مقال: تطاير الصحف موقف رهيب، يرى العبد فيه الصحف تتطاير فوق رؤوس العباد، وينتظر أن تصله صحيفة ...
مقال: تطاير الصحف
موقف رهيب، يرى العبد فيه الصحف تتطاير فوق رؤوس العباد، وينتظر أن تصله صحيفة عمله، التي لا تغادر صغيرة ولا كبيرة، كلها مكتوبة بتفاصيلها، ويترقب خائفا: أيستلمها بيمينه فيسعد، أم من وراء ظهره فيشقى؟ أيّ انتظار أصعب من هذا الانتظار؟ أيّ وجل فوق هذا الوجل؟ نحاول -في هذا المقال- أن نتذكر هذا الموقف العصيب، ونتمعن في وصف آيات القرآن العظيم له، ونسأل الله أن يرحمنا برحمته وينجينا من أهوال يوم الحساب.
• ما هي الصحف؟
الصحف هي السجلات التي يكتب فيها الملائكة الكرام الكاتبون كل ما نفعله في هذه الدنيا، قال الله تعالى: {وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ * كِرَامًا كَاتِبِينَ * يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ} [الانفطار]، قال الطبري: "يقول: يعلم هؤلاء الحافظون ما تفعلون من خير أو شرّ، يحصون ذلك عليكم" [التفسير]؛ فكل فعل نفعله من خير أو شر مسجل علينا في صحيفة أعمالنا، يسجله ملكان عن يميننا وشمالنا، قال ربنا سبحانه: {إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ} [ق]، فلا قول ولا فعل، لا حركة ولا سكنة، إلا وهي مرصودة مكتوبة: {مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ} [ق]، ثم تختم هذه الصحيفة عندما ينتهي أجلنا، وتحفظ علينا لنواجهها في ذلك الموقف العصيب، موقف تطاير الصحف.
قال الحسن البصري -رحمه الله-: "وتلا هذه الآية: {عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ} يابن آدم، بُسطتْ لك صحيفة، ووُكل بك ملكان كريمان أحدُهما عن يمينك، والآخر عن شمالك، فأما الذي عن يمينك فيحفظ حسناتك، وأما الذي عن يسارك فيحفظ سيئاتك، فاعمل ما شئت، أقلل أو أكثر، حتى إذا متّ طُويت صحيفتُك، وجُعلت في عنقِك معك في قبرك، حتى تخرج يوم القيامة، فعند ذلك يقول: {وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنشُورًا * اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَىٰ بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا} [الإسراء]، ثم يقول: عدل -والله- فيك من جعلك حسيب نفسك" [تفسير ابن كثير].
فينبغي للعبد أن يتأمل هذا دوما ويتذكره، ويتذكر أن أعماله تحصى عليه كلها، وأنها ستعرض عليه يوم الحساب، فلا يثبت فيها إلا ما يحب أن يراه يومها، نسأل الله الكريم أن يعيننا على طاعته واجتناب معاصيه.
• تطاير الصحف واستلامها
بعد أن تطوى صحيفة العبد بانتهاء أجله في هذه الحياة الدنيا، ستُنشر له مرة أخرى يوم القيامة، ليجد ما عملت نفسه من خير أو شر محضرا أمام عينيه، قال تعالى: {وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ} [التكوير]، قال القرطبي: "أي فُتحت بعد أن كانت مطوية، والمراد صحف الأعمال التي كتبت الملائكة فيها ما فعل أهلُها من خير وشر، تُطوى بالموت، وتُنشر في يوم القيامة، فيقف كلّ إنسان على صحيفته، فيعلم ما فيها" [التفسير]، ويقف الناس في ساحة المحشر، تتطاير صحف أعمالهم فوق رؤوسهم، ويترقّب كلّ عبد صحيفتَه، في مشهد مرعب وصفته آيات الله الكريم: {فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ * فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا * وَيَنقَلِبُ إِلَىٰ أَهْلِهِ مَسْرُورًا * وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ * فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا * وَيَصْلَىٰ سَعِيرًا * إِنَّهُ كَانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُورًا * إِنَّهُ ظَنَّ أَن لَّن يَحُورَ * بَلَىٰ إِنَّ رَبَّهُ كَانَ بِهِ بَصِيرًا} [الانشقاق]، فالناس في هذا الموقف بين آخذٍ كتابَه بيمينه، وهذا سيحاسبه الله حسابا يسيرا، يتجاوز عنه فلا يُحقّق عليه كلّ دقائق أعماله، ثم يذهب إلى أهله في الجنة مسرورا برضى الله عنه وتجاوزه عن خطيئاته، وبين آخذٍ كتابَه بشماله أو من وراء ظهره، فهذا الذي سيصيح بالهلاك والثبور والويل، حين لا ينفعه صياحه هذا بشيء! فهو سيصلى بأعماله التي يراها في صحيفته نارَ جهنم؛ ذلك أنه عندما كان في الحياة الدنيا، بقي مسرورا بين أهله بملذات الدنيا، ولم يحسب لهذا الموقف حسابه، وظنّ أنه لن يرجع إلى ربه ليحاسبه على أعماله، فيندم يوم لا ينفع الندم، وهذا والله هو موقف الحسرة والندامة، نسأل الله السلامة والعافية.
