مقال: الوحي لا التخرُّصات ليس مطلوبا من كل مسلم أن يصبح محللا عسكريا وباحثا سياسيا يقضي ...
مقال: الوحي لا التخرُّصات
ليس مطلوبا من كل مسلم أن يصبح محللا عسكريا وباحثا سياسيا يقضي أوقاته أمام شاشات الرائي وفي متابعة القنوات الإخبارية، ليصل إلى الحق الذي يبني عليه موقفه الشرعي تجاه الأحداث والصراعات الجاهلية المتلاحقة.
ولا ينبغي بحال، أن يُوقف المسلم صحة موقفه الشرعي على صحة التحليلات لمجريات الأحداث، فقد يخطئ المحلل ويخفق السياسي، لكن المسلم لا يخطئ في انتمائه وولائه وبرائه، لأنه خارج كل دوائر التحليلات والتخرّصات والتكهنات والمتغيرات السياسية والعسكرية، إنها قواعد ومسلَّمات لا تتبدل ولا تتغير وعليها مدار العقاب والثواب.
فالشرك هو الشرك ذاته في كل العصور، والردة هي الردة، والباطل هو الباطل، والبراء من الكافرين وموالاة المسلمين هو ذاته الولاء والبراء الذي نزل به الوحي الأمين، ولا يقترن أو يرتهن لصحة تحليل المشهد السياسي أو العسكري من عدمه.
وفي ظل تعقيد المشهد وتشابك خطوطه وكثرة متغيراته، ليس من الفقه رهن عقائد المسلمين لهذه المتغيرات أيّا كانت، فالعقيدة أصل والبقية تبع وفرع وليس العكس.
ومع تسليمنا بأهمية الفطنة واليقظة لسياسات الكافرين والتنبه لمخططاتهم، لكن الإغراق في التحليل ليس بوسع كافة العباد ولا طاقتهم، ولا هم مكلفون بذلك شرعا، ولا يُعقل أنّ المسلم إنْ تعذر عليه معرفة أو تقدير نتيجة معركة أو نهاية صراع ما؛ أن لا يحسن اختيار موضع أقدامه أين يقف، وأي راية يرفع، فمجريات الأحداث العسكرية والسياسية ونتيجتها أيا كانت؛ ليست شرطا لصحة الموقف الشرعي المتمثل بالكفر بكل فرق الباطل، ومفارقة كل معسكراته الناطقة بالعربية أو العبرية أو الإنجليزية أو الفارسية، لماذا؟
لأن الموقف الشرعي الصحيح خصوصا في العقائد والولاءات، مصدره الوحي لا نشرات الأخبار، مصدره الكتاب والسنة وليس قنوات المحللين والمخرصين، خصوصا إذا ما علمنا أن التحليل السياسي يفقد جدواه مع مرور الأيام بسبب افتقاده للمقدمات والمعطيات المنطقية التي في ضوئها يتم تقدير النتائج والنهايات، وهذا واضح على الأقل في السنوات الخمس الأخيرة التي اضطرب فيها "كبار المحللين" وأعلنوا استسلامهم، بينما استمر الهواة والعابثون أتباع المحاور الجاهلية في المقامرة بأفهام الناس وسوقهم إلى بحار التيه والأوهام.
ولذلك على دعاة التوحيد الاجتهاد في تبصير الناس بحقيقة المعسكرات والفرق الجاهلية المتناحرة لأن الحكم على الشيء فرع عن تصوره، والصورة المرسومة في أذهان كثير من الناس عن هذه الفرق والأحزاب ليست الصورة التي رسمتها نصوص الوحي، والسبب أن الناس درجوا على تلقي دينهم من أخبار القُصّاص لا أخبار الكِتاب، وهذا قديم لكنه استفحل في عصر منصات الرويبضة والغثاء.
