بيان ضعف حجة من عدَّد مواقيت الصوم أو الفطر وفق اختلاف مطالع الهلال

منذ 2012-07-17

..ونظرًا إلى تعلُّق الأمر بعبادة عظيمة الشأن، رأيت طرح ما بدا لي من ضعف في استدلال الذاهبين إلى القول بأن اختلاف مطالع الهلال بين البلدان يلزمه اختلاف يوم بدء الصوم ويوم الفطر، فيصوم أهل كل بلد ويُفطرون وفق رؤيتهم.


الحمد لله رب العالمين.
لا يزال الخلاف يدور بين المسلمين حول الأَخْذ باختلاف مطالع الهلال، فهل يصوم أهل كل بلد ويفطرون وفق رؤيتهم أم وفق رؤية غيرهم إذا سبقوهم إلى رؤية الهلال وإن بَعُد مكانهم؟

ونظرًا إلى تعلُّق الأمر بعبادة عظيمة الشأن، رأيت طرح ما بدا لي من ضعف في استدلال الذاهبين إلى القول بأن اختلاف مطالع الهلال بين البلدان يلزمه اختلاف يوم بدء الصوم ويوم الفطر، فيصوم أهل كل بلد ويُفطرون وفق رؤيتهم.


وقد احتج الآخذون باختلاف المطالع بما رواه مسلم في صحيحه من طريق محمد بن أبي حرملة، عن كريب، أن أم الفضل بنت الحارث بعثته إلى معاوية بالشام، قال: "فقدمت الشام فقضيت حاجتها، واستهل عليَّ رمضان وأنا بالشام، فرأيتُ الهلال ليلة الجمعة، ثم قدمتُ المدينة في آخر الشهر، فسألني عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، ثم ذكر الهلال"، فقال: "متى رأيتم الهلال؟" فقلت: "رأيناه ليلة الجمعة"، فقال: "أنت رأيته؟" فقلت: "نعم، ورآه الناس، وصاموا وصام معاوية"، فقال: "لكنّا رأيناه ليلة السبت، فلا نزال نصوم حتى نكمل ثلاثين أو نراه"، فقلت: "أوَ لا تكتفي برؤية معاوية وصيامه"، فقال: "لا، هكذا أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم".

ولا أعلم لهم حجة غير ذلك أصلاً، إلا ما أتى به بعض المتأخرين من قياس الأخذ باختلاف مطالع الهلال بين البلدان على الأخذ باختلاف موضع الشمس وما يتبعه من اختلاف مواقيت الصلاة في تلك البلدان.


وبالنظر في قول ابن عباس، وجدته لا يُحمل إلا على وجهين:
أما الوجه الأول: فهو أن رؤية معاوية لا يُعتد بها لبُعد المكان، وهذا ما ذهب إليه من اتخذ اختلاف المطالع ضابطًا لتعدد يوم بدء الصوم ويوم الفطر.

وأما الوجه الآخر: فهو أن رؤية معاوية لا يُعتد بها لانقضاء اليوم الأول من الشهر قبل العلم بها، فقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن صوم يوم الشك، فإن زال الشك بعد انقضاء ذلك اليوم بشهادة كشهادة كريب، فحكم الفطر في ذلك اليوم قد ثبت بانقضائه، ولا يجب قضاؤه أو بناء الفطر عليه، فهذان الوجهان لا ثالث لهما في توجيه قول ابن عباس رضي الله عنه.

وبالنظر في الوجه الأول نجده لا يخلو من اضطراب، إذ يلزم ابن عباس لو أراده أن يفرض على كريب في حال اكتمال الثلاثين أن يصوم واحدًا وثلاثين، فيفرض عليه ما لم يفرضه الله ورسوله.


كما أنه يناقض حديثًا مرفوعًا لم يعتد فيه النبي صلى الله عليه وسلم باختلاف المطالع في هلال شوال، فقد روى ابن ماجة بسنده: "أغمي علينا هلال شوال فأصبحنا صيامًا فجاء ركب من آخر النهار فشهدوا عند النبي صلى الله عليه وسلم أنهم رأوا الهلال بالأمس فأمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يفطروا وأن يخرجوا إلى عيدهم من الغد". (صحيح ابن ماجة: 1348).