• اقرأ كتابك!
ولمّا يستلم العبد صحيفة أعماله سيقرؤها بنفسه، سواء كان أمّيّاً أم قارئا، وسيقرّ بما جاء فيها من أعماله المحصاة عليه، قال تعالى: {وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنشُورًا * اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَىٰ بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا} [الإسراء]، قال ابن كثير: "طائره: هو ما طار عنه من عملِه، كما قال ابنُ عباس ومجاهد وغير واحد: من خير وشر، يُلزم به ويُجازى عليه، إنما ذكر العنق؛ لأنه عضو لا نظير له في الجسد، ومن ألزم بشيء فيه فلا محيد له عنه..{وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنشُورًا} أي: نجمع له عمله كله في كتاب يعطاه يوم القيامة، إما بيمينه إن كان سعيدا، أو بشماله إن كان شقيا، {مَنشُورًا} أي: مفتوحا يقرؤه هو وغيره، فيه جميع عمله من أول عمره إلى آخره..{اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَىٰ بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا} أي: إنك تعلم أنك لم تُظلم ولم يُكتب عليك غير ما عملت؛ لأنك ذكرت جميع ما كان منك، ولا ينسى أحد شيئا مما كان منه، وكلّ أحد يقرأ كتابه من كاتبٍ وأمّي" [التفسير].
وحينئذٍ، سيُصدم المجرمون، حين يرون كل أعمالهم السيئة التي عملوها مكتوبة في صحائف أعمالهم،فيقرؤونها وهم خائفون مشفقون من عاقبتها، ووصف الله تعالى حالهم هذا فقال سبحانه: {وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا} [الكهف]، قال ابن كثير: "قوله: {وَوُضِعَ الْكِتَابُ} أي: كتاب الأعمال، الذي فيه الجليل والحقير، والفتيل والقطمير، والصغير والكبير، {فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ} أي: من أعمالهم السيئة وأفعالهم القبيحة، {ويقولون ياويلتنا} أي: يا حسرتنا وويلنا على ما فرطنا في أعمارنا، {مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا} أي: لا يترك ذنبا صغيرا ولا كبيرا ولا عملا وإن صغر {إِلَّا أَحْصَاهَا} أي: ضبطها وحفظها".
فعلى من حرص على سلامته في الآخرة ألا يحقر صغيرة من السيئات ويتهاون في ارتكابها، فكل شيء مكتوب، صغيره وكبيره، وسيراه أمامه يوم العرض على الله تعالى، فلْيحسب لذلك حسابا.
