظ اللسان، ومن المتعين أن تُمنع من الخطى في الخطا القدمان {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ}. زنوا أفعالكم في هذا الشهر بميزان، واشتروا خلاصكم بما عز وهان، فإن عجزتم فسلوا المعين وقد أعان {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ}، قد ذهب نصف البضاعة في التفريط والإضاعة، والتسويف يمحق ساعة بعد ساعة، والشمس والقمر بحسبان {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ}.
يا واقفا في مقام التحير هل أنت على عزم التغير؟ إلى متى ترضى بالنزول في منزل الهوان، هل مضى من يومك يوم صالح سلمت فيه من جرائم القبائح، تالله لقد سبق المتقي الرابح وأنت راض بالخسران، عينك مطلقة في الحرام، ولسانك منبسط في الآثام، ولأقدامك على الذنوب إقدام، والكل مثبت في الديوان، قلبك غائب في صلواتك وفكرك ينقضي في شهواتك، فإن ركن إليك معامل في معاملاتك دخلت به خان من خان، أكثر كلامك لغو وهذر، والوقت بالتفريط شذر مذر، وإن اغتبت مسلما لم تبق ولم تذر، الأمان منك الأمان، تالله لو عقلت حالك أو ذكرت ارتحالك أو تصورت أعمالك لبنيت بيت الأحزان، سيشهد رمضان عليك بنطق لسانك ونظر عينيك، وسيشار يوم الجمع إليك شقي فلان وسعيد فلان، في كل لحظة تقرب من قبرك، فانظر لنفسك في تدبير أمرك، وما أراك إلا كأول شهرك، الأول والآخر سيان، قد ذهب من الشهر النصف وما أرى من عملك النصف، فإن كان في الماضي قد قبُح الوصف فقم الآن، والحمد لله وحده".
[التبصرة/ لابن الجوزي]
• المصدر:
صحيفة النبأ – العدد 537
السنة السابعة عشرة - الخميس 16 رمضان 1447 هـ
مقتطفات النبأ:
انتصاف شهر رمضان لابن الجوزي
"أيها الناس: إن شهركم هذا قد انتصف، فهل فيكم من قهر نفسه وانتصف، وهل فيكم من قام فيه بما عرف، وهل تشوقت هممكم إلى نيل الشرف، أيها المحسن فيما مضى منه دُم، وأيها المسيء وبّخ نفسك على التفريط ولُم، إذا خسرت في هذا الشهر متى تربح، وإذا لم تسافر فيه نحو الفوائد فمتى تبرح، عن أبي هريرة أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (رغم أنف رجل دخل عليه رمضان ثم انسلخ قبل أن يغفر له) [الترمذي].
إذا الروض أمسى مجدبا في ربيعه *** ففي أي حين يستنير ويخصب؟!
عباد الله: فرحة الحِسّ عند الإفطار تناول الطعام، وفرحة الإيمان بالتوفيق لإتمام الصيام. يا هذا قدِّم دستور الحساب قبل الغروب فإن وجدت خللا فارقعه برقعة استغفار، فإذا جاء السحر فاعقد عقد الزهد في الدنيا عند نية الصوم، وتجرع جرعة دمعة في إناء ركعة لعلك تطَّلع على خبايا خفايا ما أعد للصائمين من مستور {فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ}.
يا مضيّع الزمان فيما ينقص الإيمان، ما أراك في رمضان إلا كجمادى وشعبان، أما يشوقك إلى الخير ما يشوق، أما يعوقك عن الضير ما يعوق، متى تصير سابقا يا مسبوق، إلى متى سوق الشوق إلى سوق الفسوق، أول الهوى سهل ثم تتخرق الخروق، كلما حصدت نباته بمنجل الصبر أخرجت العروق، وإن لذيذ شربه فشربه شجى في الحلوق، وإنما لذات الدنيا كخطف البروق، ميِّز بين ما يفنى وما يبقى تر الفروق، خلِّ التواني إن شئت أن تفوق.
عليك حافظ وضابط، ليس بناس ولا غالط، يكتب الكلمات السواقط، وأنت في ليل الحدث خابط، تتعرض في الصباح والمساء للمساخط، يا من قد شاب إلى كم تغالط، لا بد لليل من فجر منير كاشط، كيف ينهض للعب واللهو الأشامط، ماذا بقي وهذا الشيب واخط، أما تستحي وأنت في الإثم وارط، يا قاعدا عند التقى وهو في الهوى ناشط، كلما رفعت لم ترد إلا المهابط، تيقظ لنفسك فقد مضى الفارط، وابك على ذنبك ويكفي الفارط، أصلح ما بقي واقبل من الوسائط، جاهد هواك في الدنيا فالفخر للمرابط، انظر لمن تعاشر واعرف لمن تخالط، احذر جزاء القسط عليك يا قاسط، لا تغتر بالسلامة فربما قبض الباسط، فِ لنا بالشروط ونحن نَفِي بالشرائط، ذكر نفسك بالموت ذاك الشديد الضاغط، إذا تحيرت في الأمور وزال الجأش الرابط، لا تنفع الأقارب ولا تدفع الأراهط، ونفس النفس يخرج من سم إبرة خائط.
لله در أقوام تفكروا فأبصروا، ولاحت لهم الغاية فما قصروا، وجعلوا الليل روح قلوبهم والصيام غذاء أبدانهم، والصدق عادة ألسنتهم والموت نصب أعينهم.
