الشيعة ومخالفتهم أهل البيت (1)

منذ 2013-02-04

موقف الشيعة من الصحابة ومخالفتهم أهل البيت.


إن الشيعة حاولوا خداع الناس بأنهم موالون لأهل لبيت النبي صلى الله عليه وسلم، وأنهم أقرب الناس إلى الصحة والصواب من بين طوائف المسلمين، وأفضلهم وأهداهم لتمسكهم بأقارب النبي صلى الله عليه وسلم وذويه، وإن المتمسكين بأقوالهم، والعاملين بهديهم، والسالكين مسلكهم، والمتتبعين آثارهم وتعاليمهم هم وحدهم لا غيرهم.

ولقد فصلنا القول فيما قبل أن القوم لا يقصدون من أهل البيت أهل بيت النبوة، وأنهم لا يوالونهم ولا يحبونهم، بل يريدون ويقصدون من وراء ذلك علياً رضي الله عنه وأولاده المخصوصين المعدودين.

ونريد أن نثبت في هذا الباب أن الشيعة لا يقصدون في قولهم إطاعة أهل البيت واتباعهم لا أهل بيت النبي ولا أهل بيت علي رضي الله عنه فإنهم لا يهتدون بهديهم، ولا يقتدون برأيهم، ولا ينهجون منهجهم، ولا يسلكون مسلكهم، ولا يتبعون أقوالهم وآرائهم، ولا يطيعونهم في أوامرهم وتعليماتهم بل عكس ذلك يعارضونهم ويخالفونهم مجاهرين معلنين قولاً وعملاً، ويخالفون آرائهم وصنيعهم مخالفة صريحة. وخاصة في خلفاء النبي الراشدين، وأزواجه الطاهرات المطهرات، وأصحابه البررة، حملة هذا الدين ومبلغين رسالته إلى الآفاق والناس، وناشرين دين الله، ورافعين راية الله، ومعلنين كلمته، ومجاهدين في سبيله حق جهاده، ومقدمين مضحين كل غال وثمين في رضاه، راجين رحمته، خائفين عذابه، قوامين بالليل، صوامين بالنهار الذين ذكرهم الله عز وجل في كتابه المحكم: {لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ} [فصلت: 42]- ذكرهم فيه جل وعلا: {تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ} [السجدة: 16].

وقال تبارك وتعالى: {الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ} [آل عمران: 191].

وقال وهو أصدق القائلين حيث يصف أصحاب رسوله المصطفى صلى الله عليه وسلم: {مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا} [الفتح: 29].

وقال سبحانه ما أعظم شأنه في شركاء غزوة تبوك: {لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ} [التوبة: 117].

كما قال في الذين شاركوه في غزوة الحديبية: {لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا . وَمَغَانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَهَا وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا} [الفتح: 18، 19].

وقال: {فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ثَوَابًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ} [آل عمران: 195].

وشهد بإيمانهم الحقيقي الثابت بقوله: {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ} [الأنفال: 74].

وذكر السابقين من الأصحاب المهاجرين منهم والأنصار: {وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} [التوبة: 100].

كما ذكر المهاجرين والأنصار عامة وضمن لهم الفلاح والنجاح بقوله: {لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ . وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [الحشر: 8، 9].

ويذكر جل مجده المؤمنين المنفقين قبل الفتح -أي فتح مكة- وبعده مثنياً عليهم مادحاً فيهم: {لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} [الحديد: 10].

ثم يقرن ذكر الأصحاب مع نبيه وصفيه المصطفى صلوات الله وسلامه عليه بدون فاصل حيث يذكرهم جميعاً معاً في قوله عز من قائل: {إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا} [آل عمران: 68]، وأيضاً في قوله: {إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا} [المائدة: 55]. وأيضاً: {وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ} [التوبة: 105].

وأيضاً: لَكِنِ {الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ} [التوبة: 88]، وقال: {وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ} [المنافقون الآية8]، وأيضاً: {بَلْ ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَى أَهْلِيهِمْ} [الفتح: 12]، وقال: {فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ} [الفتح: 26].

يذكر الله المؤمنين من أمة محمد وعلى رأسهم أصحاب النبي عليه السلام المؤمنين الأولين الحقيقيين قارناً ذكرهم بذكر النبي صلى الله عليه وسلم.

وقال سبحانه وتعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ} [الفتح: 10].

كما ذكر الله عز وجل خروج نبيه من مكة وهجرته منها مع ذكر خروج أصحابه وهجرتهم حيث قال: {يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ} [الممتحنة: 1].

كما ذكر صديقه ورفيقه في الغار: {إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا} [التوبة: 40].

ويقول في أزواجه المطهرات: {النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ} [الأحزاب: 6].

ويقول: {يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ} [الأحزاب: 32].
وغير ذلك من الآيات الكثيرة الكثيرة.

فلنرى الشيعة الزاعمين اتباع أهل البيت، المدّعين موالاتهم وحبهم، ونرى أئمتهم المعصومين -حسب قولهم- آل البيت ماذا يقولون في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وماذا يعتقدون فيهم؟

وهل أهل بيت النبي يبغضون أصحاب نبيهم، ويشتمونهم، بل ويكفرونهم، ويلعنونهم كما يلعنهم هؤلاء المتزعمون؟ أم غير ذلك يوالونهم، ويتواددون إليهم، ويتعاطفونهم ويساعدونهم في مشاكلهم، ويشاورونهم في أمورهم، ويقاسمونهم همومهم وآلامهم، ويشاركونهم في دينهم ودنياهم، ويشاطرونهم الحكم والحكومة، ويبايعونهم على إمرتهم وسلطانهم، ويجاهدون تحت رايتهم، ويأخذون من الغنائم التي تحصل من طريقهم، ويتصاهرون معهم، يتزوجون منهم ويزوجونهم بهم، يسمون أبناءهم بأسماءهم، ويتبركون بذكرهم، يذاكرونهم في مجالسهم، ويرجعون إليهم في مسائلهم، ويذكرون فضائلهم ومحامدهم، ويقرّون بفضل أهل الفضل منهم، وعلم أهل العلم، وتقوى المتقين، وطهارة العامة وزهدهم.

نسرد هذا كله وقد عاهدنا أن لا نرجع إلا إلى كتب القوم أنفسهم لعل الحق يظهر، والصدق يجلو، والباطل يكبو، والكذب يخبو، اللهم إلا نادراً نذكر شيئاً تأييداً واستشهاداً، لا أصلاً، ولا استدلالاً، ولا استقلالاً، ولا يكون إلزام الخصم إلا من كتبهم هم، وبعباراتهم أنفسهم، ومن أفواه أناس يزعمونهم أئمتهم، وهم منهم براء. وقد قيل قديماً إن السحر ما يقرّبه المسحور. والحق ما يشهد به المنكر.