• ثم ماذا؟
ثم بعد استلام الصحف وقراءتها والإقرار بما فيها أمام الله جل وعلا، سيعرف كلّ إنسان مصيره، قال ربنا سبحانه: {يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَىٰ مِنكُمْ خَافِيَةٌ * فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ * إِنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلَٰقٍ حِسَابِيَه * فَهُوَ فِي عِيشَةٖ رَّاضِيَةٖ * فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٖ * قُطُوفُهَا دَانِيَة * كُلُواْ وَٱشرَبُواْ هَنِيٓـَٔا بِمَآ أَسلَفتُم فِي ٱلأَيَّامِ ٱلخَالِيَةِ * وَأَمَّا مَن أُوتِيَ كِتَٰبَهُ بِشِمَالِه فَيَقُولُ يَٰلَيتَنِي لَم أُوتَ كِتَٰبِيَه * وَلَم أَدرِ مَا حِسَابِيَه * يَٰلَيتَهَا كَانَتِ ٱلقَاضِيَةَ * مَآ أَغنَىٰ عَنِّي مَالِيَه * هَلَكَ عَنِّي سُلطَٰنِيَه} [الحاقة]، وهكذا ينقسم الناس يوم يعرضون على الله تعالى لفريقين، فمن أخذ كتابه بيمينه وفاز، وبدل الله سيئاته حسنات، صار كتابه مليئا بما يفرح به، إلى الحد الذي يدعو فيه كل الخلائق لقراءته؛ ذلك أنه كان يعلم علم اليقين أنه سيلاقي يوم حسابه هذا؛ فاستعد له في أيام الدنيا الخالية بما ينجيه من سوء العاقبة، ليدخله الله برحمته في جنته العالية، ذات القطوف الدانية، وعلى النقيض منه، يستلم فريق من الناس كتبهم بشمائلهم، وحينها يرون حقيقة ما صاروا إليه من الخسران، فيقول قائلهم: يا ليتني لم أستلم كتابي ولم أعرف ما فيه من هذه الأعمال الطالحة، وما سيؤول أمري من الحساب العسير، ويتمنى لو أنه لم يبعث للحساب وكانت موتته الأولى هي القاضية على حياته، فيومها لا يغني عنه ماله ولا ولده، ولا تنفعه حجة ولا اعتذار، نسأل الله أن يسلمنا في هذا الموقف الرهيب، وأن يؤتينا صحائفنا بأيماننا، ويسترنا يوم العرض عليه، ويبدل سيئاتنا حسنات.
• حتى لا نُؤتى صحائفَنا بشمائلنا
وحتى لا نؤتى صحائفنا بشمائلنا؛ علينا أن نستشعر أنّ اللهَ مطلع على حالنا، لا يخفى عليه شيء من أمرنا، وأن نوقن أننا سنعرض عليه يوم الحساب، فنستعد لذلك العرض بالأعمال الصالحة، روى الإمام مسلم عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فيما روى عن اللهِ تبارك وتعالى أنه قال: (يا عبادي، إنما هي أعمالُكم أحصيها لكم ثم أوفيكم إياها، فمن وجد خيرا فليحمد الله، ومن وجَد غيرَ ذلك فلا يلومنَّ إلا نفسَه)، وينبغي أن نضع في حساباتنا أننا إن عملنا السيئات ونسيناها فإن الله تعالى لا ينسى، بل يثبت في صحائف الأعمال كل عمل، قال سبحانه: {يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوا أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ وَاللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ} [المجادلة]، قال القرطبي: "أي: الرجال والنساء، يبعثهم من قبورهم في حالة واحدة {فينبئهم} أي: يخبرهم بما عملوا في الدنيا أحصاه الله عليهم في صحائف أعمالهم ونسوه هم حتى ذكرهم به في صحائفهم ليكون أبلغ في الحجة عليهم، والله على كل شيء شهيد مطلع وناظر لا يخفى عليه شيء" [التفسير].
كذلك علينا أيضا ألا نغترّ بما نقدّم من الأعمال الصالحة في هذه الدنيا، فما ندري هل يتقبلها الله فتكتب في صحيفة أعمالنا أم لا، وتأمل حال محمد بن المنكدر -رحمه الله- فإنه ذات ليلة كان قائما يصلي "إذ استبكى وكثر بكاؤه حتى فزع أهله وسألوه: ما الذي أبكاه؟ فاستعجم عليهم وتمادى في البكاء فأرسلوا إلى أبي حازم فأخبروه بأمره فجاء أبو حازم إليه فإذا هو يبكي، قال: يا أخي ما الذي أبكاك؟ قد رُعت أهلك! أفمن علة أم ما بك؟ فقال: إنه مرت بي آية في كتاب الله عز وجل، قال: وما هي؟ قال: قول الله تعالى {وَبَدَا لَهُم مِّنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ} فبكى أبو حازم أيضًا معه، واشتد بكاؤهما فقال بعض أهله لأبي حازم: جئنا بك لتفرج عنه فزدته! فأخبرهم ما الذي أبكاهما" [حلية الأولياء].