فهذا الركب وصل المدينة في آخر النهار مما يوحي ببُعد مكان رؤيتهم للهلال، فأخذ النبي صلى الله عليه وسلم بشهادتهم، وأمر الناس أن يُفطروا.

قال ابن قدامه في المغني معلقًا على حديث كريب: "وأجمع المسلمون على وجوب صوم شهر رمضان‏،‏ وقد ثبت أن هذا اليوم من شهر رمضان بشهادة الثقات فوجب صومه على جميع المسلمين ولأن شهر رمضان ما بين الهلالين‏،‏ وقد ثبت أن هذا اليوم منه في سائر الأحكام من حلول الدين ووقوع الطلاق والعتاق‏،‏ ووجوب النذور وغير ذلك من الأحكام فيجب صيامه بالنص والإجماع‏، ولأن البينة العادلة شهدت برؤية الهلال فيجب الصوم كما لو تقاربت البلدان، فأما حديث كريب، فإنما دل على أنهم لا يفطرون بقول كريب وحده‏،‏ ونحن نقول به وإنما محل الخلاف وجوب قضاء اليوم الأول وليس هو في الحديث، فإن قيل‏:‏ فقد قلتم إن الناس إذا صاموا بشهادة واحد ثلاثين يومًا‏ًًً ولم يروا الهلال أفطروا في أحد الوجهين. قلنا‏:‏ الجواب عن هذا من وجهين أحدهما أننا إنما قلنا يفطرون إذا صاموا بشهادته‏،‏ فيكون فطرهم مبنيًا على صومهم بشهادته، وهاهنا لم يصوموا بقوله فلم يوجد ما يجوز بناء الفطر عليه. الثاني‏‏ أن الحديث دل على صحة الوجه الآخر" (اهـ‏).


وروى البخاري في صحيحه: "خرج النبي صلى الله عليه وسلم ليخبرنا بليلة القدر، فتلاحى رجلان من المسلمين، فقال: «خرجت لأخبركم بليلة القدر، فتلاحى فلان وفلان فرفعت، وعسى أن يكون خيراً لكم، فالتمسوها في التاسعة والسابعة والخامسة»" (صحيح البخاري: 2023).

وقد دل الحديث أن يوم بدء الصوم واحد للمسلمين جميعًا، إذ لو تعدد ذلك اليوم للزم تعدد ليلة القدر لأنها بُنيت عليه، وقد خصها الله تعالى بإحدى ليالي الوتر لتنزل الملائكة والروح، ومن المعلوم أنه عند اختلاف يوم بدء الصوم لن تتوافق ليالي الوتر.

فظهر بذلك ضعف حَمْل قول ابن عباس على الوجه الأول، والأولى تقديم الوجه الآخر، فالمعوَّل عليه هو العلم برؤية الهلال، وإن بَعُد المكان، فيثبت حكم الصوم أو الفطر للعالم بالرؤية، ولا يثبت لمن شك فيها أو جهلها.


أما ما أتى به بعض المتأخرين من قياس الأخذ باختلاف مطالع الهلال بين البلدان على الأخذ باختلاف موضع الشمس وما يتبعه من اختلاف مواقيت الصلاة في تلك البلدان، فلا يخفى الفرق الظاهر بين اتخاذ موضع الشمس ميقاتًا واتخاذ ظهور الهلال ميقاتًا، وكان الأولى بهم القياس على يوم الأضحى، فلو كان بدء عدة أيام الشهر تثبت للمكان بالرؤية فيه لا في غيره من الأماكن، فيلزم إثبات ذلك ليوم الأضحى مثل يوم الفطر، ولكن لم يقل بذلك أحد قط، ومن التناقض أن يُؤخذ باختلاف مطالع الهلال في يوم بدء الصوم ويوم الفطر ولا يؤخذ بها في يوم الأضحى.

فظهر بذلك ضعف كل ما احتج به المعددون لمواقيت الصوم أو الفطر وفق اختلاف مطالع الهلال، والله الموفق.


نائل إبراهيم زيدان