والمسلم في هذا العصر المضطرب أحوج ما يكون إلى العودة إلى المعين الصافي واتّباع المرشد الأول الذي دلّه الله عليه، وبيّن له أنه نبراس هدايته وسبيل نجاته، إنه منهاج النبوة الذي نزل به الوحي ثم انقضى نزوله بانقضاء عصر النبوة، لكنه أورثنا ميراثها ومنهاجها تاما صافيا نقيا لا يزيغ عنه إلا هالك ولا يتنكبه إلا ضال.
ومما يجدر بنا تذكير المسلمين به، أن لا يشغلوا أنفسهم في إنزال أحاديث الفتن والملاحم على ما يجري اليوم، بل ينشغلوا بالاستعداد لهذه الملاحم بتقوية إيمانهم وتحقيق توحيدهم وتجريد نيتهم لخالقهم، وأن ينشغلوا بتصحيح مسارهم واختيار مواطئ أقدامهم أين يقفون غدا في هذه الملاحم الحتمية لو أدركوها؛ أيقفون في فسطاط المؤمنين أم فسطاط الكافرين والمنافقين؟ في معسكر التوحيد أم معسكر الشرك والتنديد؟ هذا الذي يجب أن يملأ على المسلم وقته وتفكيره ويكون شغله الشاغل.
وهذا الاختيار والموقف مثل سؤال الملكين في القبر، ليس تلقينا لجواب مرصود ولا استدعاء لمتن محفوظ، إنما هو ثمرة صحة التوحيد وصدق الإيمان والاتّباع لنور الكتاب المبين الذي {يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ}، أي: "طرق النجاة والسلامة ومناهج الاستقامة"، وهو ثمرة الولاء لله ورسوله والبراءة من الطواغيت والمشركين لقوله تعالى: {اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُم مِّنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ} قال ابن كثير: "يُخرج عباده المؤمنين من ظلمات الكفر والشك والريب إلى نور الحق الواضح الجلي المبين السهل المنير"، وفي المقابل يقول تعالى: {وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَىٰ وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّىٰ وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا} أي: "نتركه وما اختاره لنفسه، ونخذله فلا نوفقه للخير"؛ فمن تولى الرافضة نولّه ما تولى، ومن تولى اليهود نولّه ما تولى، ومن تولى الصليبيين نولّه ما تولى، والجزاء من جنس العمل.
وبناء على ما تقدم، فإننا نحرض ونحث ونذكّر المسلمين بوجوب المسارعة إلى ضبط بوصلة الولاء والبراء وإحكام شراعه، فهو الضامن الوحيد الذي يوصلهم إلى بر الإيمان وسط هذا الطوفان الجاهلي المتلاطم، فمن كان ولاؤه خالصا لله تعالى وحزبه، فهو الفائز الناجي على كل حال، ومن كان ولاؤه لرايته الوطنية، واتجاهه نحو قِبلته القومية ومحاوره الجاهلية؛ فليبشر بالغرق والهلاك والضياع، {وَمَن كَانَ فِي هَٰذِهِ أَعْمَىٰ فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَىٰ وَأَضَلُّ سَبِيلًا}.
كما نوصي عامة المسلمين بالاعتصام بحبل الله تعالى المتين، فهو الحبل الوحيد الذي لن تقطعه عواصف المحن ولا أعاصير الفتن، فمن تمسك به وقاه، ومن فرّط به سقط في دركات الغواية والضلال، ونوصيهم بالدعاء أن يبصّرهم الله تعالى الحق لأن الهداية محض فضله وتوفيقه، وهي من بيئة الجهاد أقرب وعن بيئة القعود أبعد.
وبالمحصلة، فكل ما يجري حولنا لا يخرج عن بصر الله وسمعه فهو السميع البصير، ولا يخرج عن لطفه وعلمه فهو اللطيف الخبير، ولا يخرج عن عدله ورحمته، بل كل ما يجري هو عين تدبيره ومكره لأوليائه ومكره بأعدائه، وإنما السعيد الفطن الذي يحسن الاختيار قبل فوات الأوان، فاختاروا أيها الناس سبيل الوحي لا التخرُّصات والأوهام.