وما نريد من وراء ذلك إلا الإظهار بأن أئمة الحق وأهل البيت ليسوا مع القوم في القليل ولا في الكثير، ولعل الله يهدى به أناساً اغتروا بحب أهل البيت حيث ظنوا أن معتقدات الشيعة وضعها أئمة أهل البيت، وأسسوا قواعدها، ورسخوا أصولها، فهم يحبونهم، ويبغضون أعدائهم -حسب زعمهم- الذين غصبوا حقهم وحرموهم من ميراث النبي، وظلموهم.

ويتبين من هذا البحث إن شاء الله علاقة الشيعية الحقيقية بآل البيت وعلاقتهم معهم.

فها هو علي بن أبي طالب رضي الله عنه الخليفة الراشد الرابع عندنا، والإمام المعصوم الأول عندهم، وسيد أهل البيت يذكر أصحاب النبي عامة، ويمدحهم، ويثني عليهم ثناء عاطراً بقوله: "لقد رأيت أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم فما أرى أحداً يشبههم منكم! لقد كانوا يصبحون شعثاً غبراً، وقد باتوا سجداً وقياماً، يراوحون بين جباههم وخدودهم، ويقفون على مثل الجمر من ذكر معادهم! كأن بين أعينهم ركب المعزى من طول سجودهم! إذا ذكر الله هملت أعينهم حتى تبل جيوبهم، ومادوا كما يميد الشجر يوم الريح العاصف، خوفاً من العقاب، ورجاء للثواب" [1].

وهذا هو سيد أهل البيت يمدح أصحاب النبي عامة، ويرجحهم على أصحابه وشيعته الذين خذلوه في الحروب والقتال، وجبنوا عن لقاء العدو ومواجهتهم، وقعدوا عنه وتركوه وحده، فيقول موازناً بينهم وبين صحابة رسول الله: "ولقد كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم نقتل آباءنا وأبناءنا وإخواننا وأعمامنا: ما يزيدنا ذلك إلا إيماناً وتسليماً، ومضياً على اللقم، وصبراً على مضض الألم، وجداً في جهاد العدو، ولقد كان الرجل منا والآخر من عدونا يتصاولان تصاول الفحلين، يتخالسان أنفسهما: أيهما يسقي صاحبه كأس المنون، فمرة لنا من عدونا، ومرة لعدونا منا، فلما رأى الله صدقنا أنزل بعدونا الكبت، وأنزل علينا النصر، حتى استقر الإسلام ملقياً جرانه، ومتبوئا أوطانه. ولعمري لو كنا نأتي ما أتيتم، ما قام للدين عمود، ولا اخضر للإيمان عود. وأيم الله لتحتلبنها دماً، ولتتبعنها ندماً" [2].

ويذكرهم أيضاً مقابل شيعته المنافقين المتخاذلين، ويأسف على ذهابهم بقوله: "أين القوم الذين دعوا إلى الإسلام فقبلوه، وقرأوا القرآن فأحكموه، وهيجوا إلى القتال فولهوا وله اللقاح إلى أولادها، وسلبوا السيوف أغمادها، وأخذوا بأطراف الأرض زحفاً زحفاً وصفاً صفاً، بعضٌ هلك وبعضٌ نجا، لا يبشرون بالأحياء ولا يعزون عن الموتى، مرة العيون من البكاء، خمص البطون من الصيام، ذبل الشفاه من الدعاء، صفر الألوان من السهر، على وجوههم غبرة الخاشعين، أولئك إخواني الذاهبون، فحق لنا أن نظمأ إليهم ونعض الأيدي على فراقهم" [3].

ويذكرهم، ويذكر بما فازوا به من نعيم الدنيا والآخرة، ولهم حظ وافر من كرم الله وإحسانه، حيث يقول: "واعلموا عباد الله أن المتقين ذهبوا بعاجل الدنيا وآجل الآخرة، فشارَكوا أهلَ الدنيا في دنياهم، ولم يشارِكهم أهل الدنيا في آخرتهم، سكنوا الدنيا بأفضل ما سكنت، وأكلوها بأفضل ما أكلت، فحظوا من الدنيا بما حظي به المترفون، وأخذوا منها ما أخذه الجبابرة المتكبرون، ثم انقلبوا عنها بالزاد المبلغ والمتجر الرابح، أصابوا لذة زهد الدنيا في دنياهم، وتيقنوا أنهم جيران الله غداً في آخرتهم، لا ترد لهم دعوة ولا ينقص لهم نصيب من لذة" [4].

ويمدح المهاجرين من الصحابة في جواب معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهما فيقول: "فاز أهل السبق بسبقهم، وذهب المهاجرون الأولون بفضلهم" [5].

وأيضاً: "وفي المهاجرين خير كثير تعرفه، جزاهم الله خير الجزاء" [6].

كما مدح الأنصار من أصحاب محمد عليه السلام بقوله هم والله ربوا الإسلام كما يربي الفلو مع غنائهم، بأيديهم السباط، وألسنتهم السلاط" [7].

ومدحهم مدحاً بالغاً موازناً أصحابه ومعاوية مع أنصار النبي بقوله: "أما بعد! أيها الناس فوالله لأهل مصركم في الأمصار أكثر من الأنصار في العرب، وما كانوا يوم أعطوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يمنعوه ومن معه من المهاجرين حتى يبلغ رسالات ربه إلا قبيلتين صغير مولدها، وما هما بأقدم العرب ميلاداً، ولا بأكثرهم عدداً، فلما آووا النبي وأصحابه، ونصروا الله ودينه، رمتهم العرب عن قوس واحدة، وتحالفت عليهم اليهود، وغزتهم اليهود والقبائل قبيلة بعد قبيلة، فتجردوا لنصرة دين الله، وقطعوا ما بينهم وبين العرب من الحبائل وما بينهم وبين اليهود من العهود، ونصبوا لأهل نجد وتهامة وأهل مكة واليمامة وأهل الحزن والسهل [وأقاموا] قناة الدين، وتصبروا تحت أحلاس الجلاد حتى دانت لرسول الله صلى الله عليه وسلم العرب، ورأى فيهم قرة العين قبل أن يقبضه الله إليه، فأنتم في الناس أكثر من أولئك في أهل ذلك الزمان من العرب" [8].

وسيد الرسل نفسه يمدح الأنصار حسب قول الشيعة: "اللهم اغفر للأنصار، وأبناء الأنصار، وأبنا أبناء الأنصار، يا معشر الأنصار! أما ترضون أن ينصرف الناس بالشاه والنعم، وفى سهمكم رسول الله" [9].

وكذلك "قال النبي صلى الله عليه وسلم: الأنصار كرشي وعيني، ولو سلك الناس واديا، وسلك الأنصار شعباً لسلكتُ شِعب الأنصار" [10].

