كيف حالك على الصراط غدا؟ الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على إمام المتقين وعلى آله ...
كيف حالك على الصراط غدا؟
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على إمام المتقين وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وبعد.
فإن في القيامة أهوالا وأهوالا، ما ينتهي هول إلا وبعده ما هو أشد منه، حتى يصير حال العبد إلى مثواه في الجنة أو النار، وما أمِن تقيٌّ على نفسه قبل دخول الجنة، ولا ركَنَ إلى عمله مَن عرف عظيم الخطب، كفى بعرصاتها وطول وقوفها قارعة، وكفى بحرّ الشمس ودنوِّها غُمة، يوم الحسرة والتغابن يوم التناد والفرار، فزعٌ أكبر وأمرٌ عصيب لو لم تكن لهم أجساد لا تفنى لذابت من أهوالها وزلزالها.
وقد ذكر لنا ربنا في كتابه العزيز أوصاف ذلك اليوم وأحوال الناس فيه، وفي السنة ما فيه تفصيل لدقائق تلك الأحوال، فالناس بين وقوف طويل، وحساب عسير، وتطاير للصحف، وصراط ممدود على متن جهنم، ومعرفة كل ذلك من الإيمان باليوم الآخر، وسنتناول في مقالنا هذا أمر الصراط، فنتذكر ما فيه من أحوال وأهوال، لعلنا نكون خِفافا غدا في عبوره.
- خوف الصالحين من الصراط
إن عباد الله الصالحين لتنتابهم صنوف الخوف إذا ذُكر الصراط، وكان بعضهم كلما ذكر آية الصراط بكى، فقد كان عبد الله بن رواحة واضعا رأسه في حجر امرأته، فبكى، فبكت امرأته، قال: ما يبكيك؟ قالت: رأيتك تبكي فبكيت، قال: إني ذكرت قول الله: {وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا}، فلا أدري أنجو منها، أم لا؟ [الطبري]
قال ابن كثير: "وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم في قوله: {وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا} قال: ورود المسلمين المرور على الجسر بين ظهرانيها، وورود المشركين أن يدخلوها".
- صفة الصراط
والصراط جسر مستقيم أسفله جهنم سوداء مدلهمة وبين جنباته خطاطيف وكلاليب كأمثال الأشواك تخطف العباد وتخدشهم، جاء في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ثم يؤتى بالجسر فيجعل بين ظهري جهنم، قلنا يا رسول الله: وما الجسر؟ قال مِدحضة مزلّة عليه خطاطيف وكلاليب وحسكة مفلطحة لها شوكة عقيفاء تكون بنجد يقال لها السعدان)، قال النووي: "والدحض والمزلة بمعنى واحد وهو الموضع الذي تزل فيه الأقدام ولا تستقر" [شرح مسلم]، وقال ابن بطال في (كلاليب): "جمع كلوب، وهو الذي يتناول به الحداد الحديد من النار، والخطاطيف جمع خطاف، والخطاف حديدة معوجة الطرف يجذب بها الأشياء". [شرح البخاري]
وجاء في صفته أيضا أنه أدقّ من الشعرة وأحدّ من السيف، قال أبو سعيد: "بلغني أن الجسر أدق من الشعرة وأحد من السيف". [مسلم]
فهل أعددت يا عبد الله ما يثبّتك على هذا الصراط؟! فلو أرّقك فكرك وأهمك طيلة حياتك لتعمل بما يخلّصك من تلك اللحظات ما كان ذلك كثيرا، فالنجاة النجاة.