• المصدر:
صحيفة النبأ – العدد 540
السنة السابعة عشرة - الخميس 7 شوال 1447 هـ
ليس مطلوبا من كل مسلم أن يصبح محللا عسكريا وباحثا سياسيا يقضي أوقاته أمام شاشات الرائي وفي متابعة القنوات الإخبارية، ليصل إلى الحق الذي يبني عليه موقفه الشرعي تجاه الأحداث والصراعات الجاهلية المتلاحقة.
ولا ينبغي بحال، أن يُوقف المسلم صحة موقفه الشرعي على صحة التحليلات لمجريات الأحداث، فقد يخطئ المحلل ويخفق السياسي، لكن المسلم لا يخطئ في انتمائه وولائه وبرائه، لأنه خارج كل دوائر التحليلات والتخرّصات والتكهنات والمتغيرات السياسية والعسكرية، إنها قواعد ومسلَّمات لا تتبدل ولا تتغير وعليها مدار العقاب والثواب.
فالشرك هو الشرك ذاته في كل العصور، والردة هي الردة، والباطل هو الباطل، والبراء من الكافرين وموالاة المسلمين هو ذاته الولاء والبراء الذي نزل به الوحي الأمين، ولا يقترن أو يرتهن لصحة تحليل المشهد السياسي أو العسكري من عدمه.
وفي ظل تعقيد المشهد وتشابك خطوطه وكثرة متغيراته، ليس من الفقه رهن عقائد المسلمين لهذه المتغيرات أيّا كانت، فالعقيدة أصل والبقية تبع وفرع وليس العكس.
ومع تسليمنا بأهمية الفطنة واليقظة لسياسات الكافرين والتنبه لمخططاتهم، لكن الإغراق في التحليل ليس بوسع كافة العباد ولا طاقتهم، ولا هم مكلفون بذلك شرعا، ولا يُعقل أنّ المسلم إنْ تعذر عليه معرفة أو تقدير نتيجة معركة أو نهاية صراع ما؛ أن لا يحسن اختيار موضع أقدامه أين يقف، وأي راية يرفع، فمجريات الأحداث العسكرية والسياسية ونتيجتها أيا كانت؛ ليست شرطا لصحة الموقف الشرعي المتمثل بالكفر بكل فرق الباطل، ومفارقة كل معسكراته الناطقة بالعربية أو العبرية أو الإنجليزية أو الفارسية، لماذا؟
لأن الموقف الشرعي الصحيح خصوصا في العقائد والولاءات، مصدره الوحي لا نشرات الأخبار، مصدره الكتاب والسنة وليس قنوات المحللين والمخرصين، خصوصا إذا ما علمنا أن التحليل السياسي يفقد جدواه مع مرور الأيام بسبب افتقاده للمقدمات والمعطيات المنطقية التي في ضوئها يتم تقدير النتائج والنهايات، وهذا واضح على الأقل في السنوات الخمس الأخيرة التي اضطرب فيها "كبار المحللين" وأعلنوا استسلامهم، بينما استمر الهواة والعابثون أتباع المحاور الجاهلية في المقامرة بأفهام الناس وسوقهم إلى بحار التيه والأوهام.
ولذلك على دعاة التوحيد الاجتهاد في تبصير الناس بحقيقة المعسكرات والفرق الجاهلية المتناحرة لأن الحكم على الشيء فرع عن تصوره، والصورة المرسومة في أذهان كثير من الناس عن هذه الفرق والأحزاب ليست الصورة التي رسمتها نصوص الوحي، والسبب أن الناس درجوا على تلقي دينهم من أخبار القُصّاص لا أخبار الكِتاب، وهذا قديم لكنه استفحل في عصر منصات الرويبضة والغثاء.
والمسلم في هذا العصر المضطرب أحوج ما يكون إلى العودة إلى المعين الصافي واتّباع المرشد الأول الذي دلّه الله عليه، وبيّن له أنه نبراس هدايته وسبيل نجاته، إنه منهاج النبوة الذي نزل به الوحي ثم انقضى نزوله بانقضاء عصر النبوة، لكنه أورثنا ميراثها ومنهاجها تاما صافيا نقيا لا يزيغ عنه إلا هالك ولا يتنكبه إلا ضال.