ويروي المجلسي (والمجلسي هو الملا محمد باقر بن محمد تقي المجلسي، ولد سنة 1037هـ، ومات سنة 1110هـ، من ألد أعداء السنة وخصومهم، ولم يُرَ مثله في الشيعة المتأخرين سليط اللسائ، بذيئاً، فاحشاً، لا يتكلم بكلمة إلا ويتدفق الفحش والهجاء من كلامه، يسمونه (خاتمة المجتهدين) و(إمام الأئمة في المتأخرين)، يقول القمي: "المجلسي إذا أطلق فهو شيخ الإسلام والمسلمين، مروج المذهب والدين، الإمام، العلامة، المحقق، المدقق... لم يوفق أحد في الإسلام مثل ما وفق هذا الشيخ العزم وأمير الخضم والطود الأشم من ترويج المذهب، وإعلاء كلمة الحق، وكسر صولة المبتدعين، وقمع زخارف الملحدين، وإحياء دارس سنن الدين المبين، ونشر آثار أئمة المسلمين بطرق عديدة وأنحاء مختلفة أجلها وأبقاها الرائقة الأنيقة الكثيرة" [11].

وقال الخوانساري: "هذا الشيخ كان إماماً في وقته في علم الحديث وسائر العلوم، وشيخ الإسلام بدار السلطنة أصفهان، رئيساً فيها بالرياسة الدينية والدنيوية، إماماً في الجمعة والجامعة... ولشيخنا المذكور مصنفات منها كتاب (بحار الأنوار) الذي جمع فيه جميع العلوم وهو يشتمل على مجلدات، وكتب كثيرة في العربية والفارسية" [12]- عن الطوسي رواية موثوقة عن علي بن أبي طالب أنه قال لأصحابه: "أوصيكم في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، لا تسبوهم، فإنهم أصحاب نبيكم، وهم أصحابه الذين لم يبتدعوا في الدين شيئاً، ولم يوقروا صاحب بدعة، نعم! أوصاني رسول الله في هؤلاء" [13].

ويمدح المهاجرين والأنصار معاً حيث يجعل في أيديهم الخيار لتعيين الإمام وانتخابه، وهم أهل الحل والعقد في القرن الأول من بين المسلمين وليس لأحد أن يرد عليهم، ويتصرف بدونهم، ويعرض عن كلمتهم، لأنهم هم الأهل للمسلمين والأساس كما كتب لأمير الشام معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهما رداً عليه دعواه بإمرة المؤمنين وحكم المسلمين، فإن الإمام من جعله أصحاب محمد إماماً لا غير، فها هو علي بن أبى طالب رضي الله عنه يذكّر معاوية بهذه الحقيقة ويستدل بها على أحقيته بالإمامة، والكلام من كتاب القوم:

"إنما الشورى للمهاجرين والأنصار، فإن اجتمعوا على رجل وسموه إماماً كان ذلك لله رضى، فإن خرج منهم خارج بطعنٍ أو بدعةٍ ردوه إلى ما خرج منه، فإن أَبَى قاتلوه على اتباعه غير سبيل المؤمنين، وولاه الله ما تولى" [14].

فما موقف الشيعة من علي بن أبى طالب رضي الله عنه ومن كلامه هذا حيث يجعل:
أولاً: الشورى بين المهاجرين والأنصار من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وبيدهم الحل والعقد رغم أنوف القوم.
ثانياً: اتفاقهم على شخص سبب لمرضات الله وعلامة لموافقته سبحانه وتعالى إياهم.
ثالثاً: لا تنعقد الإمامة في زمانهم دونهم، وبغير اختيارهم ورضاهم؛ وقد حل الإشكال من هذا أيضاً بأن الإمامة والخلافة في الإسلام لا تنعقد إلا بالشورى والانتخاب، لا بالتعيين والوصية والتنصيص كما يزعمه الشيعة مخالفين نصوص أئمتهم ومعصوميهم حسب زعمهم.
رابعاً: لا يرد قولهم ولا يخرج من حكمهم (أي الصحابة) إلا المبتدع أو الباغي، والمتبع والسالك غير سبيل المؤمنين.
خامساً: يقاتَل مخالف الصحابة، ويُحكم السيف فيه.
سادساً: وفوق ذلك يعاقب عند الله لمخالفته رفاق رسول الله صلى الله عليه وسلم وأحبائه، المهاجرين منهم والأنصار رضي الله عنهم ورضوا عنه، وأولاد عليّ على شاكلته.

فها هو علي بن الحسين الملقب بزين العابدين؛ الإمام المعصوم الرابع عند القوم، وسيد أهل البيت في زمانه يذكر أصحاب محمد عليه الصلاة والسلام، ويدعو لهم في صلاته بالرحمة والمغفرة لنصرتهم سيد الخلق في نشر دعوة التوحيد وتبليغ رسالة الله إلى خلقه فيقول: "فاذكرهم منك بمغفرة ورضوان، اللهم وأصحاب محمد خاصة، الذين أحسنوا الصحبة، والذين أبلوا البلاء الحسن في نصرته، وكاتفوه وأسرعوا إلى وفادته، وسابقوا إلى دعوته، واستجابوا له حيث أسمعهم حجة رسالته، وفارقوا الأزواج والأولاد في إظهار كلمته، وقاتلوا الآباء والأبناء في تثبيت نبوته، والذين هجرتهم العشائر إذ تعلقوا بعروته، وانتفت منهم القرابات إذ سكنوا في ظل قرابته، اللهم ما تركوا لك وفيك، وأرضهم من رضوانك وبما حاشوا الحق عليك، وكانوا من ذلك لك وإليك، واشكرهم على هجرتهم فيك ديارهم وخروجهم من سعة المعاش إلى ضيقه ومن كثرة في اعتزاز دينك إلى أقلة، اللهم وأوصل إلى التابعين لهم بإحسان الذين يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان خير جزائك، الذين قصدوا سمتهم، وتحروا جهتهم، لو مضوا إلى شاكلتهم لم يثنهم ريب في بصيرتهم، ولم يختلجهم شك في قفو آثارهم والائتمام بهداية منارهم مكانفين وموازرين لهم، يدينون بدينهم، ويهتدون بهديهم، يتفقون عليهم، ولا يتهمونهم فيما أدوا إليهم" [15].

وواحد من أبنائه: حسن بن علي المعروف بالحسن العسكري الإمام الحادي عشر عند القوم يقول في تفسيره: "إن كليم الله موسى سأل ربه هل في أصحاب الأنبياء أكرم عندك من صحابتي؟ قال الله: يا موسى! أما عملت أن فضل صحابة محمد صلى الله عليه وسلم على جميع صحابة المرسلين كفضل محمد صلى الله عليه وسلم على جميع المرسلين والنبيين" [16].