- من يمر على الصراط؟
في عرصات القيامة بعد أن ينتهي الحساب يُساق الكافرون سوقا إلى النار مباشرة، فلا يمرون على الصراط، ففي الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ثم يؤتى بجهنم تعرض كأنها سراب، فيقال لليهود: ما كنتم تعبدون؟ قالوا: كنا نعبد عزير ابن الله، فيقال: كذبتم، لم يكن لله صاحبة ولا ولد، فما تريدون؟ قالوا: نريد أن تسقينا، فيقال: اشربوا، فيتساقطون في جهنم. ثم يقال للنصارى: ما كنتم تعبدون؟ فيقولون: كنا نعبد المسيح ابن الله، فيقال: كذبتم، لم يكن لله صاحبة ولا ولد، فما تريدون؟ فيقولون: نريد أن تسقينا، فيقال: اشربوا، فيتساقطون. حتى يبقى من كان يعبد الله، من بر أو فاجر).
- حال المنافقين على الصراط
قال الله تعالى: {يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُوراً فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ} [الحديد]، قال ابن كثير: "وقال الضحاك: ليس أحد إلا يعطى نورا يوم القيامة، فإذا انتهوا إلى الصراط طفئ نور المنافقين، فلما رأى ذلك المؤمنون أشفقوا أن يطفأ نورهم كما طفئ نور المنافقين فقالوا: ربنا أتمم لنا نورنا" [التفسير]، وقال القرطبي: "قال المفسرون: يعطي الله المؤمنين نورا يوم القيامة على قدر أعمالهم يمشون به على الصراط، ويعطي المنافقين أيضا نورا خديعة لهم، دليله قوله تعالى: {وَهُوَ خَادِعُهُمْ} وقيل: إنما يعطون النور، لأن جميعهم أهل دعوة دون الكافر، ثم يسلب المنافق نوره لنفاقه" [التفسير]
فذاك مآلهم وتلك ساعة هلاكهم، بعد أن تنطفئ أنوارهم يخادعون فيتساقطون في نار جهنم جميعا، ولا يبقى إلا الموحدون.
- أحوال المؤمنين على الصراط
أما عباد الله المؤمنون الموحدون الذين لم يشركوا بالله شيئا ولم يقعوا في الكفر، فإنهم على أحوال وبحسب أعمالهم في الدنيا، جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (المؤمن عليها كالطرف وكالبرق وكالريح وكأجاويد الخيل والركاب، فناج مسلَّم، وناج مخدوش ومكدوس في نار جهنم حتى يمر آخرهم يسحب سحبا) [متفق عليه].
قال النووي: "قوله صلى الله عليه وسلم: (فناج مسلم ومخدوش مرسل ومكدوس في نار جهنم) معناه: أنهم ثلاثة أقسام قسم يسلم فلا يناله شيء أصلا، وقسم يخدش ثم يرسل فيخلص، وقسم يكردس ويلقى فيسقط في جهنم" [شرح مسلم]، وقال عليه الصلاة والسلام: (فإنها مثل شوك السعدان، غير أنه لا يعلم ما قدر عظمها إلا الله، تخطف الناس بأعمالهم، فمنهم الموبق بعمله -أو الموثق بعمله-، ومنهم المخردل، أو المجازى…).