• خوف السلف
لقد كان السلف الصالح، مع كثرة عبادتهم وقلة معاصيهم، يخافون من عذاب الله خوفا عظيما، بل كان الصحابة -رضوان الله عليهم- يخافون يوم الحساب أشد الخوف، قال ابن القيم: "ومن تأمل أحوال الصحابة -رضي الله عنهم- وجدهم في غاية العمل مع غاية الخوف، ونحن جميعا بين التقصير، بل التفريط والأمن، فهذا الصديق -رضي الله عنه- يقول: وددت أني شعرة في جنب عبد مؤمن، ذكره أحمد عنه، وذكر عنه أيضا أنه كان يمسك بلسانه ويقول: هذا الذي أوردني الموارد!، وكان يبكي كثيرا، ويقول: ابكوا، فإن لم تبكوا فتباكوا، وكان إذا قام إلى الصلاة كأنه عود من خشية الله عز وجل.. وهذا عمر بن الخطاب قرأ سورة الطور إلى أن بلغ: {إنَّ عذابَ ربِّك لواقع} فبكى واشتد بكاؤه حتى مرض وعادوه، وقال لابنه وهو في الموت: ويحك ضع خدي على الأرض عساه أن يرحمني، ثم قال: ويل أمي، إن لم يغفر لي (ثلاثا)، ثم قُضي، وكان يمر بالآية في ورده بالليل فتخيفه، فيبقى في البيت أياما يُعاد، يحسبونه مريضا، وكان في وجهه -رضي الله عنه- خطان أسودان من البكاء.. وهذا عثمان بن عفان -رضي الله عنه- كان إذا وقف على القبر يبكي حتى تبل لحيته، وقال: لو أنني بين الجنة والنار لا أدري إلى أيتهما يؤمر بي، لاخترت أن أكون رمادا قبل أن أعلم إلى أيتهما أصير، وهذا علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- وبكاؤه وخوفه، وكان يشتد خوفه من اثنتين: طول الأمل، واتباع الهوى، قال: "فأما طول الأمل فينسي الآخرة، وأما اتباع الهوى فيصد عن الحق، ألا وإن الدنيا قد ولت مدبرة، والآخرة مقبلة، ولكل واحدة بنون، فكونوا من أبناء الآخرة، ولا تكونوا من أبناء الدنيا، فإن اليوم عمل ولا حساب، وغدا حساب ولا عمل..." [الجواب الكافي]، وهكذا كان حال مَن بعدهم من الصالحين، قال بشر بن منصور -رحمه الله-: "كنت أوقد بين يدي عطاء العبدي -وهو من التابعين- في غداة باردة، فقلت له: يا عطاء، يسرّك الساعة لو أنك أمرت أن تلقي نفسك في هذه النار لا تبعث إلى الحساب؟ فقال: إي ورب الكعبة، ثم قال: والله مع ذلك لو أمرت بذلك لخشيت أن تخرج نفسي فرحاً، قبل أن تصل إليها" وقال عنه نعيم بن مورع -رحمه الله-: "أتينا عطاء السليمي وكان عابدا فدخلنا عليه فجعل يقول: "ويلٌ لعطاء! ليت عطاء لم تلدْه أمّه"، فلم يزل كذلك حتى اصفرّت الشمس، فذكرنا بعدُ منازلنا فقمنا وتركناه، وكان يقول في دعائه: "اللهمّ ارحم غربتي في الدنيا، وارحم مصرعي عند الموت، وارحم وحدتي في قبري، وارحم قيامي بين يديك" [سير أعلام النبلاء]، قال إبراهيم التيمي -رحمه الله-: "شيئان قطعا عني لذة الدنيا: ذكرُ الموت وذكر الموقف بين يدي الله تعالى" [التذكرة للقرطبي]، ومثل هذا عن السلف كثير جدا.
نسأل الله الكريم أن يرحمنا برحمته، ويتجاوز عن تقصيرنا، ويؤتينا صحائف أعمالنا بأيماننا، ولا يخزينا يوم يبعثون.
