سد الألفية الإثيوبي.. والأمن المائي المصري (تداعيات واستراتيجيات)

منذ 2012-05-19

الدور المصري الذي كان عظيما في الماضي، فمصر هي مؤسس منظمة الوحدة الأفريقية، أما اليوم فلا نجد موظفًا مصريًا يشغل منصبًا رفيعًا في منظمة أفريقية، إلا أن يكون كبير مترجمين أو ما شاكل ذلك، والذي يجب عمله هو التأسيس لعلاقة مصر بأفريقيا، ولابد من الدفع للعمل في إطار كتلة دول حوض النيل للانتباه لما بعد المياه.



الدكتور محمد نصر الدين علام:

- احذروا من المخطط الإثيوبي لإقامة العديد من السدود على نهر النيل، لأنه يريد التحكم في المياه.
- لا بد من بدء حوار جاد مع إثيوبيا بشأن الآثار السلبية الوخيمة لهذا المشروع على الأمن المصري.


الدكتور عمرو عزت سلامة:

- إن يد الإهمال طالت في العقود الأخيرة تأمين ملف مياه النيل.
- لا بد من تعظيم أوجه التعاون بين مصر ودول حوض النيل في مجال العلاقات الثقافية.


الدكتور عبد الفتاح مطاوع:

- السدود التي تقيمها الدول الأفريقية لإنتاج الطاقة الكهربية لا تعنى مشكلة بالنسبة لمصر.
- وحيث إن نهر النيل لا يتوقف فان عملنا سوف لن يتوقف في هذا الملف.


الدكتور حلمي شعراوي:

- لا يجب تبسيط الأمور في التعامل مع مسائل مثل هذا السد.
- مصر هي مؤسس منظمة الوحدة الأفريقية، ومع ذلك لا نجد اليوم موظفًا مصريًا يشغل منصبًا رفيعًا في منظمة أفريقية.


في الثلاثين من مارس هذا العام، أعلنت الحكومة الإثيوبية رسميًّا عن عزمها إنشاء (سد الألفية العظيم) بالقرب من الحدود الإثيوبية السودانية على (النيل الأزرق)، وقالت إنه سيرفع إنتاج الطاقة الكهرومائية في البلاد إلى 10 آلاف ميجاوات خلال السنوات الخمس المقبلة.

قابل ذلك صمت من السلطات الرسمية المصرية حيال هذا الإعلان الإثيوبي، على الرغم من تأكيد الأستاذ الدكتور مغاوري شحاتة خبير المياه الدولي ورئيس جامعة المنوفية الأسبق على أن بناء هذا السد العظيم، والذي تعتزم إثيوبيا بناءه على النيل الأزرق، سيؤدي إلى انخفاض كميات المياه التي يتم تخزينها في بحيرة ناصر من 120 مليار متر مكعب إلى 75 مليارًا فقط بعد اكتمال إنشائه مباشرة، وانخفاض طاقة توليد الكهرباء من السد العالي، وقناطر إسنا، ونجع حمادي بمعدل 20 في المائة.


كما أكد شحاتة أن السد الإثيوبي يهدد بتوقف زراعة مليون فدان من الأراضي الزراعية الحالية في الوادي، والدلتا وتشريد 5 ملايين مواطن يعتمدون على زراعة هذه المساحات.

موضِّحًا أن السد الجديد سيخزن 62 مليار متر مكعب من إجمالي 71 مليار متر مكعب من المياه الواردة إلى مصر من أنهار النيل الأزرق، وعطبرة، والسوباط، مشيرًا أنه عند اكتمال إنشائه، ستصبح إثيوبيا قادرة على التحكم الإستراتيجي في وصول مياه الفيضان إلى مصر.

كما أشار إلى نقطة خطيرة أخرى، وهي أن انخفاض كميات المياه الواردة سيؤدي أيضًا إلى احتمالية تداخل مياه البحر المتوسط مع مياه الخزان الجوفي في شمال الدلتا، وارتفاع معدلات ملوحة المياه الجوفية المتجددة، وملوحة التربة وانخفاض إنتاجية المحاصيل الزراعية.


سبب الإنشاء

وكانت الحجة الرئيسة لأديس أبابا لإنشاء هذه السد – بحسب زعم وزير المياه والطاقة الإثيوبي (ألمايهو تيجنو) في مؤتمر صحفي عُقد خصصيًا للإعلان عن هذا المشروع - هي أنه سيرفع إنتاج الطاقة الكهرومائية في البلاد إلى 10 آلاف ميجاوات خلال السنوات الخمس المقبلة.

