المرأة النصرانية وحرية الفكر

منذ 2013-02-27

وفي هذا المقال نحاول أن نسلط الضوء على مفهوم الحرية لا سيما حرية الفكر عند المرأة النصرانية، وإلى أي مدى يمكن اعتبار تمتعها بحرية فكر كاملة تتيح لها تقديم النصح والوعظ لغيرها من صاحبات الديانات الأخرى، لا سيما وأن الغرب النصراني يمطرنا على مدار العام بمواثيق حقوق الإنسان التي لا يمارسها إلا قليلاً.


لا يمكن في أي زمان أو مكان الحديث عن حرية الفكر دون التطرق إلى معتقدات من ينادي بحرية العقل والاعتقاد، فلو جاءت الدعوة ممن يعرف عنه استقامة الطريق والمعتقد، ووضوح الرؤية والهدف والمقصد؛ فهي أوراق اعتماده ليلقى القبول والآذان المصغية، والعقول المنتبهة اليقظة، أما إذا جاءت دعوات الحرية تتردد في فضاء من سوء النية، وضعف البنية، وتفكك مجتمعي، وخواء عقلي؛ فسيتم التعامل معها إما بالتهوين من أهميتها، أو بغض الطرف عنها، أو بمحاولة تفنيد تفاصيل فحواها لرد هجومها، ودحض افتراءاتها.

وفي هذا المقال نحاول أن نسلط الضوء على مفهوم الحرية لا سيما حرية الفكر عند المرأة النصرانية، وإلى أي مدى يمكن اعتبار تمتعها بحرية فكر كاملة تتيح لها تقديم النصح والوعظ لغيرها من صاحبات الديانات الأخرى، لا سيما وأن الغرب النصراني يمطرنا على مدار العام بمواثيق حقوق الإنسان التي لا يمارسها إلا قليلاً.

سهام مسمومة:
ونبدأ بالسهام التي توجه إلى المرأة المسلمة من خلال الإعلام المضلل سواء العربي أو الغربي؛ وفي أماكن العمل ووسائل المواصلات، أو ربما حتى في بعض الحالات من داخل عقر دارها إذا كان من بين أهلها من فتن بأناشيد الغرب وترانيمه عن مفهوم الحرية. فتارة تنطلق السهام إليها متهمة إياها بالرجعية، وتارة يذرفون الدمع الخادع على ما يرونه ظلماً لها، وانتقاصاً من حقوقها، وتارة أخرى يصبون الأفكار الهدامة إلى أذنيها، ويقدمون لها الأدلة المفتراة التي في كثير من الأحيان تكون دليلاً ضدهم وليس ضد الإسلام.

والحقيقة التي لا يمكن إنكارها هنا أنه كما تربى المسلمون على الدعوة إلى سبيل ربهم بالحكمة والموعظة الحسنة، وعدم الجور ضد الآخر، أو انتهاك حرماته وماله وعرضه؛ تربى أصحاب الديانات الأخرى التي طالتها أيادي التحريف الباطلة على انتهاج ما يسمى بالتبشير سواء بالنصرانية أو اليهودية؛ إلا أن حديثنا هذه المرة عن وضع المرأة في النصرانية وفكرها لا يبتعد كثيراً عن مساعي التبشير المسيحي؛ فكلاهما يصب في مصب واحد وهو خلع نواقص النفس على الغير. فالتبشير بالنصرانية لا تدع جحافله فرصة للاقتراب من فواجع الناس وآلامهم إلا واستغلوها بمهارة، ليس بالطبع بغرض إيمان ومحبة خالصين؛ ولكن بكل تأكيد لوضع بذور النصرانية في كل مكان مهما كانت بساطته وسذاجة أهله، وضعفهم وحاجتهم.