وكتب بعد ذلك في تفسير الحسن العسكري: "إن رجلاً ممن يبغض آل محمد وأصحابه الخيرين أو واحداً منهم يعذبه الله عذاباً لو قسم على مثل عدد خلق الله لأهلكهم أجمعين" [17].

ولأجل ذلك قال جده الأكبر علي بن موسى الملقب بالرضا الإمام الثامن عند الشيعة حينما "سئل عن قول النبي صلى الله عليه وسلم: "أصحابي كالنجوم فبأيهم اقتديتم اهديتم" -وينبغي الانتباه أننا ننقل هذه الرواية من الشيعة أنفسهم، فالرواية روايتهم وهي حجة عليهم- وعن قوله عليه السلام: "دعوا لي أصحابي"؟ فقال عليه السلام: هذا صحيح" [18].

هذا ونقل ما قاله ابن عم النبي وابن عم علي رضي الله عنه عبد الله بن عباس فقيه أهل البيت وعامل علي رضي الله عنه أنه قال في حق الصحابة: "إن الله جل ثناؤه وتقدست أسماءه خص نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم بصحابة آثروه على الأنفس والأموال، وبذلوا النفوس دونه في كل حال، ووصفهم الله في كتابه فقال: {رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ}، قاموا بمعالم الدين، وناصحوا الاجتهاد للمسلمين، حتى تهذبت طرقه، وقويت أسبابه، وظهرت آلاء الله، واستقر دينه، ووضحت أعلامه، وأذل بهم الشرك، وأزال رؤوسه ومحا دعائمه، وصارت كلمة الله هي العليا وكلمة الذين كفروا هي السفلى، فصلوات الله ورحمته وبركاته على تلك النفوس الزاكية، والأرواح الطاهرة العالية، فقد كانوا في الحياء لله أولياء، وكانوا بعد الموت أحياء، وكانوا لعباد الله نصحاء، رحلوا إلى الآخرة قبل أن يصلوا إليها، وخرجوا من الدنيا وهم بعد فيها" [19].

ويروي ابن علي بن زين العابدين محمد الباقر رواية تنفى النفاق من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتثبت لهم الإيمان ومحبة الله عز وجل كما أوردها العياشي والبحراني -وهو هاشم بن سليمان بن إسماعيل، ولد في قرية من قرى التوبلى في منتصف القرن الحادي عشر ومات في السنة 1107هـ. قال فيه الخوانساري: "فاضل عالم ماهر مدق فقيه عارف بالتفسير والعربية والرجال، وكان محدثاً فاضلاً، جامعاً متتبعاً للأخبار بما لم يسبق إليه السابق سوى شيخنا المجلسي، ومن مصنفاته (البرهان في تفسير القرآن) [20]- في تفسيريهما تحت قول الله عز وجل: {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ}:

عن سلام قال: كنت عند أبي جعفر، فدخل عليه حمران بن أعين، فسأله عن أشياء، فلما هم حمران بالقيام قال لأبي جعفر عليه السلام: أخبرك أطال الله بقاءك وأمتعنا بك، إنا نأتيك فما نخرج من عندك حتى ترق قلوبنا، وتسلوا أنفسنا عن الدنيا، وتهون علينا ما في أيدي الناس من هذه الأموال، ثم نخرج من عندك، فإذا صرنا مع الناس والتجار أحببنا الدنيا؟ قال: فقال أبو جعفر عليه السلام: إنما هي القلوب مرة يصعب عليها الأمر ومرة يسهل، ثم قال أبو جعفر: أما إن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا: يا رسول الله نخاف علينا النفاق، قال: فقال لهم: ولم تخافون ذلك؟ قالوا: إنا إذا كنا عندك فذكرتنا روعنا، ووجلنا، نسينا الدنيا وزهدنا فيها حتى كأنا نعاين الآخرة والجنة والنار ونحن عندك، فإذا خرجنا من عندك، ودخلنا هذه البيوت، وشممنا الأولاد، ورأينا العيال والأهل والمال، يكاد أن نحول عن الحال التي كنا عليها عندك، وحتى كأنا لم نكن على شيء، أفتخاف علينا أن يكون هذا النفاق؟ فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: كلا، هذا من خطوات الشيطان. ليرغبنكم في الدنيا، والله لو أنكم تدومون على الحال التي تكونون عليها وأنتم عندي في الحال التي وصفتم أنفسكم بها لصافحتكم الملائكة، ومشيتم على الماء، ولولا أنكم تذنبون، فتستغفرون الله لخلق الله خلقاً لكي يذنبوا، ثم يستغفروا، فيغفر الله لهم، إن المؤمن مفتن تواب، أما تسمع لقوله: {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ} وقال: {اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ} [21].

وأما ابن الباقر جعفر الملقب بالصادق يقول: "كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم اثنى عشر ألفا، ثمانية آلاف من المدينة، وألفان من مكة، وألفان من الطلقاء، ولم ير فيهم قدري ولا مرجئ ولا حروري ولا معتزلي، ولا صاحب رأي، كانوا يبكون الليل والنهار ويقولون: اقبض أرواحنا من قبل أن نأكل خبز الخمير" [22].

هذا ولقد روى علي بن موسى الرضا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "من زارني في حياتي أو بعد موتى فقد زار الله تعالى" [23].

ورسول الله صلى الله عليه وسلم الصادق الأمين وسيد الخلائق نفسه يشهد لأصحابه بالسعادة والجنة حيث يقول، ويرويه القمي - هو أبو جعفر محمد بن علي بن الحسن بن بابويه القمي الملقب بالصدوق، من مواليد أوائل القرن الرابع من الهجرة، وتوفي سنة 381 من الهجرة، ونشأ بقُم، وقُبِر بالرِي، هو من كبار القوم ومحدثيهم، وكتابه (من لا يحضر الفقيه) أحد الكتب الأربعة التي تعد من أهم الكتب وأصحها في الحديث عند الشيعة، كما أن له مصنفات عديدة أخرى، وهو من المكثرين، كما أن كتبه عمدة لمذهب الشيعة، يقول الشيعة فيه: "لم ير في القميين مثله في حفظه وكثرة علمه. (أعيان الشيعة) ج1 ص104 و(الخلاصة) للحلي).

كما يقولون: "ولد هو وأخوه بدعوة صاحب الأمر علي يد السفر الحسين بن الروح، فإنه كان الواسطة بينه وبين ابن البابويه [24] قال فيه المجلسي: "وثقه جميع الأصحاب لما حكموا بصحة جميع أخبار كتابه يعني صحة جميع ما قد صح عنه من غير تأمل، بل هو ركن من أركان الدين" (نقلاً عن الخوانساري ج2 ص132)- محدث القوم وإمامهم والملقب بالصدوق في كتابه الذي طبعته الشيعة أنفسهم: "عن أبي أمامة أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: طوبى لمن رآنى وآمن بي" [25].