وأنوار الناس في الصراط بحسب أعمالهم أيضا، قال ابن كثير: في قوله تعالى: {يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ}، "يقول تعالى مخبرا عن المؤمنين المتصدقين أنهم يوم القيامة يسعى نورهم بين أيديهم في عرصات القيامة، بحسب أعمالهم كما قال عبد الله بن مسعود في قوله تعالى: (يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ) قال: على قدر أعمالهم يمرون على الصراط، منهم مَن نوره مثل الجبل، ومنهم مَن نوره مثل النخلة، ومنهم مَن نوره مثل الرجل القائم، وأدناهم نورا مَن نوره في إبهامه يتقد مرة ويطفأ مرة، ورواه ابن أبي حاتم وابن جرير" [التفسير]
وأول من يتجاوز الصراط نبينا محمد صلى الله عليه وسلم وأمته، قال عليه الصلاة والسلام: (فأكون أنا وأمتي أول من يجيز ولا يتكلم يومئذ إلا الرسل ودعوى الرسل يومئذ اللهم سلم سلم) [متفق عليه]
- كيف يهون عليك العبور؟
ومن سار على صراط الله المستقيم في الدنيا سهل عليه المرور على الصراط في الآخرة، ومن كان في الدنيا أسرع إلى تلبية نداء ربه في الصلاة والزكاة والجهاد وأبواب الخيرات فذلك في الصراط أسرع عبورا وأخف عليه، ومن تخلّف وتكاسل واتبع الشهوات عسُر عليه العبور، قال ابن القيم رحمه الله: "ومنها أن مشيهم على الصراط في السرعة والبطء بحسب سرعة سيرهم وبطئه على صراط الله المستقيم في الدنيا، فأسرعهم سيرا هنا أسرعهم هناك، وأبطؤهم هنا أبطؤهم هناك، وأشدهم ثباتا على الصراط المستقيم هنا أثبتهم هناك، ومن خطفته كلاليب الشهوات والشبهات والبدع المضلة هنا؛ خطفته الكلاليب التي كأنها شوك السعدان هناك، ويكون تأثير كلاليب الشهوات والشبهات والبدع فيه هاهنا فناج مسلّم ومخدوش مسلّم ومخردل أي مقطّع بالكلاليب مكردس في النار كما أثر فيهم تلك الكلاليب في الدنيا جزاء وفاقا وما ربك بظلام للعبيد" [اجتماع الجيوش].
والورع وترك السفاسف والفضول مما يسهل السير على الصراط غدا، قال ابن قدامة: "والتحقيق فيه أن الورع له أول وغاية، وبينهما درجات في الاحتياط، فكلما كان الإنسان أشد تشديدا، كان أسرع جوازا على الصراط، وأخف ظهرا، وتتفاوت المنازل في الآخرة بحسب تفاوت هذه الدرجات في الورع" [مختصر منهاج القاصدين]
فطوبى لمن كان في الخير سبّاقا وللفضائل آخذا، وللمعالي أهلاً، نسأل الله أن يجعلنا منهم. والحمد لله رب العالمين.
● المصدر:
صحيفة النبأ – العدد 363
السنة الرابعة عشرة - الخميس 9 ربيع الآخر 1444 هـ
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على إمام المتقين وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وبعد.
فإن في القيامة أهوالا وأهوالا، ما ينتهي هول إلا وبعده ما هو أشد منه، حتى يصير حال العبد إلى مثواه في الجنة أو النار، وما أمِن تقيٌّ على نفسه قبل دخول الجنة، ولا ركَنَ إلى عمله مَن عرف عظيم الخطب، كفى بعرصاتها وطول وقوفها قارعة، وكفى بحرّ الشمس ودنوِّها غُمة، يوم الحسرة والتغابن يوم التناد والفرار، فزعٌ أكبر وأمرٌ عصيب لو لم تكن لهم أجساد لا تفنى لذابت من أهوالها وزلزالها.
وقد ذكر لنا ربنا في كتابه العزيز أوصاف ذلك اليوم وأحوال الناس فيه، وفي السنة ما فيه تفصيل لدقائق تلك الأحوال، فالناس بين وقوف طويل، وحساب عسير، وتطاير للصحف، وصراط ممدود على متن جهنم، ومعرفة كل ذلك من الإيمان باليوم الآخر، وسنتناول في مقالنا هذا أمر الصراط، فنتذكر ما فيه من أحوال وأهوال، لعلنا نكون خِفافا غدا في عبوره.
- خوف الصالحين من الصراط
إن عباد الله الصالحين لتنتابهم صنوف الخوف إذا ذُكر الصراط، وكان بعضهم كلما ذكر آية الصراط بكى، فقد كان عبد الله بن رواحة واضعا رأسه في حجر امرأته، فبكى، فبكت امرأته، قال: ما يبكيك؟ قالت: رأيتك تبكي فبكيت، قال: إني ذكرت قول الله: {وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا}، فلا أدري أنجو منها، أم لا؟ [الطبري]
قال ابن كثير: "وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم في قوله: {وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا} قال: ورود المسلمين المرور على الجسر بين ظهرانيها، وورود المشركين أن يدخلوها".