وبالرغم من ذلك لا يمكن لنا إلا أن نحمد الله على الصمود القابع في قلب الإنسان المسلم رجلاً كان أو امرأة؛ فبالرغم من الآلام والويلات التي يتجرعها المسلمون في أنحاء الأرض في أغلب الوقت على أيدي أباطرة الغرب المسيحي؛ إلا أن المسلم شديد الحماس لدينه ونبيه صلى الله عليه وسلم، ولا نبالغ إذا قلنا أن المسلمين حتى من عامة الناس لديهم لين في القلب كبير، وحب لربهم ودينهم، فتراهم يعظمون به شعائر الله، ويناصبون العداء لمن حاول النيل من دينهم، ويستمعون به إلى من يدعوهم إلى الالتزام بدين الله؛ ويستنكرون به إدانة علمائهم، أو التقليل من شأنهم، أو من شأن دينهم وشعائرهم، هذا هو الإيمان الخافت في قلوبهم. ولا يعني ذلك أن جميع المسلمين على هذا القدر الجليل من الصمود، إلا أن معظمهم مهما قلت درجة علمهم وثقافتهم يعلمون أن إخوانهم وأخواتهم من أهل الإسلام في المشرق والمغرب يستباح عرضهم، وتنزف دماؤهم على أيدي من لا يقيمون للدين وزنا.

دعوة عيسى عليه السلام وتحريف رسالته:
الإنسان في عقيدة المسلم ينجو بعمله لا بالوساطة التي لا فضل له فيها، ويحمل وزره ولا يحمل الأوزار من ميراث الآباء الأولين، وكل مفاضلة بين عقيدة وعقيدة عند المسلم فمردها إلى سبب، وسببها قائم على فضيلة جاء بها الشرع، ويفهمها العقل، ويطمئن إليها الضمير، وهذه بالطبع رؤيتنا ورؤية كل هؤلاء المسلمين التي يمكن لهم الرد بها على من يدعون أن صلب المسيح كان لخلاص الجنس البشري من الخطيئة، وأمثالها من الفرى. ولا يمكن للمسلم ومن غير المسموح له في العقيدة الإسلامية على الإطلاق أن يفرق في إيمانه برسل الله جميعاً، بل إن آيات القرآن الكريم تمجد مريم العذراء أم المسيح تكريماً يفوق غيرها من النساء، ويهب الله عيسى عليه السلام الوجاهة والمجد في الدنيا والآخرة؛ وهذا ما يعلمه المسلمون تماماً، ولا يملك عاقل منهم رفضه، أو حتى التشكيك فيه؛ فأين يكمن الخلاف إذًا؟

الحقيقة أن الخلاف ليس فقط في قول النصارى الشركي الصارخ بأن المسيح ابن الله، ولا في كون المسيح نفسه كان يلقب نفسه بـ(ابن الإنسان)، وهو نفس ما أخبرتنا به الآية الكريمة في قوله تعالى في سورة المائدة: {وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نفْسِي وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلامُ الْغُيُوبِ . مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنْ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ} [المائدة: 116، 117]، لكن الخلاف بعينه فيما شاب دعوة عيسى عليه السلام من بعده على أيدي تلاميذه الذين قدموا شروحاتهم وتفسيراتهم لآيات الكتاب المقدس الأصلية ليخرجوا كتباً أخرى تناقض بعضها في أحيان كثيرة، وتبدل أصولاً كانت قائمة في عهد المسيح.

فمن ينكر الحرية والمحبة والسلام التي دعا لها نبي الله عيسى عليه السلام؟ لم لا وهو الذي أنهكه بنو إسرائيل بتعنتهم وصلفهم، وضيق عقولهم، فحاول أن يسترد كرامة الإنسان من دنس المادية، وسعى لرفع قدر المرأة وإنقاذها من مستنقع الرذيلة اليهودي النجس. إلا أنه بانتهاء حقبة المسيح اندثرت تدريجياً تلك التعاليم والقيم السامية لتظهر للعالم فيما بعد نصوص يعافها لسان وقلب من ليس على دين أصلاً وليس المسيح عليه السلام نفسه كما في كتاب (نشيد الإنشاد) -على سبيل المثال لا الحصر- ويطل على العالم من أطلق على نفسه (بولس الرسول) الذي يعد هو مؤسس النصرانية التي ابتعدت عن تعاليم المسيحية، وأشهر كتبه هو العهد الجديد، وهو الوحيد الذي ادعى النبوة دون سائر الإنجيليين.