وإن معظم هذه الزيادة في إنتاج الكهرباء، التي تبلغ خمسة أضعاف حجم الإنتاج الحالي ستأتي من هذه المحطة الكهرومائية، المقرر إنشاؤها حاليًا في مكان مشروع السد على النيل الأزرق بالقرب من حدود السودان، مشيرًا إلى أن هذا السد وحده يتوقع أن ينتج 5250 ميجاوات من الكهرباء.


وقد زعم ألمايهو تيجنو أن الاستفادة الرئيسية لإثيوبيا من هذا السد هو ضمان إمدادات يعتمد عليها من الطاقة، كما أن هذا المشروع يحقق مزايا لدولتي المصبّ وهما السودان ومصر أيضًا، موضِّحًا أن هذا السد سيزيد من إمكانية حصولها على إمدادات الطاقة النظيفة بأسعار تنافسية.

وأضاف أن (مصر والسودان سوف تستفيدان في نفس الوقت من مزايا من هذا المشروع في صورة تراجع تراكم الطمي وراء سدود الري بالبلدين، وتراجع في معدل تكرار الفيضانات، وبالتالي انخفاض الفاقد في موارد المياه).

وأشار إلى أن هذا المشروع غير مسبوق في أفضليته الكلية، من حيث حجم السد، وحجم المياه المحتجزة خلفه وقدرته على توليد الطاقة، وكذلك أثره على ضمان استمرار تدفق المياه دون انقطاع.


وبحسب موقع (والتا) الإخباري الإثيوبي أن شركة (ساليني للإنشاءات) والتي تتولى حاليًا بناء مشروع محطة (جيبي 3) للطاقة الكهرومائية، ستتولى بناء محطة الألفية للطاقة الكهرومائية، مشيرًا إلى أن هذه الشركة هي نفسها التي قامت ببناء محطات الطاقة الكهرومائية (جيبي1) و(جيبي 2) و(تانا بليز).

وقال رئيس الوزراء الإثيوبي (ملس زيناوي) - خلال مراسم وضع حجر الأساس للمشروع - إن إثيوبيا سيكون أمامها مهمة كبيرة، وتتمثل في تمويل المشروع الذي قد يبلغ 80 مليار بر إثيوبي (حوالي 4,8 مليار دولار أمريكي).

وتابع زيناوي قائلاً أنه وعلى أساس الفائدة المشتركة من المشروع، كان ينبغي على السودان ومصر أن تغطيا 30 و20 في المائة من التكلفة على التوالي، ولكن بسبب غياب العدالة في هذا النظام، فإن إثيوبيا هي الدولة الوحيدة التي تتحمل التكاليف.


تحذيرات وتقرير واقع

ويحذّر الدكتور محمد نصر الدين علام، وزير الموارد المائية والري السابق، من المخطط الإثيوبي لإقامة العديد من السدود على نهر النيل، مُشيرًا إلى أن إعلان أديس أبابا عن إقامة أضخم سد على النيل (الألفية العظيم) يؤكد أنها ستواصل خططها للتحكم الكامل في مياه (النيل الأزرق) الذي يمد مصر بـ 85% من حصة الدولة من مياه النهر البالغة 55,5مليار متر مكعب سنويًّا.

ومن جانبه أكد الدكتور عمرو عزت سلامة وزير التعليم العالي والبحث العلمي والتكنولوجيا أن يد الإهمال طالت في العقود الأخيرة تأمين ملف مياه النيل بمجمله، وتوطيد العلاقات مع دول حوض النيل إلى درجةٍ أخرجت مصر من نطاق الشريك الطبيعي المهم، والجار الشقيق صاحب الخبرة، إلى نطاق غير مألوف وغير محسوب من العلاقات المتوترة.

مشيرا إلى أن حالة اللامبالاة الشديدة من جانب المسؤولين على المستويَين الرسمي، والشعبي، والفتور شبه الكامل عن دور مصر الرائد في محيطها الأفريقي، قابله الأشقاء الأفارقة بفتور مماثل وصل إلى حد التنافر، وأن استغلال بعض الأيادي الخبيثة للفراغ الذي تركته مصر في هذا المحيط، والعبث في هذا الملف، ألقى بظلاله الثقيلة على بلادنا، وهدد نصيبنا من مياه النهر.


الموقف المصري الرسمي

وجاء الإعلان الإثيوبي عن إنشاء (سد الألفية) متزامنًا مع وجود الدكتور عبد الفتاح مطاوع، رئيس قطاع مياه النيل بوزارة الري، في أديس أبابا للمشاركة في مؤتمر هناك عن توليد الكهرباء من المياه، والذي اتهمته مصادر رسمية بعدم عرضه أي تفاصيل عن تلك السدود على الدكتور حسين العطفي، وزير الموارد المائية والري، ولا عن كواليس ما يدور في إثيوبيا بعد الإعلان هناك عن إنشائها، وهو ما جعل الوزارة تفاجأ بالإعلان الإثيوبي.