● المصدر:
صحيفة النبأ – العدد 367
السنة الرابعة عشرة - الخميس 7 جمادى الأولى 1444 هـ
موقف رهيب، يرى العبد فيه الصحف تتطاير فوق رؤوس العباد، وينتظر أن تصله صحيفة عمله، التي لا تغادر صغيرة ولا كبيرة، كلها مكتوبة بتفاصيلها، ويترقب خائفا: أيستلمها بيمينه فيسعد، أم من وراء ظهره فيشقى؟ أيّ انتظار أصعب من هذا الانتظار؟ أيّ وجل فوق هذا الوجل؟ نحاول -في هذا المقال- أن نتذكر هذا الموقف العصيب، ونتمعن في وصف آيات القرآن العظيم له، ونسأل الله أن يرحمنا برحمته وينجينا من أهوال يوم الحساب.
• ما هي الصحف؟
الصحف هي السجلات التي يكتب فيها الملائكة الكرام الكاتبون كل ما نفعله في هذه الدنيا، قال الله تعالى: {وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ * كِرَامًا كَاتِبِينَ * يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ} [الانفطار]، قال الطبري: "يقول: يعلم هؤلاء الحافظون ما تفعلون من خير أو شرّ، يحصون ذلك عليكم" [التفسير]؛ فكل فعل نفعله من خير أو شر مسجل علينا في صحيفة أعمالنا، يسجله ملكان عن يميننا وشمالنا، قال ربنا سبحانه: {إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ} [ق]، فلا قول ولا فعل، لا حركة ولا سكنة، إلا وهي مرصودة مكتوبة: {مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ} [ق]، ثم تختم هذه الصحيفة عندما ينتهي أجلنا، وتحفظ علينا لنواجهها في ذلك الموقف العصيب، موقف تطاير الصحف.
قال الحسن البصري -رحمه الله-: "وتلا هذه الآية: {عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ} يابن آدم، بُسطتْ لك صحيفة، ووُكل بك ملكان كريمان أحدُهما عن يمينك، والآخر عن شمالك، فأما الذي عن يمينك فيحفظ حسناتك، وأما الذي عن يسارك فيحفظ سيئاتك، فاعمل ما شئت، أقلل أو أكثر، حتى إذا متّ طُويت صحيفتُك، وجُعلت في عنقِك معك في قبرك، حتى تخرج يوم القيامة، فعند ذلك يقول: {وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنشُورًا * اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَىٰ بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا} [الإسراء]، ثم يقول: عدل -والله- فيك من جعلك حسيب نفسك" [تفسير ابن كثير].
فينبغي للعبد أن يتأمل هذا دوما ويتذكره، ويتذكر أن أعماله تحصى عليه كلها، وأنها ستعرض عليه يوم الحساب، فلا يثبت فيها إلا ما يحب أن يراه يومها، نسأل الله الكريم أن يعيننا على طاعته واجتناب معاصيه.
• تطاير الصحف واستلامها
بعد أن تطوى صحيفة العبد بانتهاء أجله في هذه الحياة الدنيا، ستُنشر له مرة أخرى يوم القيامة، ليجد ما عملت نفسه من خير أو شر محضرا أمام عينيه، قال تعالى: {وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ} [التكوير]، قال القرطبي: "أي فُتحت بعد أن كانت مطوية، والمراد صحف الأعمال التي كتبت الملائكة فيها ما فعل أهلُها من خير وشر، تُطوى بالموت، وتُنشر في يوم القيامة، فيقف كلّ إنسان على صحيفته، فيعلم ما فيها" [التفسير]، ويقف الناس في ساحة المحشر، تتطاير صحف أعمالهم فوق رؤوسهم، ويترقّب كلّ عبد صحيفتَه، في مشهد مرعب وصفته آيات الله الكريم: {فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ * فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا * وَيَنقَلِبُ إِلَىٰ أَهْلِهِ مَسْرُورًا * وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ * فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا * وَيَصْلَىٰ سَعِيرًا * إِنَّهُ كَانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُورًا * إِنَّهُ ظَنَّ أَن لَّن يَحُورَ * بَلَىٰ إِنَّ رَبَّهُ كَانَ بِهِ بَصِيرًا} [الانشقاق]، فالناس في هذا الموقف بين آخذٍ كتابَه بيمينه، وهذا سيحاسبه الله حسابا يسيرا، يتجاوز عنه فلا يُحقّق عليه كلّ دقائق أعماله، ثم يذهب إلى أهله في الجنة مسرورا برضى الله عنه وتجاوزه عن خطيئاته، وبين آخذٍ كتابَه بشماله أو من وراء ظهره، فهذا الذي سيصيح بالهلاك والثبور والويل، حين لا ينفعه صياحه هذا بشيء! فهو سيصلى بأعماله التي يراها في صحيفته نارَ جهنم؛ ذلك أنه عندما كان في الحياة الدنيا، بقي مسرورا بين أهله بملذات الدنيا، ولم يحسب لهذا الموقف حسابه، وظنّ أنه لن يرجع إلى ربه ليحاسبه على أعماله، فيندم يوم لا ينفع الندم، وهذا والله هو موقف الحسرة والندامة، نسأل الله السلامة والعافية.