وروى الميري القمي -وهو أبو العباس عبد الله بن جعفر بن الحسن الحميري القمي؛ "شيخ القميين ووجههم، ثقة من أصحاب محمد العسكري (ع)، قدم الكوفة سنة نيف وتسعين ومائتين، وسمع أهلها منه، فأكثروا، وصنف كتباً كثيرة منها كتاب (قرب الإسناد) [26] وهو من أساتذة الكليني، قد روي عنه في الكافي روايات عديدة، وله مكاتبات مع أبي الحسن، كما أنه كاتب مع أبي محمد (من أئمة الشيعة المزعومين) (مقدمة قرب الإسناد ص2)- روى مثل هذه الرواية عن جعفر بن باقر عن أبيه: "أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: من زارني حياً وميتاً كنت له شفيعاً يوم القيامة" [27].

موقف الشيعة من الصحابة
فهذا هو موقف أهل البيت من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم خيار خلق الله وصفوة الكون.

وأما الشيعة الذين يزعمون أنهم أتباع أهل البيت والمحبون الموالون لهم، فإنهم يرون رأيا غير هذا الرأي محترقين على جهادهم المستمر، ومنتقمين على فتوحاتهم الجبارة الكثيرة التي أرغمت أنوف أسلافهم، وكسرت شوكة ماضيهم ومزقت جموع أحزابهم، ودمرت ديارهم وأوكار كفرهم.

الصحابة الذين أذلوا الشرك والمشركين، وهدموا الأوثان والأصنام التي كانوا يعبدونها ويعتكفون عليها، أزالوا ملكهم وسلطانهم، وخربوا قصورهم وحصونهم ومنازلهم، وأنزلوا فيها الفناء، وأعلوا عليها راية التوحيد وعلم الإسلام شامخاً مترفرفاً، فاجتمع أبناء المجوس واليهود، وأبناء البائدين الهالكين الذين أرادوا سد هذا النور النير، والوقوف في سبيل وطريق هذا السيل العرم، اجتمعوا ناقمين، حاقدين، حاسدين، محترقين، واقتنعوا بقناع الحب لآل البيت وآل البيت منهم براء، وسلّوا سيوف أقلامهم وألسنتهم ضد أولئك المجاهدين المحسنين، رفاق رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه المشغوفين بحبه، والمفعمين بولائه، والمميتين في إطاعته واتباعه، والراهنين كل ثمين ونفيس في سبيله، والمضحين بأدنى إشاراته الآباء والأولاد والمهج، المقتفين آثاره، المتتبعين خطواته، السالكين منهجه، الغر الميامين رضوان الله عليهم أجمعين.

فقال قائلهم: إن الناس كلهم ارتدوا بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم غير أربعة. والغريب أن أبناء اليهودية الأثيمة يطيعون مثل هذه الكتب الخبيثة المليئة من العيب والشتم لأهل خير القرون وخير الأمة، ثم يتضوغون عن الكتب التي كتبت رداً عليهم مثل كتاب (الشيعة والسنة) للمؤلف لتبيين مذهبهم، وإظهار ما يكنونه في صدورهم تجاه الأمة المرحومة ومحسنيها، ويقولون: إنه لا ينبغي كتابة مثل هذه الكتب وطبعها ونشرها في زمان، المسلمون أحوج ما يكون إلى الاتحاد والاتفاق، ونحن لا ندري أي اتحاد ووفاق يريدون؟

نحن لا نسب القوم ولا نشتم قادتهم، بل كل ما نعمل نبدي للرأي العام ما عمله القوم الأمس وما يعملونه اليوم. فمن أي شيء يخافون؟

ثم ولم نفهم من بعض من يسمي نفسه متنوراً، واسع الأفق، فسيح القلب، وسيع الظرف، محباً للتقريب والوفاق من أهل السنة، البلهاء أو المغترين، لا نفهم منهم حينما يعترضون علينا بأننا لم نقم بإحقاق الحق وإبطال الباطل؟ ولم ندافع عن أولئك القوم الذين لو ما كانوا كنا عباد البقر أو النجوم أو اللات والمناة والعزى والثالث، أو الحجر والشجر، ولو ما رفعوا راية الإسلام، وحملوا لواء التوحيد ما عرفنا ربنا عز وجل ونبينا وقائدنا محمداً صلوات الله وسلامه عليه، وما علمنا ماذا أنزله الرحمن على عبده وحبيبه، وما تركه المصطفى من سنته وحكمته، وما عرفنا القرآن الذي أنزله نوراً وهدى ورحمة للعالمين.

نعم: يقلق مضاجع هؤلاء المتنورين هذا، ولا يفجعون عن كتاب سليم بن قيس العامري الذي قال فيه جعفرهم -نعم جعفرهم، لا الجعفر الصادق الذي نعرفه ونعلمه- قال: من لم يكن عنده من شيعتنا ومحبينا كتاب سليم بن قيس العامري، فليس عنده من أمرنا شيء وهو سر من أسرار محمد صلى الله عليه وسلم [28]، هذا الكتاب الذي لم نجد صفحة من صفحاته، ولا ورقة من أوراقه إلا وهي مليئة بأقذر الشتائم وأخبث السباب، وكتاب سليم ومثله كتب للقوم لا تعد ولا تحصى، فإنا لله وإنا إليه راجعون، فنقول لهؤلاء القوم عديمي الغيرة، وفاقدي الحمية: فليهنأ لكم التنور، وليهنأ لكم التوسع، فأما نحن فلن ولن نتحمل هذا، ولن ولن نسكت عن ذلك إن شاء الله ما دامت العروق يجري فيها الدم، وما دام الروح في الجسد واللسان يتكلم.

هذا ومثل هذا كثير.
ولقد تقدم (بخاري القوم) محمد بن يعقوب الكليني إلى أبعد من ذلك فقال: "كان الناس أهل ردة بعد النبي إلا ثلاثة: المقداد بن الأسود، وأبو ذر الغفاري وسلمان الفارسي" [29].

ومثل هذا ذكر المجلسي: "هلك الناس كلهم بعد وفاة الرسول إلا ثلاثة أبو ذر والمقداد وسلمان" [30].