ومما يجدر بنا تذكير المسلمين به، أن لا يشغلوا أنفسهم في إنزال أحاديث الفتن والملاحم على ما يجري اليوم، بل ينشغلوا بالاستعداد لهذه الملاحم بتقوية إيمانهم وتحقيق توحيدهم وتجريد نيتهم لخالقهم، وأن ينشغلوا بتصحيح مسارهم واختيار مواطئ أقدامهم أين يقفون غدا في هذه الملاحم الحتمية لو أدركوها؛ أيقفون في فسطاط المؤمنين أم فسطاط الكافرين والمنافقين؟ في معسكر التوحيد أم معسكر الشرك والتنديد؟ هذا الذي يجب أن يملأ على المسلم وقته وتفكيره ويكون شغله الشاغل.
وهذا الاختيار والموقف مثل سؤال الملكين في القبر، ليس تلقينا لجواب مرصود ولا استدعاء لمتن محفوظ، إنما هو ثمرة صحة التوحيد وصدق الإيمان والاتّباع لنور الكتاب المبين الذي {يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ}، أي: "طرق النجاة والسلامة ومناهج الاستقامة"، وهو ثمرة الولاء لله ورسوله والبراءة من الطواغيت والمشركين لقوله تعالى: {اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُم مِّنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ} قال ابن كثير: "يُخرج عباده المؤمنين من ظلمات الكفر والشك والريب إلى نور الحق الواضح الجلي المبين السهل المنير"، وفي المقابل يقول تعالى: {وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَىٰ وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّىٰ وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا} أي: "نتركه وما اختاره لنفسه، ونخذله فلا نوفقه للخير"؛ فمن تولى الرافضة نولّه ما تولى، ومن تولى اليهود نولّه ما تولى، ومن تولى الصليبيين نولّه ما تولى، والجزاء من جنس العمل.
وبناء على ما تقدم، فإننا نحرض ونحث ونذكّر المسلمين بوجوب المسارعة إلى ضبط بوصلة الولاء والبراء وإحكام شراعه، فهو الضامن الوحيد الذي يوصلهم إلى بر الإيمان وسط هذا الطوفان الجاهلي المتلاطم، فمن كان ولاؤه خالصا لله تعالى وحزبه، فهو الفائز الناجي على كل حال، ومن كان ولاؤه لرايته الوطنية، واتجاهه نحو قِبلته القومية ومحاوره الجاهلية؛ فليبشر بالغرق والهلاك والضياع، {وَمَن كَانَ فِي هَٰذِهِ أَعْمَىٰ فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَىٰ وَأَضَلُّ سَبِيلًا}.
كما نوصي عامة المسلمين بالاعتصام بحبل الله تعالى المتين، فهو الحبل الوحيد الذي لن تقطعه عواصف المحن ولا أعاصير الفتن، فمن تمسك به وقاه، ومن فرّط به سقط في دركات الغواية والضلال، ونوصيهم بالدعاء أن يبصّرهم الله تعالى الحق لأن الهداية محض فضله وتوفيقه، وهي من بيئة الجهاد أقرب وعن بيئة القعود أبعد.
وبالمحصلة، فكل ما يجري حولنا لا يخرج عن بصر الله وسمعه فهو السميع البصير، ولا يخرج عن لطفه وعلمه فهو اللطيف الخبير، ولا يخرج عن عدله ورحمته، بل كل ما يجري هو عين تدبيره ومكره لأوليائه ومكره بأعدائه، وإنما السعيد الفطن الذي يحسن الاختيار قبل فوات الأوان، فاختاروا أيها الناس سبيل الوحي لا التخرُّصات والأوهام.
• المصدر:
صحيفة النبأ – العدد 540
السنة السابعة عشرة - الخميس 7 شوال 1447 هـ