رسائل بولس والإجهاز على حرية الفكر:
يرى (شارل جنيير) في كتابه (المسيحية نشأتها وتطورها) أن: "الدراسة المفصلة لرسائل بولس الكبرى تكشف لنا النقاب عن مزيج من الأفكار الغريبة جداً، فهي مزيج من الأفكار اليهودية، والمفاهيم الوثنية اليونانية". والحقيقة أنه لم ينل من رسالة عيسى الربانية الخالصة مثلما نال منها بولس من خلال رسائله التي تشكل ما يقرب من نصف العهد الجديد، والتي ناقض فيه نفسه في أكثر من موضع متأرجحاً بين تأليه المسيح، أو إضفاء الصفة البشرية عليه. بل إن في كتبهم إشارات صريحة أو مضمونة إلى ضعف مكانة العقل أو التمييز، وقد تأتي أصلاً أو عرضاً غير مقصودة، وقد يلمح فيها القارئ كثيراً من الزراية بالعقل، أو التحذير منه، لأنه برأيهم مزلة العقائد، وباب من أبواب الدعوى والإنكار، خصوصاً إذا كان في ذات ما يدعون إليه ما يخالف العقل الصحيح (مثال فكرة التثليث).

وبالفعل كان ذلك ما اجتهد في العمل عليه بولس، فكانت نصوص رسائله تقلل من أهمية الفكر وخاصة لدى المرأة، فهو من قال في رسالته الأولى إلى كورنثوس (14: 34): "لِتَصْمُتْ النِّسَاءُ فِي الْكَنَائِسِ، فَلَيْسَ مَسْمُوحاً لَهُنَّ أَنْ يَتَكَلَّمْنَ، بَلْ عَلَيْهِنَّ أَنْ يَكُنَّ خَاضِعَاتٍ، كما يقول الناموس أيضاً. وَلَكِنْ إِذَا رَغِبْنَ فِي تَعَلُّمِ شَيْءٍ مَا فَلْيَسْأَلْنَ أَزْوَاجَهُنَّ فِي الْبَيْتِ، لأَنَّهُ عَارٌ عَلَى الْمَرْأَةِ أَنْ تَتَكَلَّمَ فِي الْجَمَاعَةِ"؛ وهو ما يعني حرمان المرأة من حق العلم والعبادة فكيف الحال في حال الفكر وإعمال العقل والاجتهاد، وهو بذلك لم يبتعد كثيراً عن أفكار الفيلسوف اليوناني أرسطو الذي قال: "إن الطبيعة لم تزود المرأة بأي استعداد عقلي يعتد به"، فهل يمكن أن يكون ذلك من رسالة المسيح بمكان؟!

ليس هذا فحسب فللمرأة في الأناجيل المختلفة صورة سلبية؛ فها هي في الإنجيل الكاثوليكي قيل فيها: "لا يوجد خطيئة يمكن مقارنتها بخطيئة المرأة، فأي خطيئة تكون وراءها امرأة، وبسبب المرأة سنموت جميعاً". والمرأة في النصرانية محرومة من حقوق كثيرة تعد بديهية إذا ما قورنت بحقوق المرأة المسلمة؛ فهي قاصرة عن الإدلاء بشهادتها حتى وإن كانت متهمة بجريمة شنعاء كالزنا فلا حق لها في الدفاع عن نفسها، كما أنها لا بد وأن تكون خاضعة لرجلها مسلوبة الفكر؛ وهو ما يتضح من رسالة كولوسي (3: 18): "أيها النساء اخضعن لرجالكن كما يليق في الرب"، والأكثر من ذلك أن هناك من المثقفين النصرانيين يرون في خضوع المرأة تدريباً إلهياً لها! ناهيك عن أنها وفقاً للتعاليم الدينية أيضاً ليس من حقها الطلاق في حال استحالة العشرة بينها وبين زوجها، أو وجود مانع يحول دون استمرار ذلك الزواج.