وللسائل أن يسأل هؤلاء الأشقياء وأين ذهب أهل بيت النبي بما فيهم عباس عم النبي، وابن عباس ابن عمه، وعقيل أخ علي، وحتى علي نفسه، والحسنان سبطا رسول الله؟
ألا تستحيون من الله؟

ثم وأكثر من ذلك قال الكليني في موضع آخر من كتابه: "إن الناس يفزعون إذا قلنا: إن الناس ارتدوا، فقال:….. إن الناس عادوا بعد ما قبض رسول الله r أهل جاهلية، إن الأنصار اعتزلت (يعني عن أبي بكر) فلم تعتزل بخير (أي لم يكن اختيارهم لاختيار الحق أو ترك الباطل، بل اختاروا باطلاً مكان باطل آخر للحمية والعصبية كما ذكر المحشي الملعون على هذه الرواية) جعلوا يبايعون سعداً وهم يرتجزون ارتجاز الجاهلية (كذب وزور يا كذاب!) يا سعد! أنت المرجأ، وشعرك المرجل، وفحلك المرجم" [31].

ومعناه أنه لم يبق ولا واحد، لا أبو ذر ولا سلمان ولا المقداد؟

هذا ويذكر شيعي معاصر عكس ذلك تماماً حيث أن القوم يدعون بأن الصحابة ارتدوا عياذاً بالله بعد أن أسلموا، ولكن أحداً من بقايا القوم الناقمين ينكر حتى دخولهم في الإسلام كما يقول وهو يرد علينا بأننا لم ننصف في اتهامنا الشيعة حسب زعمه بأنهم يكفرون أصحاب الرسول العظيم عليه السلام، وفى أثناء الرد يقر ويثبت ما ذكرناه، فانظر إليه كيف يستأسر في حبله نفسه بنفسه:

"ومع ذلك فإني أقول: إن العرب لم يؤمنوا بمحمد إلا بعد أن قرعت الدعوة الإسلامية أسماعهم (انظر إلى الحقد كيف يتدفق، والبغض كيف يظهر للأمة العربية التي لبّت رسالة الإسلام في باكورة عهدها، وحملتها وأدتها إلى العالم أجمع) أي أن محمد صلى الله عليه وسلم دعاهم أولاً للإسلام فآمن من آمن ….. ومنهم من تأخر عن ذلك، ومنهم من ماطل كثيراً، ومنهم من دخل في الإسلام نفاقاً، ومنهم من دخل خوفاً ورهباً بعد أن ضاقت عليه الأرض، ولم يدخل في الإسلام أحد بدلالة عقله إلا شخصية واحدة [وحتى خرّجوا علياً وأهل بيت النبي حيث لم يذكروا فيمن ذلك إلا سلمان] خرجت من بلادها طلباً للحقيقة، ولاقت صعوبات وأخطاراً حتى ظفرت بالحقيقة عند محمد (يعنى سلمان) فآمنت به" (كتاب الشيعة والسنة في الميزان) ص20، 21 لمؤلف مجهول المقنع بقناع س خ ط بيروت) وهو أي الكتاب الذي حاول مجهوله عبثاً الرد على كتابنا "الشيعة والسنة" حيث لم يستطع في الكتاب كله تغليط عبارة واحدة أو مصدر واحد من العبارات أو المصادر التي ذكرناها في الكتاب، ولا مسألة واحدة، أو نتيجة من النتائج التي استنتجناها في كتابنا كله، ولله الحمد والمنة على ذلك التوفيق الصائب والشرف الذي أولانا الله عز وجل للدفاع عن حرمات النبي، ومقدسات الإسلام، ومحبي الملة الحنيفية البيضاء، اللهم ألهمنا الرشد والسداد، واجعلنا من الذين يعرفون القول ويتبعون أحسنه، ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذي سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلاً للذين آمنوا ربنا إنك رؤوف رحيم.

ويكتب القمي تحت تفسير قوله تعالى: {{C}{C}وَحَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ{C}{C}} [المائدة: 71]: نزل كتاب الله يخبر أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم فقال: {{C}{C}وَحَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ{C}{C}} أي لا يكون اختبار، ولا يمتحنهم الله بأمير المؤمنين عليه السلام"، {فَعَمُوا وَصَمُّوا} قال: حيث كان رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أظهرهم {ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا} حين قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأقام أمير المؤمنين عليه السلام عليهم فعموا وصموا فيه حتى الساعة" [32].

هذا ومثل هذا كثير، انظر لذلك كتابنا (الشيعة والسنة).
فهذا هو موقف الشيعة من الصحابة، وذلك هو موقف أهل البيت منهم.

موقف أهل البيت من الصديق
هذا ونريد بعد ذلك أن نبّين موقف أهل البيت من ثاني اثنين إذ هما في الغار، من الصديق الأكبر رضي الله عنه، فيقول فيه ابن عم النبي وصهره، زوج ابنته، ووالد سبطيه علي بن أبى طالب رضي الله عنه وهو يذكر بيعة أبى بكر الصديق بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم: "عند انثيال (انثيال الناس أي انصبابهم من كل وجه كما ينثال التراب، كما قاله ابن أبي الحديد شارح نهج البلاغة) الناس على أبى بكر، وإجفالهم (الإجفال الإسراع) إليه ليبايعوه: فمشيت عند ذلك إلى أبى بكر، فبايعته ونهضت في تلك الأحداث حتى زاغ الباطل وزهق وكانت كلمة الله هي العليا ولو كره الكافرون، فتولى أبو بكر تلك الأمور فيسر، وسدد، وقارب، واقتصد، فصحبته مناصحاً، وأطعته فيما أطاع الله (فيه) جاهداً" [33].

ويذكر في رسالة أخرى أرسلها إلى أهل مصر مع عامله الذي استعمله عليها قيس بن سعد بن عبادة الأنصاري" "بسم الله الرحمن الرحيم من عبد الله علي أمير المؤمنين إلى من بلغه كتابي هذا من المسلمين، سلامٌ عليكم فإني أحمد الله إليكم الذي لا إله إلا هو. أما بعد، فإن الله بحُسن صنعه وتقديره وتدبيره اختار الإسلام ديناً لنفسه وملائكته ورسله، وبعث به الرسل إلى عباده وخص من انتخب من خلقه، فكان مما أكرم الله عز وجل به هذه الأمة وخصهم (به) من الفضيلة أن بعث محمداً صلى الله عليه وسلم (إليهم) فعلمهم الكتاب والحكمة والسنة والفرائض، وأدّبهم لكيما يهتدوا، وجمعهم لكيما (لا) يتفرقوا، وزكاهم لكيما يتطهروا، فلما قضى من ذلك ما عليه قبضة الله (إليه فعليه) صلوات الله وسلامه ورحمته ورضوانه إنه حميد مجيد. ثم إن المسلمين من بعده استخلفوا امرأين منهم صالحين عملا بالكتاب، وأحسنا السيرة، ولم يتعديا السنة ثم توفاهما الله فرحمهما الله" [34].

ويقول أيضاً وهو يذكر خلافة الصديق وسيرته: "فاختار المسلمون بعده (أي النبي صلى الله عليه وسلم) رجلاً منهم، فقارب وسدد بحسب استطاعته على خوف وجد" [35].