- صفة الصراط
والصراط جسر مستقيم أسفله جهنم سوداء مدلهمة وبين جنباته خطاطيف وكلاليب كأمثال الأشواك تخطف العباد وتخدشهم، جاء في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ثم يؤتى بالجسر فيجعل بين ظهري جهنم، قلنا يا رسول الله: وما الجسر؟ قال مِدحضة مزلّة عليه خطاطيف وكلاليب وحسكة مفلطحة لها شوكة عقيفاء تكون بنجد يقال لها السعدان)، قال النووي: "والدحض والمزلة بمعنى واحد وهو الموضع الذي تزل فيه الأقدام ولا تستقر" [شرح مسلم]، وقال ابن بطال في (كلاليب): "جمع كلوب، وهو الذي يتناول به الحداد الحديد من النار، والخطاطيف جمع خطاف، والخطاف حديدة معوجة الطرف يجذب بها الأشياء". [شرح البخاري]
وجاء في صفته أيضا أنه أدقّ من الشعرة وأحدّ من السيف، قال أبو سعيد: "بلغني أن الجسر أدق من الشعرة وأحد من السيف". [مسلم]
فهل أعددت يا عبد الله ما يثبّتك على هذا الصراط؟! فلو أرّقك فكرك وأهمك طيلة حياتك لتعمل بما يخلّصك من تلك اللحظات ما كان ذلك كثيرا، فالنجاة النجاة.
- من يمر على الصراط؟
في عرصات القيامة بعد أن ينتهي الحساب يُساق الكافرون سوقا إلى النار مباشرة، فلا يمرون على الصراط، ففي الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ثم يؤتى بجهنم تعرض كأنها سراب، فيقال لليهود: ما كنتم تعبدون؟ قالوا: كنا نعبد عزير ابن الله، فيقال: كذبتم، لم يكن لله صاحبة ولا ولد، فما تريدون؟ قالوا: نريد أن تسقينا، فيقال: اشربوا، فيتساقطون في جهنم. ثم يقال للنصارى: ما كنتم تعبدون؟ فيقولون: كنا نعبد المسيح ابن الله، فيقال: كذبتم، لم يكن لله صاحبة ولا ولد، فما تريدون؟ فيقولون: نريد أن تسقينا، فيقال: اشربوا، فيتساقطون. حتى يبقى من كان يعبد الله، من بر أو فاجر).
- حال المنافقين على الصراط
قال الله تعالى: {يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُوراً فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ} [الحديد]، قال ابن كثير: "وقال الضحاك: ليس أحد إلا يعطى نورا يوم القيامة، فإذا انتهوا إلى الصراط طفئ نور المنافقين، فلما رأى ذلك المؤمنون أشفقوا أن يطفأ نورهم كما طفئ نور المنافقين فقالوا: ربنا أتمم لنا نورنا" [التفسير]، وقال القرطبي: "قال المفسرون: يعطي الله المؤمنين نورا يوم القيامة على قدر أعمالهم يمشون به على الصراط، ويعطي المنافقين أيضا نورا خديعة لهم، دليله قوله تعالى: {وَهُوَ خَادِعُهُمْ} وقيل: إنما يعطون النور، لأن جميعهم أهل دعوة دون الكافر، ثم يسلب المنافق نوره لنفاقه" [التفسير]
فذاك مآلهم وتلك ساعة هلاكهم، بعد أن تنطفئ أنوارهم يخادعون فيتساقطون في نار جهنم جميعا، ولا يبقى إلا الموحدون.
- أحوال المؤمنين على الصراط
أما عباد الله المؤمنون الموحدون الذين لم يشركوا بالله شيئا ولم يقعوا في الكفر، فإنهم على أحوال وبحسب أعمالهم في الدنيا، جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (المؤمن عليها كالطرف وكالبرق وكالريح وكأجاويد الخيل والركاب، فناج مسلَّم، وناج مخدوش ومكدوس في نار جهنم حتى يمر آخرهم يسحب سحبا) [متفق عليه].