طوبى لعبد بالغ في حذاره، واحتفر بكفّ فكره قبره قبل احتفاره، وانتهب زمانه بأيدي بداره، وأعذر في الأمر قبل شيب عذاره، ولم يرض في زاده بتقليله واختصاره، ورأى عيب الهوى فلم يصطل بناره، ودافع الشهوات وصابر المكاره، إن بحثت عنه رأيته صائم نهاره، وإن سألت عن ليله فقائم أسحاره، وإن تلمحته فالزفير في إصعاده والدمع في انحداره، ولا يتناول من الدنيا إلا قدر اضطراره، باعها فاشترى بها ما يبقى باختياره، هل فيكم متشبه بهذا أو على نجاره؟ يا حسنه ومصابيح النجوم تزهر والناس قد ناموا وهو في الخير يسهر، غسل وجهه من ماء عينه وعين العين أطهر، فلما قضى ورد الدجى جلس يتفكر، فخطر على قلبه كيف يموت وكيف يقبر، وتصور صحائفه كيف تطوى وكيف تنشر، فهام قلبه في بوادي القلق وتحير، فطلق الدنيا ثلاثا وهل يستوطن معبر.
إخواني: استدركوا باقي الشهر فإنه أشرف أوقات الدهر، واحصروا النفوس عن هواها بالقهر، وقد سمعتم بالحور العين فاهتموا بالمهر.
عباد الله: اعلموا أن النصف الأخير أفضل من الأول، لأن فيه العشر وليلة القدر، والأعمال تضاعف بشرف وقتها ومكانها، أترى صح لك صوم يوم، أترى تسلم في شهرك من لوم، أترى لفيك خلوق أم فيك خلاق، من فطّر صائما فله أجر صائم، فاجتهد أن تصوم رمضان ستين يوما، إنما أنت ضيف أصبحت في مترك، وما في يديك وديعة عندك، ويوشك الضيف أن يرتحل والوديعة أن ترد، ابك على نفسك أيام الحياة بكاء من ودع الدنيا.
لله در تلك القلوب الطاهرة، أنوارها في ظلام الدجى ظاهرة، رفضت حلية الدنيا وإن كانت فاخرة، كم تركت شهوة وهي عليها قادرة، باتت عيونها والناس نيام ساهرة، زفرات الخوف تثير سحائب الأجفان الماطرة، يندمون على الذنوب وإن كانت نادرة، كم بينك وبينهم يا بائع الآخرة، شيب وعيب أمثال سائرة، أمل مع هرم هذه نادرة، كم أقوام أمّلوا هذا الشهر فخاب الأمل، أين هم خلوا في الألحاد بالعمل، تالله إنّ نسيان النقل في العقل خلل، أما يكفي زجر المقيم بمن رحل.
يا من عمره قد وهى في سلك الهوى فهو متهافت، متى تستدرك في هذه البقية بالتقية الفائت، متى تشبع النوم فتجتمع الهموم الشتائت، أيها المريض البالي وما يبالي بوصف ناعت، إلى متى أنت بالعيوب إلى علام الغيوب متماقت، متعرض صباحا للساخط ومساء للماقت، وتعمل بالأغراض في الإعراض عمل العفارات، يا متكلما في ضره فأما في نفعه فساكت، كلما نقص أجله زاد أمله وهذا متفاوت، أما رأيت المنايا تحصد المُنى في المنابت، كم مقهقه رجع القهقرى إلى حزن باكت، كأنك بالموت إذ ثوى قد فزع الثوابت، ونزل بك إذ نزل بك إلى حيرة باهت، يا جاهلا قد غُرَّ لقد سُرَّ بفعلك الشامت.
إخواني: هذه أيام تصان، هي كالتاج على رأس الزمان، وصل توقيع القِدم من الرحيم الرحمن {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ}. يا له من وقت عظيم الشان تجب حراسته مما إذا حل شان، كأنكم به قد رحل وبان ووجه الصلح ما بان {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ}. من اللازم فيه أن تُحرس العينان، ومن الواجب أن يُحفظ اللسان، ومن المتعين أن تُمنع من الخطى في الخطا القدمان {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ}. زنوا أفعالكم في هذا الشهر بميزان، واشتروا خلاصكم بما عز وهان، فإن عجزتم فسلوا المعين وقد أعان {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ}، قد ذهب نصف البضاعة في التفريط والإضاعة، والتسويف يمحق ساعة بعد ساعة، والشمس والقمر بحسبان {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ}.
يا واقفا في مقام التحير هل أنت على عزم التغير؟ إلى متى ترضى بالنزول في منزل الهوان، هل مضى من يومك يوم صالح سلمت فيه من جرائم القبائح، تالله لقد سبق المتقي الرابح وأنت راض بالخسران، عينك مطلقة في الحرام، ولسانك منبسط في الآثام، ولأقدامك على الذنوب إقدام، والكل مثبت في الديوان، قلبك غائب في صلواتك وفكرك ينقضي في شهواتك، فإن ركن إليك معامل في معاملاتك دخلت به خان من خان، أكثر كلامك لغو وهذر، والوقت بالتفريط شذر مذر، وإن اغتبت مسلما لم تبق ولم تذر، الأمان منك الأمان، تالله لو عقلت حالك أو ذكرت ارتحالك أو تصورت أعمالك لبنيت بيت الأحزان، سيشهد رمضان عليك بنطق لسانك ونظر عينيك، وسيشار يوم الجمع إليك شقي فلان وسعيد فلان، في كل لحظة تقرب من قبرك، فانظر لنفسك في تدبير أمرك، وما أراك إلا كأول شهرك، الأول والآخر سيان، قد ذهب من الشهر النصف وما أرى من عملك النصف، فإن كان في الماضي قد قبُح الوصف فقم الآن، والحمد لله وحده".
[التبصرة/ لابن الجوزي]
• المصدر:
صحيفة النبأ – العدد 537
السنة السابعة عشرة - الخميس 16 رمضان 1447 هـ
مقتطفات النبأ:
انتصاف شهر رمضان لابن الجوزي