• اقرأ كتابك!
ولمّا يستلم العبد صحيفة أعماله سيقرؤها بنفسه، سواء كان أمّيّاً أم قارئا، وسيقرّ بما جاء فيها من أعماله المحصاة عليه، قال تعالى: {وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنشُورًا * اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَىٰ بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا} [الإسراء]، قال ابن كثير: "طائره: هو ما طار عنه من عملِه، كما قال ابنُ عباس ومجاهد وغير واحد: من خير وشر، يُلزم به ويُجازى عليه، إنما ذكر العنق؛ لأنه عضو لا نظير له في الجسد، ومن ألزم بشيء فيه فلا محيد له عنه..{وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنشُورًا} أي: نجمع له عمله كله في كتاب يعطاه يوم القيامة، إما بيمينه إن كان سعيدا، أو بشماله إن كان شقيا، {مَنشُورًا} أي: مفتوحا يقرؤه هو وغيره، فيه جميع عمله من أول عمره إلى آخره..{اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَىٰ بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا} أي: إنك تعلم أنك لم تُظلم ولم يُكتب عليك غير ما عملت؛ لأنك ذكرت جميع ما كان منك، ولا ينسى أحد شيئا مما كان منه، وكلّ أحد يقرأ كتابه من كاتبٍ وأمّي" [التفسير].
وحينئذٍ، سيُصدم المجرمون، حين يرون كل أعمالهم السيئة التي عملوها مكتوبة في صحائف أعمالهم،فيقرؤونها وهم خائفون مشفقون من عاقبتها، ووصف الله تعالى حالهم هذا فقال سبحانه: {وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا} [الكهف]، قال ابن كثير: "قوله: {وَوُضِعَ الْكِتَابُ} أي: كتاب الأعمال، الذي فيه الجليل والحقير، والفتيل والقطمير، والصغير والكبير، {فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ} أي: من أعمالهم السيئة وأفعالهم القبيحة، {ويقولون ياويلتنا} أي: يا حسرتنا وويلنا على ما فرطنا في أعمارنا، {مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا} أي: لا يترك ذنبا صغيرا ولا كبيرا ولا عملا وإن صغر {إِلَّا أَحْصَاهَا} أي: ضبطها وحفظها".
فعلى من حرص على سلامته في الآخرة ألا يحقر صغيرة من السيئات ويتهاون في ارتكابها، فكل شيء مكتوب، صغيره وكبيره، وسيراه أمامه يوم العرض على الله تعالى، فلْيحسب لذلك حسابا.