وفي المقابل أكد مطاوع أنه يتعيَّن على أي دولة متشاطئة على نهر النيل ألا تُقدِم على إقامة مشروع، أو إجراء أحادي الجانب، بل يتعين دراسة أي مشروع بشكل مشترك، لضمان ألا يؤثر أو يضرر بأي من شعوب دول حوض النيل، وذلك في إطار روح التعاون التي خلقتها مبادرة دول حوض النيل، وعندما يُدرس الأمر فنياً، ويثبُتُ أنه لا يضر بأي طرف، لا تعترض عليه مصر، والدليل على ذلك أن مصر ساهمت في إنشاء عدد من السدود مثل (سد أوين) في أوغندا وسد (جبل أولياء) بالسودان.

كما أن مطاوع تحدث باطمئنان عن تأمين حاجة مصر من المياه، بقوله: أن السدود التي تقيمها الدول الأفريقية لإنتاج الطاقة الكهربية لا تعني مشكلة بالنسبة لمصر، في ظل استراتيجية للتعاون بين دول حوض النيل. وأضاف: أنه لابد من تغيير عقلية العمل في هذا الملف في مصر لتصبح أكثر إيجابية نحو بقية دول الحوض، وكذلك لابد من العمل الجماعي.

وقال الدكتور مطاوع: أن موقف مصر التفاوضي في ملف مياه النيل موقف قوى جدا، كما إن حصة مصر من مياه النهر تزيد ولا تنقص، وحيث إن نهر النيل لا يتوقف فإن عملنا سوف لن يتوقف في هذا الملف.

ومن جانبه، أكَّد الدكتور حسام فهمي رئيس هيئة مشروعات الصرف بوزارة الري، أن هناك قواعد للقانون الدولي، ومعايير معينة يتعين الوفاء بها عند إقامة أي مشروع على نهر النيل، بحيث لا يتعيَّن الأضرار بأي دولة من دول حوض النيل، مشيرا إلى حتمية دراسة طبيعة تلك المشروعات، للتأكد من عدم تسببها في أي أضرار بأي دولة في إطار المعايير اللازمة.


استراتيجيات واجبة التنفيذ

وفي إطار إيجاد استراتيجية للتعامل الحالي والمستقبلي مع الأزمة، يرى الدكتور مغاوري شحاته أنه أصبح من الواجب الآن على الوزارة الحالية سرعة التحرك الفوري اتجاه أديس أبابا، واللجوء إلى مجموعات الضغط، والمنظمات الدولية المعنية بالبيئة حتى يلتفت العالم إلى الآثار البيئية المتوقعة لإقامة السدود الإثيوبية سواء على البيئة النباتية أو السمكية.


وقد طالب خبير المياه الدولي الدكتور شحاته وزارة الموارد المائية والري بإجراء دراسة فورية على جيولوجية حوض النيل الأزرق، تمهيدًا لإعداد نماذج رياضية حديثة، ودراسات تنبُّؤ لمعرفة مستقبل المياه في الحوض، وتحديد مواقع السدود الإثيوبية المزمع تنفيذها على النيل الأزرق، خاصة سد الألفية العظيم.

وذلك لاستهداف تحديد الآثار السلبية لكل سد على حصة مصر من مياه النيل الواردة من الهضبة الإثيوبية، حتى لا نفاجأ دائمًا بأن إثيوبيا تنشئ سدودًا لا نعلم عنها شيئًا، ملفتا الأنظار إلى أن استمرار إثيوبيا في تحديها لمصالح مصر والسودان سيؤدي إلى إلحاق الضرر الفعلي بالمجرى الرئيسي للنهر.

ويعود الدكتور نصر الدين علام ليؤكد هنا على ضرورة بدء حوار جاد مع إثيوبيا بشأن الآثار السلبية الوخيمة على الأمن القومي المصري، من جرّاء إنشاء تلك السدود، وانتهاج أديس أبابا سياسة فرض الأمر الواقع، وأهمية سرعة التحرك مع المجتمع الدولي، والتنبيه على أن استمرار دعم السياسات الإثيوبية سوف يؤدي إلى تداعيات خطيرة من شأنها تهديد الأمن، والسلم الإقليميين.