ولِمَ اختار المسلمون أبا بكر خليفة للنبي وإماماً لهم؟ يجيب عليه المرتضى رضي الله عنه وابن عمة الرسول زبير بن العوام رضي الله عنه بقولهما: "وإنا نرى أبا بكر أحق الناس بها، إنه لصاحب الغار وثاني اثنين، وإنا لنعرف له سنة، ولقد أمره رسول الله بالصلاة وهو حي" [36].

ومعنى ذلك أن خلافته كانت بإيعاز الرسول عليه السلام.

وعلي بن أبى طالب رضي الله عنه قال هذا القول رداً على أبي سفيان حين حرضه على طلب الخلافة كما ذكر ابن أبى الحديد وهو عز الدين عبد الحميد بن أبي الحسن بن أبي الحديد المدائني صاحب (شرح نهج البلاغة) المشهور، وهو من أكابر الفضلاء المتتبعين، وأعاظم النبلاء المتبحرين موالياً لأهل بيت العصمة والطهارة... وحسب الدلالة على علو منزلته في الدين وغلوه في ولاية أمير المؤمنين عليه السلام، شرحه الشريف الجامع لكل نفيسة وغريب، والحاوي لكل نافحة ذات طيب... كان مولده في غرة ذي الحجة 586، فمن تصانيفه (شرح نهج البلاغة) عشرين مجلداً، صنفه لخزانة كتب الوزير مؤيد الدين محمد بن العلقمي، ولما فرغ من تصنيفه أنفذه على يد أخيه موفق الدين أبي المعالي، فبعث له مائة ألف دينار، وخلعة سنية، وفرساً [37].

ولد بالمدائن وكان الغالب على أهل المدائن التشيع والتطرف والمغالاة، فسار في دربهم، وتقبل مذهبهم، ونظم العقائد المعروفة بالعلويات السبع على طريقتهم، وفيها غالى وتشيع وذهب به الإسراف في كثير من الأبيات كل مذهب، يقول في إحداها:
 

علمُ الغيوبِ إليه غير مدافع *** والصبح أبيضُ مسفرٌ لا يدفع
وإليه في يومِ المعادِ حسابنا *** وهو الملاذُ لنا غداً والمفزع
ورأيتُ دينَ الاعتزال وإنني *** أهوى لأجلكَ كلَ مَن يتشيع
ولقد علمتُ بأنه لا بُدَ من *** مهديكم وليومِه أتوقع
تحميه من جند الإله كتائبٌ *** كاليمِ أقبلَ زاخراً يتدفع
تالله لا أنسى الحسين وشلوه *** تحت السنابكِ بالعراء مُوزع
لهفي على تلك الدماء تراق في *** أيدي أمية عنوة وتضيع
يأبى أبو العباس أحمد إنه *** خير الورى من أن يطل ويمنع
فهو الولي لثأرها وهو الحمول *** لعبئها إذ كل عود يضلع
والدهر طوع والشبيبة غضة *** والسيف عضب والفؤاد مشيع


ثم خف إلى بغداد، وجنح إلى الاعتزال، وأصبح كما يقول صاحب (نسخة السحر): معتزلياً جاهزياً في أكثر شرحه بعد أن كان شيعياً غالياً، وتوفى في بغداد سنة 655 هـ [38].

يروي آية الله العلامة الحلي عن أبيه عنه: "جاء أبو سفيان إلى علي عليه السلام، فقال: وليتم على هذا الأمر أذل بيت في قريش، أما والله لئن شئت لأملأنها على أبى فصيل خيلاً ورجلاً، فقال علىّ عليه السلام: طالما غششت الإسلام وأهله، فما ضررتهم شيئاً، لا حاجة لنا إلى خيلك ورجلك، لولا أنا رأينا أبا بكر لها أهلاً لما تركناه" [39].

ولقد كررّ هذا القول ومثله مرات وكرات، وأثبتته كتب القوم في صدورها وهو أن علياً كان يعدّ الصديق أهلاً للخلافة، وأحق الناس بها، لفضائله الجمة ومناقبه الكثيرة حتى حينما سُئِل قرب وفاته بعد ما طعنه ابن الملجم من سيكون الإمام والخليفة بعدك؟ فقال كما روى "عن أبى وائل والحكيم عن علي بن أبى طالب عليه السلام أنه قيل له: ألا توصي؟ قال: ما أوصى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأوصى، ولكن قال (أي رسول الله): إن أراد الله خيراً فيجمعهم على خيرهم بعد نبيهم" [40].

وأورد مثل هذه الرواية (علم الهدى) -وهو علي بن الحسين بن موسى المشهور بالسيد المرتضى الملقب بعلم الهدى، وُلِـد سنة 355 هـ، ومات 436 هـ، هو ركن من أركان المذهب الشيعي ومؤسسيه، وقد بالغ الشيعة في مدح أخيه الشريف الرضي صاحب نهج البلاغة مبالغة لا نهاية لها، قال فيه الخوانساري: كان شريف المرتضى أوحد عصره علماً وفهماً، كلاماً وشعراً، وجاهاً وكرماً... وأما مؤلفات السيد فكلها أصول وتأسيسات غير مسبوقة بمقال منها كتاب (الشافي) في الإمامة، أقول: وهو كاسمه شافٍ وافٍ" [41].

وقال القمي: هو سيد علماء الأمة، ومحيي آثار الأئمة، ذو المجدين... جمع من العلوم ما لم يجمعه أحد، فهذا من الفضائل تفرد به وتوحد، وأجمع على فضله المخالف والمؤالف... له تصانيف مشهورة: (الشافي) في الإمامة، لم يصنف مثله في الإمامة... قال آية الله العلامة: ومنه استفاد الإمامية وهو ركنهم ومؤلفهم" [42]- للشيعة في كتابه الشافي:

"عن أمير المؤمنين عليه السلام لما قيل له: ألا توصي؟ فقال: ما أوصى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأوصي، ولكن إذا أراد الله بالناس خيراً استجمعهم على خيرهم كما جمعهم بعد نبيهم على خيرهم" [43].

فهذا هو علي بن أبى طالب رضي الله عنه يتمنى لشيعته وأنصاره أن يوفق الله لهم رجلاً خيّراً صالحاً كما وفق للأمة الإسلامية المجيدة بعد أن اصطدموا بوفاة النبي صلى الله عليه وسلم برجل خيّر صالح، أفضل الخلائق بعد نبيه صلى الله عليه وسلم؛ بأبي بكر الصديق رضي الله عنه إمام الهدى، وشيخ الإسلام، ورجل قريش، والمقتدى به بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم حسب ما سماه سيد أهل البيت زوج الزهراء رضي الله عنهما.