• ثم ماذا؟
ثم بعد استلام الصحف وقراءتها والإقرار بما فيها أمام الله جل وعلا، سيعرف كلّ إنسان مصيره، قال ربنا سبحانه: {يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَىٰ مِنكُمْ خَافِيَةٌ * فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ * إِنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلَٰقٍ حِسَابِيَه * فَهُوَ فِي عِيشَةٖ رَّاضِيَةٖ * فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٖ * قُطُوفُهَا دَانِيَة * كُلُواْ وَٱشرَبُواْ هَنِيٓـَٔا بِمَآ أَسلَفتُم فِي ٱلأَيَّامِ ٱلخَالِيَةِ * وَأَمَّا مَن أُوتِيَ كِتَٰبَهُ بِشِمَالِه فَيَقُولُ يَٰلَيتَنِي لَم أُوتَ كِتَٰبِيَه * وَلَم أَدرِ مَا حِسَابِيَه * يَٰلَيتَهَا كَانَتِ ٱلقَاضِيَةَ * مَآ أَغنَىٰ عَنِّي مَالِيَه * هَلَكَ عَنِّي سُلطَٰنِيَه} [الحاقة]، وهكذا ينقسم الناس يوم يعرضون على الله تعالى لفريقين، فمن أخذ كتابه بيمينه وفاز، وبدل الله سيئاته حسنات، صار كتابه مليئا بما يفرح به، إلى الحد الذي يدعو فيه كل الخلائق لقراءته؛ ذلك أنه كان يعلم علم اليقين أنه سيلاقي يوم حسابه هذا؛ فاستعد له في أيام الدنيا الخالية بما ينجيه من سوء العاقبة، ليدخله الله برحمته في جنته العالية، ذات القطوف الدانية، وعلى النقيض منه، يستلم فريق من الناس كتبهم بشمائلهم، وحينها يرون حقيقة ما صاروا إليه من الخسران، فيقول قائلهم: يا ليتني لم أستلم كتابي ولم أعرف ما فيه من هذه الأعمال الطالحة، وما سيؤول أمري من الحساب العسير، ويتمنى لو أنه لم يبعث للحساب وكانت موتته الأولى هي القاضية على حياته، فيومها لا يغني عنه ماله ولا ولده، ولا تنفعه حجة ولا اعتذار، نسأل الله أن يسلمنا في هذا الموقف الرهيب، وأن يؤتينا صحائفنا بأيماننا، ويسترنا يوم العرض عليه، ويبدل سيئاتنا حسنات.
• حتى لا نُؤتى صحائفَنا بشمائلنا
وحتى لا نؤتى صحائفنا بشمائلنا؛ علينا أن نستشعر أنّ اللهَ مطلع على حالنا، لا يخفى عليه شيء من أمرنا، وأن نوقن أننا سنعرض عليه يوم الحساب، فنستعد لذلك العرض بالأعمال الصالحة، روى الإمام مسلم عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فيما روى عن اللهِ تبارك وتعالى أنه قال: (يا عبادي، إنما هي أعمالُكم أحصيها لكم ثم أوفيكم إياها، فمن وجد خيرا فليحمد الله، ومن وجَد غيرَ ذلك فلا يلومنَّ إلا نفسَه)، وينبغي أن نضع في حساباتنا أننا إن عملنا السيئات ونسيناها فإن الله تعالى لا ينسى، بل يثبت في صحائف الأعمال كل عمل، قال سبحانه: {يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوا أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ وَاللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ} [المجادلة]، قال القرطبي: "أي: الرجال والنساء، يبعثهم من قبورهم في حالة واحدة {فينبئهم} أي: يخبرهم بما عملوا في الدنيا أحصاه الله عليهم في صحائف أعمالهم ونسوه هم حتى ذكرهم به في صحائفهم ليكون أبلغ في الحجة عليهم، والله على كل شيء شهيد مطلع وناظر لا يخفى عليه شيء" [التفسير].
كذلك علينا أيضا ألا نغترّ بما نقدّم من الأعمال الصالحة في هذه الدنيا، فما ندري هل يتقبلها الله فتكتب في صحيفة أعمالنا أم لا، وتأمل حال محمد بن المنكدر -رحمه الله- فإنه ذات ليلة كان قائما يصلي "إذ استبكى وكثر بكاؤه حتى فزع أهله وسألوه: ما الذي أبكاه؟ فاستعجم عليهم وتمادى في البكاء فأرسلوا إلى أبي حازم فأخبروه بأمره فجاء أبو حازم إليه فإذا هو يبكي، قال: يا أخي ما الذي أبكاك؟ قد رُعت أهلك! أفمن علة أم ما بك؟ فقال: إنه مرت بي آية في كتاب الله عز وجل، قال: وما هي؟ قال: قول الله تعالى {وَبَدَا لَهُم مِّنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ} فبكى أبو حازم أيضًا معه، واشتد بكاؤهما فقال بعض أهله لأبي حازم: جئنا بك لتفرج عنه فزدته! فأخبرهم ما الذي أبكاهما" [حلية الأولياء].