مطالبا المجلس الأعلى للقوات المسلحة المصرية باتخاذ الإجراءات اللازمة نحو تأكيد التزام السودان باتفاقية ١٩٥٩، مع تعزيز التعاون مع جنوب السودان، معتبرًا أن هذا الأمر يمثِّل أمل مصر الوحيد لزيادة حصتها المائية من الموارد المائية للنهر.


أما الدكتور عمرو عزت سلامة وزير التعليم العالي فيرى أنه علينا وقبل أن نطالب الإخوة في حوض النيل بالوفاء بما يفرضه عليهم التاريخ المشرف من العلاقات الودية مع مصر، فإننا نطالب أنفسنا بأن نضطلع بدورنا، ونعود إلى عهدنا مع إخوتنا، في إطار من الاحترام المتبادل، والمصلحة المشتركة، وبما يقطع الطريق على الأيدي العابثة في هذا الملف.

وأضاف أن مصر تحتاج بشدة الآن، إلى البحث في عدد من القضايا المهمة ذات الصلة بموضوع النيل، والمياه بوجه عام، وتمثل تحديات تواجهنا، وتشتمل على فرص يمكن أن تحقق لنا ما نصبوا إليه من أمن مائي، وعلاقات متميِّزة مع الدول الشقيقة في حوض النيل، من بينها: (تعظيم الموارد المائية لمصر، ودول الحوض الأفريقي، سواء من مياه الأنهار التي تمر في هذه الدول، أو الأمطار الغزيرة التي تسقط على بعضها.. وذلك في صورة مشروعات مشتركة، نتقاسم تكلفتها، وتشترك شعوبنا في جني ثمارها الطيبة، وتقديم المعونات الفنية لدول الحوض لتحقيق أقصى استفادة من مياه الأنهار والأمطار في دول حوض النيل، ولا سيما في مجال إنتاج الطاقة الكهربائية التي تحتاج إليها هذه الدول أشد الاحتياج، وتملك مصر فيها خبرات واسعة.

ودعا سلامة إلى تنويع مصادر المياه في مصر، من خلال توفير مصادر مائية إضافية، معتبرا أن ذلك يحتاج إلى جهود بحثية وتقنية مضنية، تتعلق بتنقية المياه الجوفية، وتحلية مياه البحر، وتقنيات الاستمطار في المناطق المؤهلة للزراعة، مع ترشيد استخدام المياه على المستوى الوطني، بما يكفل الحفاظ على هذه الثروة الحيوية، بشكل يكفل تغير نظرة المواطن من إسراف يعتمد على ظن خادع أن المياه هي رصيد مجاني، إلى استخدام رشيد، يؤمن بأن المياه هي أهم ثروة يمتلكها شعبنا.


كما لفت إلى أهمية تعظيم أوجه التعاون بين مصر ودول حوض النيل في مجال العلاقات الثقافية، وعلى وجه الخصوص العلاقات العلمية والتعليمية، باعتبارها القوة الناعمة لمصر، مضيفا أن وزارة التعليم العالي والبحث العلمي بدأت العمل على هذا الملف من خلال عدد من المبادرات والمنح والمشروعات التعليمية، كما بدأت في إنشاء مكاتب ثقافية في بعض دول الحوض، وأن الوزارة تسعى إلى زيادتها لتغطي هذه المنطقة الحيوية لأمننا القومي.

ويذكر في هذا الصدد رأي الأستاذ الدكتور حلمي شعراوي، أستاذ العلوم السياسية، وخبير الشؤون الأفريقية، ومؤسس مركز البحوث العربية والأفريقية، عن ضرورة إعادة الدور الريادي الذي كانت تمثله مصر في أفريقيا خلال عهود سابقة، بقوله: أنه لا يجب تبسيط الأمور في التعامل مع مسائل مثل السد الذي تعتزم إثيوبيا إنشاءه على النيل الأزرق، وتناول تلك الأشياء بما تستحقه من اهتمام، وأضاف بأن ما يربط مصر بدول حوض النيل أعمق من كونه استراتيجية تحفظ حق مصر في المياه، ومصر قد أصبحت ضعيفة في التجمعات الإقليمية وعلى المستوى الأفريقي.

مذكرًا بأن هذا الدور المصري الذي كان عظيما في الماضي، فمصر هي مؤسس منظمة الوحدة الأفريقية، أما اليوم فلا نجد موظفًا مصريًا يشغل منصبًا رفيعًا في منظمة أفريقية، إلا أن يكون كبير مترجمين أو ما شاكل ذلك، والذي يجب عمله هو التأسيس لعلاقة مصر بأفريقيا، ولابد من الدفع للعمل في إطار كتلة دول حوض النيل للانتباه لما بعد المياه.
 

المصدر: مجلة البيان