قال النووي: "قوله صلى الله عليه وسلم: (فناج مسلم ومخدوش مرسل ومكدوس في نار جهنم) معناه: أنهم ثلاثة أقسام قسم يسلم فلا يناله شيء أصلا، وقسم يخدش ثم يرسل فيخلص، وقسم يكردس ويلقى فيسقط في جهنم" [شرح مسلم]، وقال عليه الصلاة والسلام: (فإنها مثل شوك السعدان، غير أنه لا يعلم ما قدر عظمها إلا الله، تخطف الناس بأعمالهم، فمنهم الموبق بعمله -أو الموثق بعمله-، ومنهم المخردل، أو المجازى…).
وأنوار الناس في الصراط بحسب أعمالهم أيضا، قال ابن كثير: في قوله تعالى: {يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ}، "يقول تعالى مخبرا عن المؤمنين المتصدقين أنهم يوم القيامة يسعى نورهم بين أيديهم في عرصات القيامة، بحسب أعمالهم كما قال عبد الله بن مسعود في قوله تعالى: (يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ) قال: على قدر أعمالهم يمرون على الصراط، منهم مَن نوره مثل الجبل، ومنهم مَن نوره مثل النخلة، ومنهم مَن نوره مثل الرجل القائم، وأدناهم نورا مَن نوره في إبهامه يتقد مرة ويطفأ مرة، ورواه ابن أبي حاتم وابن جرير" [التفسير]
وأول من يتجاوز الصراط نبينا محمد صلى الله عليه وسلم وأمته، قال عليه الصلاة والسلام: (فأكون أنا وأمتي أول من يجيز ولا يتكلم يومئذ إلا الرسل ودعوى الرسل يومئذ اللهم سلم سلم) [متفق عليه]
- كيف يهون عليك العبور؟
ومن سار على صراط الله المستقيم في الدنيا سهل عليه المرور على الصراط في الآخرة، ومن كان في الدنيا أسرع إلى تلبية نداء ربه في الصلاة والزكاة والجهاد وأبواب الخيرات فذلك في الصراط أسرع عبورا وأخف عليه، ومن تخلّف وتكاسل واتبع الشهوات عسُر عليه العبور، قال ابن القيم رحمه الله: "ومنها أن مشيهم على الصراط في السرعة والبطء بحسب سرعة سيرهم وبطئه على صراط الله المستقيم في الدنيا، فأسرعهم سيرا هنا أسرعهم هناك، وأبطؤهم هنا أبطؤهم هناك، وأشدهم ثباتا على الصراط المستقيم هنا أثبتهم هناك، ومن خطفته كلاليب الشهوات والشبهات والبدع المضلة هنا؛ خطفته الكلاليب التي كأنها شوك السعدان هناك، ويكون تأثير كلاليب الشهوات والشبهات والبدع فيه هاهنا فناج مسلّم ومخدوش مسلّم ومخردل أي مقطّع بالكلاليب مكردس في النار كما أثر فيهم تلك الكلاليب في الدنيا جزاء وفاقا وما ربك بظلام للعبيد" [اجتماع الجيوش].
والورع وترك السفاسف والفضول مما يسهل السير على الصراط غدا، قال ابن قدامة: "والتحقيق فيه أن الورع له أول وغاية، وبينهما درجات في الاحتياط، فكلما كان الإنسان أشد تشديدا، كان أسرع جوازا على الصراط، وأخف ظهرا، وتتفاوت المنازل في الآخرة بحسب تفاوت هذه الدرجات في الورع" [مختصر منهاج القاصدين]
فطوبى لمن كان في الخير سبّاقا وللفضائل آخذا، وللمعالي أهلاً، نسأل الله أن يجعلنا منهم. والحمد لله رب العالمين.
● المصدر:
صحيفة النبأ – العدد 363
السنة الرابعة عشرة - الخميس 9 ربيع الآخر 1444 هـ