• خوف السلف
لقد كان السلف الصالح، مع كثرة عبادتهم وقلة معاصيهم، يخافون من عذاب الله خوفا عظيما، بل كان الصحابة -رضوان الله عليهم- يخافون يوم الحساب أشد الخوف، قال ابن القيم: "ومن تأمل أحوال الصحابة -رضي الله عنهم- وجدهم في غاية العمل مع غاية الخوف، ونحن جميعا بين التقصير، بل التفريط والأمن، فهذا الصديق -رضي الله عنه- يقول: وددت أني شعرة في جنب عبد مؤمن، ذكره أحمد عنه، وذكر عنه أيضا أنه كان يمسك بلسانه ويقول: هذا الذي أوردني الموارد!، وكان يبكي كثيرا، ويقول: ابكوا، فإن لم تبكوا فتباكوا، وكان إذا قام إلى الصلاة كأنه عود من خشية الله عز وجل.. وهذا عمر بن الخطاب قرأ سورة الطور إلى أن بلغ: {إنَّ عذابَ ربِّك لواقع} فبكى واشتد بكاؤه حتى مرض وعادوه، وقال لابنه وهو في الموت: ويحك ضع خدي على الأرض عساه أن يرحمني، ثم قال: ويل أمي، إن لم يغفر لي (ثلاثا)، ثم قُضي، وكان يمر بالآية في ورده بالليل فتخيفه، فيبقى في البيت أياما يُعاد، يحسبونه مريضا، وكان في وجهه -رضي الله عنه- خطان أسودان من البكاء.. وهذا عثمان بن عفان -رضي الله عنه- كان إذا وقف على القبر يبكي حتى تبل لحيته، وقال: لو أنني بين الجنة والنار لا أدري إلى أيتهما يؤمر بي، لاخترت أن أكون رمادا قبل أن أعلم إلى أيتهما أصير، وهذا علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- وبكاؤه وخوفه، وكان يشتد خوفه من اثنتين: طول الأمل، واتباع الهوى، قال: "فأما طول الأمل فينسي الآخرة، وأما اتباع الهوى فيصد عن الحق، ألا وإن الدنيا قد ولت مدبرة، والآخرة مقبلة، ولكل واحدة بنون، فكونوا من أبناء الآخرة، ولا تكونوا من أبناء الدنيا، فإن اليوم عمل ولا حساب، وغدا حساب ولا عمل..." [الجواب الكافي]، وهكذا كان حال مَن بعدهم من الصالحين، قال بشر بن منصور -رحمه الله-: "كنت أوقد بين يدي عطاء العبدي -وهو من التابعين- في غداة باردة، فقلت له: يا عطاء، يسرّك الساعة لو أنك أمرت أن تلقي نفسك في هذه النار لا تبعث إلى الحساب؟ فقال: إي ورب الكعبة، ثم قال: والله مع ذلك لو أمرت بذلك لخشيت أن تخرج نفسي فرحاً، قبل أن تصل إليها" وقال عنه نعيم بن مورع -رحمه الله-: "أتينا عطاء السليمي وكان عابدا فدخلنا عليه فجعل يقول: "ويلٌ لعطاء! ليت عطاء لم تلدْه أمّه"، فلم يزل كذلك حتى اصفرّت الشمس، فذكرنا بعدُ منازلنا فقمنا وتركناه، وكان يقول في دعائه: "اللهمّ ارحم غربتي في الدنيا، وارحم مصرعي عند الموت، وارحم وحدتي في قبري، وارحم قيامي بين يديك" [سير أعلام النبلاء]، قال إبراهيم التيمي -رحمه الله-: "شيئان قطعا عني لذة الدنيا: ذكرُ الموت وذكر الموقف بين يدي الله تعالى" [التذكرة للقرطبي]، ومثل هذا عن السلف كثير جدا.
نسأل الله الكريم أن يرحمنا برحمته، ويتجاوز عن تقصيرنا، ويؤتينا صحائف أعمالنا بأيماننا، ولا يخزينا يوم يبعثون.
● المصدر:
صحيفة النبأ – العدد 367
السنة الرابعة عشرة - الخميس 7 جمادى الأولى 1444 هـ
