أثر الحج في تحقيق التوحيد

منذ 2012-10-13

في مثل هذه الأيام من كل عام تطل على العالم الإسلامي مناسبة عظيمة يجتمع فيها شرف الزمان والمكان إنها مناسبة الحج إلى بيت الله الحرام، حيث يلتقي وفود الله في المشاعر المقدسة من شتى بقاع الأرض يحدوهم الأمل في مغفرة الله ورضوانه ..


الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام الأتمان الأكملان على نبينا وحبيبنا محمد بن عبد الله أشرف الأنبياء والمرسلين وعلى آله وصحابته ومن سار على نهجهم إلى يوم الدين أما بعد؛

فيا إخوة الإسلام: في مثل هذه الأيام من كل عام تطل على العالم الإسلامي مناسبة عظيمة يجتمع فيها شرف الزمان والمكان إنها مناسبة الحج إلى بيت الله الحرام، حيث يلتقي وفود الله في المشاعر المقدسة من شتى بقاع الأرض يحدوهم الأمل في مغفرة الله ورضوانه وتطرب آذانهم بالتلبية وتخشع قلوبهم من بلوغ القصد وتحقق الآمال، آمين البيت العتيق الذي جعل الله قلوب الناس تهوي إليه وجعله لهم مثابة وأمنا قال تعالى: {وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِّلنَّاسِ وَأَمْنًا} [البقرة: 125]، ولذا ينبغي الإفادة من هذا التجمع العالمي في هذا الوقت المحدد وإيجاد الطريقة المثلى لتأصيل وتحقيق التوحيد لدى حجاج بيت الله الحرام خلال إقامتهم في هذه البلاد الطاهرة التي قامت -ولله الحمد ولا زالت- على قاعدة متينة من العقيدة الصحيحة منذ أن وحد كيانها الملك عبد العزيز -رحمه الله- إلى هذا العهد الزاهر عهد خادم الحرمين الشريفين -حفظه الله- وهي تحكم شريعة الله في مختلف شؤون الحياة وتطبق تعاليم الإسلام بكل عناية. فإنها تسعى دائما لوحدة صف المسلمين ورأب ما يعتريهم من فتوق ورتوق وتسعى جاهدة لنشر العقيدة الصحيحة من خلال مرافقها المختلفة دعوية كانت أو إعلامية أو تعليمية أو تثقيفية.

ويأتي دورها الفاعل في الحج حيث يلتقي المسلمون من أطراف الأرض الواسعة فيتعارفون ويتحابون ويتدارسون أمور دينهم وشؤون حياتهم. ولا شك أن في هذا اللقاء فرصة لتقارب المسلمين وإزالة ما علق بالأذهان من تباعد وتنافر، وقوة تقهر العدو المتربص بالمسلمين والتقاء على صراط الله المستقيم ومنهجه القويم. فالعالم يدعو ويوجه ويبذل من علمه والجاهل يسترشد ويسأل عما أشكل عليه والشاك يستوضح حتى تتبين له الحقيقة التي تتفق مع حكم الله وشريعته وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ومنهجه السليم.

كما أن لقاء الحج فرصة سانحة لإزالة ما علق ببعض الفرق الإسلامية من شكوك وبدع والتي قد لا يدركها المسلم في بلده لأن البعد عن البدع والتمسك بهدي المصطفى صلى الله عليه وسلم من أهم أسباب تحقيق التوحيد والسير على المنهج الصحيح الذي ارتضاه الله لعباده {وَأَنَّ هَـٰذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ} [الأنعام: 153]. فيجب على حجاج بيت الله الحرام أن يكون حجهم لله خالصا ولسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم موافقا لما جاء عن الله وعن رسول الله من غير زيادة أو نقصان أو تفريط أو إفراط مقتدين في ذلك برسول الله صلى الله عليه وسلم فهو القائل: «خذوا عني مناسككم»، وألا ينشغلوا عن أداء مناسكهم بأي صارف وليسألوا أهل الذكر عما صعب عليهم فهمه وأشكل عليهم علمه: {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} [النحل: 43]. ولا شك أن لعلماء هذه البلاد دور ريادي بارز في توجيه الناس في موسم الحج سواء فيما يتعلق بإرشاد الحجاج في أداء مناسكهم أو فيما يتعلق بأخلاقهم وتعاملهم مع الآخرين وترسيخ العقيدة الصحيحة في نفوسهم فإنه بالرغم من الأيام المعددوات التي يقضيها الحجاج في أداء شعيرة الحج إلا أنها فرصة مواتية للالتقاء بعلماء هذه البلاد المباركة والإفادة من خطبهم ومحاضراتهم وإرشاداتهم وفتاواهم.

فإن المملكة العربية السعودية بقيادة خادم الحرمين الشريفين -أيده الله- والتي تعتبر بحق رائدة العالم الإسلامي وراعية الإسلام الحنيف تستقبل كل عام مئات الآلاف من الحجاج من خارجها ومئات الآلاف من داخلها وتحشد طاقاتها المادية والبشرية لتنظيم أمور الحج وخدمة حجاج بيت الله الحرام وتيسير إقاماتهم وتحركاتهم ووسائل نقلهم وسائر خدماتهم ليؤدوا حجهم بكل يسر وسهولة دون أية منقصات أو صوارف تصرفهم عن التفرغ للعبادة التي قدموا من أجلها. مما يستدعي معه تضافر الجهود وحفز الهمم وحشد الطاقات من قبل العلماء وطلاب العلم المؤهلين لتوعية هؤلاء الحجاج وإرشادهم وغرس العقيدة الصحيحة في نفوسهم. وعلى حجاج بيت الله الحرام وغيرهم من المقيمين أن يستفيدوا من علماء المملكة ويصغوا إلى دروسهم ومحاضراتهم وفتاواهم وأن يتمسكوا بالعقيدة الصحيحة (عقيدة التوحيد) والتعاليم الإسلامية السمحة وأن يربوا أبناءهم التربية الإسلامية الصحيحة بعيدا عن الانحراف والغلو والتطرف والانزلاق وراء التيارات الجارفة والمذاهب المنحرفة التي يروجها ويزينها أعداء الإسلام والمسلمين. وأن يستفيدوا من مدرسة الحج الدروس والعبر والعظات ليرجعوا إلى قومهم وأوطانهم حاملين رسالة هذا الدين الصحيحة وعقيدته السليمة الصافية النقية وقد تحقق المقصد الأعظم من مقاصد الحج وهو توحيد الله -تبارك وتعالى- وإفراده بالعبادة وحده دون سواه.

وختاما أتوجه إلى الله العلي القدير أن يحفظ لهذه البلاد المباركة أمنها واستقرارها وولاة أمرها وأن يجزيهم خير الجزاء على ما قاموا به من جهود عظيمة لخدمة الإسلام ونصرة قضايا المسلمين وما قاموا به من أعمال جليلة لخدمة ضيوف الرحمن إنه ولي ذلك والقادر عليه.

وصلى الله على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
 

سعود بن إبراهيم الشريم

من أئمة المسجد الحرام وحاصل على دكتوراه في الفقه المقارن من جامعة أم القرى