خلاص يا أبي

منذ 2012-12-26

كنتُ أعرف أنك ستموت.. لكن هذه المعرفة كانت كالعدم..


كنتُ أعرف أنك ستموت..

لكن هذه المعرفة كانت كالعدم..

كنتُ أعرف أن الوداع سيحين ولو بعد حين..

كنتُ أعرف أننا سنفترق ولن يبقى لي إلا الحنين والعيش مع ذكرياتٍ

تسوم القلب ألم العجز عن استعادة بعض لحظات من الحقيقة بدلاً من الغرق في بحور التخيل..

كنتُ أعرف أنني سأقرع الباب يوماً فأجد الكرسي فارغاً منك..

كنتُ أعرف أنني سأجلس وحدي أشاهد نشرة الجزيرة وأفتقد عراكنا الناري..

كنتُ أعرف في كل مرة أتلقى اتصالاً بوفاة واحداً من الأقارب

أن يوماً سيأتي أتلقى فيه اتصالاً عنك...

حين اتصل بي أخي في ذلك المساء ليقول لي: خلاص...

خلاص؟!

كيف خلاص؟!

خلاص؟!!

ما خلاص؟!!

خلاص؟!

آه يا أبي، وكيف الخلاص من ذلك الوجع؟!

كيف الخلاص من ذلك المرار والشجن؟!

خلاص، قالها أخي وانتحب..

قالها ثم صاح بصوت له صدى: أبويااااااااااااا...

خلاص يا أبي..

كنتُ أعرف أنه سيأتي يوم (خلاص) يا أبي ...

في كل مرة دخلت المسجد القابع على أول المقابر كنتُ أعرف أن يوماً سيأتي أدخله لأنك في الخشبة..

في كل مرة وقفتُ على قبر كنتُ أقول المرة القادمة ربما .......

ثم أطرد هذا الخاطر..

كنتُ أعرف أنك سترحل مع الراحلين وستترك ذاك الفراغ الرهيب وتلك الذبحة التي في الصدر..

تحاشيتُ أن أدخل عليك منذ اشتد بك الوجع..

حين بدأت ملامح الموت النازل بك تكشف عن نفسها في ملامحك..

غادرت غرفتك في المستشفى ولم أعد..

انتظرتُ على سلالم المستشفى أربعة أيام لا أجرؤ على الدخول..

كنتُ أريد أن احتفظ بملامحك التي أحببتها والتي سكنتني طوال أربعين عاماً يا أبي..

اشتد بك الوجع وقرروا نقلك لمستشفى أخرى على وجه السرعة اخترتَ المهام البعيدة، اخترتَ المهام التي لا تجعلني قريباً منك وهم ينقلوك..

فلما وجدتك أمامي فجأة لمحتُ السكرات التي أعرفها وأنت تعالجها ومع أنها كانت لقطة خاطفة لكنها تطاردني إلى الآن يا أبي..

حين قال لي أخي في الهاتف: خلاص..

لم أفكر أن أدخل عليك ولا أن ألقي نظرة وداع..

وحين وقفوا على الغسل لم أفكر حتى مجرد تفكير أن أقف مع إخوتي..

وحين قالوا انتهينا هيا ننقله إلى عربة الموتى فررت بعيداً..

وحين وصلنا للقبر ووضعوا النعش على الأرض بجواري..

لم أجرؤ أن أنظر إليك ولو بطرف عيني..

لم تنزل من عيني دمعة..

لم يكن هذا ثباتاً أو تماسكاً بل عجز عن الفهم وإلى الآن يا أبي..

مذ رحلتُ مع الراحلين يا أبي وصورتك وأنت تشكو إلي ألم ذراعك..

تحيل حياتي ألماً لا يحتمل..

مذ رحلتُ مع الراحلين يا أبي ونظرة عينيك إلى البيت الذي بنيته

بكدك وتعبك، نظرة عينيك إلى البيت وأنت في نظرة لسيارة الإسعاف تطاردني..

كانت نظرة وداعٍ بحق..

لم يكن مرضك شديداً ولم يكن يبدو كمرض موت لكن النظرة..

كانت نظرة وداعٍ يا أبي..

اليوم بدأتُ استوعب مرار الحقيقة..

بدأتُ أستفيق وأدرك..

هاجمتني ذكريات طفولتي معك..

تذكرتُ القطار الذي اشتريته لي.. والبنطلون الكاوبوي..

تذكرتُ وأنا أركب معك على الدراجة..

وتذكرتُ حين سقطت على وجهي وسال الدم منه وفي عينيك.. نظرة رعبٍ وهلعٍ لا تُنسى..

تذكرتُ أشياء كثيرة معك وعنك يا أبي ليس فيها ذكرى واحدة..

تخلو من حنانك الذي كان أشهر صفاتك وأكثر بضاعتك..

خلاص، قالها أخي يا أبي وأغلق السماعة..

أول شيء فكرت فيه أن أتصل بك..

في هذه المناسبات كنتُ أول من اتصل به لأخبره وأستشيره..

أخرجتُ الهاتف ومسحتُ رقمك على الفور..

في العادة أحب الاحتفاظ بالأشياء للذكرى..

لكن معك تخلصتُ من كل شيء يمكن أن يذكرني بهذا الحدث..

ذهبتُ إلى بيتك حيث كانت أمي هناك..

دخلتُ البيت لأول مرة بعد أن صرتَ ذكرى يا أبي..

جلست أمام أمي..

قالت لي: خلاص؟!

قلتُ لها: خلاص!!

خلاص يا أبي..

جاء اليوم الذي خفته وخشيته يا أبي..

خلاص...

تلك هي الحياة يا أبي..

بكاءً الآن بدأ البكاء يا أبي...
 

المصدر: خاص بموقع طريق الإسلام

خالد الشافعي

داعية مصري سلفي