وكما رواه السيد مرتضى (علم الهدى) في كتابه "عن جعفر بن محمد عن أبيه أن رجلاً من قريش جاء إلى أمير المؤمنين عليه السلام، فقال: سمعتك تقول في الخطبة آنفا: اللهم أصلحنا بما أصلحت به الخلفاء الراشدين، فمن هما؟ قال: حبيباي، وعماك أبو بكر وعمر، وإماما الهدى، وشيخا الإسلام. ورجلا قريش، والمقتدى بهما بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، من اقتدى بهما عُصِم، ومن اتبع آثارهما هُدِي إلى صراط المستقيم" [44].

هذا وقد كُرِر في نفس الكتاب هذا: "إن علياً عليه السلام قال في خطبته: خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر وعمر"، ولم لا يقول هذا وهو الذي روى: "أننا كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم على جبل حراء إذ تحرك الجبل، فقال له: قر، فإنه ليس عليك إلا نبي وصديق وشهيد" [45].

فهذا هو رأى علي رضي الله عنه في أبي بكر، نعم! رأي علي الخليفة الراشد الرابع عندنا، والإمام المعصوم الأول عند القوم، الذي يدعون فيه أن من أنكر ولايته فقد كفر، كما قالوا: "الموالي له ناجٍ، والمعادي له كافرٌ هالكٌ، والمتخذ دونه وليجة ضالٌ مشركٌ" [46].

وقد نقلوا من أئمتهم: "أبى الله عز وجل أن يتولى قوم قوماً يخالفونهم في أعمالهم معهم يوم القيامة، كلا ورب الكعبة" [47].

فالمفروض من القوم الذين يدّعون موالاة علي وبنيه أن يتبعوه وأولاده في آرائهم ومعتقداتهم في أصحاب النبي ورفقائه، وخاصة في صاحبه في الغار، الذي نقلنا فيه كلام سيد أهل البيت أمير المؤمنين علي بن أبى طالب رضي الله عنه، ورأيه وعقيدته التي نقلوها في كتبهم هُم، وبعباراتهم أنفسهم، التي ذكرناها آنفا، وكما نحن ذاكرين آراء بقية أهل البيت فيه إن شاء الله.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المراجع:
[1] (نهج البلاغة) ص143 دار الكتاب بيروت 1387هـ بتحقيق صبحي صالح، ومثل ذلك ورد في (الإرشاد) ص126.
[2] (نهج البلاغة) بتحقيق صبحي صالح ص91، 92 ط بيروت.
[3] (نهج البلاغة) بتحقيق صبحي صالح ص177، 178.
[4] (نهج البلاغة) ص383 بتحقيق صبحي صالح.
[5] (نهج البلاغة) ص383 بتحقيق صبحي صالح.
[6] (نهج البلاغة) ص383 بتحقيق صبحي صالح.
[7] (نهج البلاغة) ص557 بتحقيق صبحي صالح.
[8] (الغارات) ج2 ص479، 480.
[9] تفسير (منهج الصادقين) ج4 ص240، أيضاً (كشف الغمة) ج1 ص224.
[10] تفسير (منهج الصادقين) ج4 ص240، أيضاً (كشف الغمة) ج1 ص224.
[11] (الكنى والألقاب) ج3 ص121.
[12] (روضات الجنات) ج2 ص78 وما بعد).
[13] (حياة القلوب للمجلسي) ج2 ص621.
[14] (نهج البلاغة) ج3 ص7 ط بيروت تحقيق محمد عبده وص367 تحقيق صبحي.
[15] صحيفة كاملة لزين العابدين ص13 ط مطبعة طبي كلكته الهند 1248هـ.
[16] تفسير الحسن العسكري ص65 ط الهند، وأيضاً (البرهان) ج3 ص228، واللفظ له.
[17] تفسير الحسن العسكري ص196.
[18] نص ما ذكره الرضا نقلاً عن كتاب (عيون أخبار الرضا) لابن بابويه القمي الملقب بالصدوق تحت قول النبي: أصحابي كالنجوم ج2 ص87.
[19] (مروج الذهب) ج3 ص52، 53 دار الأندلس بيروت.
[20] (روضات الجنات) ج8 ص181، وأيضاً (أعيان الشيعة).
[21] (تفسير العياشي) ج1 ص109، و(البرهان) ج1 ص215.
[22] (كتاب الخصال) للقمي ص640 ط مكتبة الصدوق طهران.
[23] (عيون أخبار الرضا) لابن بابويه القمي ج1 ص115.
[24] (روضات الجنات) للخوانساري ج6 ص136.
[25] (كتاب الخصال) لابن بابويه ج2 ص342.
[26] (الكنى والألقاب) ج2 ص177.
[27] (قرب الإسناد) ص31 ط طهران.
[28] سليم بن قيس العامرى ص 92 ط دار الفنون بيروت.
[29] (كتاب الروضة من الكافي) ج8 ص245.
[30] (حيات القلوب) للمجلسي فارسي ج2 ص640.
[31] (كتاب الروضة من الكافي) ج2 ص296.
[32] "تفسير القمي" لعلي بن إبراهيم ج1 ص175، 176 ط مطبعة النجف 1386هـ.
[33] (الغارات) ج1 ص307 تحت عنوان (رسالة علي عليه السلام إلى أصحابه بعد مقتل محمد بن أبي بكر).
[34] (الغارات) ج1 ص210 ومثله باختلاف يسير في شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد، و(ناسخ التواريخ) ج3 كتاب2 ص241 ط إيران، و(مجمع البحار) للمجلسي.
[35] (شرح نهج البلاغة) للميثم البحراني ص400.
[36] (شرح نهج البلاغة) لابن أبي الحديد الشيعي ج1 ص332.
[37] (روضات الجنات) ج5 ص20، 21.
[38] (الكنى والألقاب) ج1 ص185).
[39] (شرح ابن أبي الحديد) ج1 ص130.
[40] (تلخيص الشافي) للطوسي ج2 ص372 ط النجف.
[41] (روضات الجنات) ج4 ص295 إلى ما بعد.
[42] (الكنى والألقاب ج2 ص39، 40.
[43] (الشافي) ص171 ط النجف.
[44] (تلخيص الشافي) ج2 ص428.
[45] (الاحتجاج) للطبرسي.
[46] (فرق الشيعة للنوبختي) ص41 ط النجف 1951م، و(تفسير القمي) ج1 156 نجف ط تحت آية: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا}.
[47] (كتاب الروضة من الكافي) للكليني ج8 ص254.


إحسان إلهي ظهير


رئيس تحرير مجلة (ترجمان الحديث) لاهور- باكستان

 

إحسان إلهي ظهير

من كبار علماء باكستان والعالم الإسلامي ، توفي رحمه الله يوم الاثنين 1/ شعبان 1407هـ