الرهبنة والرؤية الغربية:
ظلت حالة الرهبنة مثار انتقاد كبير بين المفكرين النصارى أنفسهم لما علموا عنها من مثالب ومناقص متعددة، وبالرغم من أن الكنائس تحاول أن تضفي على الرهبنة النسائية هالة من القداسة والرونق؛ إلا أن كتاباً ومفكرين غربيين رفعوا أصواتهم في انتقادها برؤى مختلفة يقول نيكولاوس فون كليمانجيس أحد علماء اللاهوت، وعميد جامعة باريس سابقاً: "أن تترهبن المرأة اليوم فمعنى هذا أنها أسلمت نفسها للعهارة".

وفي تعليق جيروم على رسالة بولس إلى أهل إفسس قال: "بما أن المرأة خُلِقَت للولادة والأطفال فهي تختلف عن الرجل كما يختلف الجسد عن الروح، ولكن عندما ترغب المرأة في خدمة يسوع أكثر من العالم فعندئذ سوف تكف عن أن تكون امرأة وستسمى رجلاً"، وفي رسالة كورنثوس الأولى: "وأقولُ لِغَيرِ المُتَزوِّجينَ والأرامِلِ إنَّهُ خَيرٌ لهُم أنْ يَبْقَوا مِثْلي، هَل أنتَ غيرُ مُقتَرِنٍ بامرأةٍ؟ إذاً لا تَطلُبِ الزَّواجَ بامرأة". ويقول كارل هاينتس ديشنر فى كتابه الصليب ذو الكنيسة: "قال سيمون دي بوفوا لقد أسهمت العقيدة النصرانية في اضطهاد المرأة، ولم تقم بدور بسيط في هذا".

التعنت النصراني ونضال المرأة للتحرر من القيود:
يقول القس فيليب ربابورت: "وفقاً لمعتقدات آباء الكنيسة فالمرأة مخلوق نجس، وهي الإغواء الذي جلب الخطيئة إلى العالم"، ويقول الفيلسوف ربابورت: "يمكننا المضي قدماً فيما يلي لتسليط الضوء على المراحل التي حاولت من خلالها المرأة المسيحية انتزاع بعض حقوقها المسلوبة حتى وإن كان في ذلك تحدٍ صريح لشرائع النصرانية؛ فالمرأة حتى عام 1882 لم يكن يحق لها أن تمتلك شيئاً، ولم يكن يحق لها أن تقرأ حتى في الكتاب المقدس، ولم يبدأ تقريباً الاعتراف بحقوقها، وتعديل القوانين الخاصة بها إلا في عام 1919 بعد أن صارت المرأة أكثر اضطلاعاً بحقوقها، وأكبر تأثيراً في المجتمع، وبعدما انتهت سطوة رجال الكنيسة في أوروبا إلى حد كبير، وخرج الغرب من عصوره المظلمة بفضل منارة الحضارة الإسلامية، وعلمائها، ومفكريها الأوائل.

ولم تتوقف محاولات المرأة النصرانية للمطالبة بحقوقها الأساسية، ونبذ التابوهات التي كان من الممنوع الاقتراب منها، كقضية الطلاق؛ التي كان لا يمكن أن يسمع عن وقوعها في النصرانية إلا في حالة ارتكاب الزوجة لجريمة الزنا، فظهر ما يعرف بالطلاق المدني في الغرب، وأقره المجتمع، أما في الشرق فلجأ أصحاب الديانة المسيحية في كثير من الحالات إلى رفع القضايا أمام محاكم مرجعها الشريعة الإسلامية بحثاً عن العدل والإنسانية؛ اللذين ميزتهما الشريعة الإسلامية، ودافعت عنهما حفاظاً على حقوق جميع البشر من ذكر وأنثى، وقال تعالى في سورة النحل: {منْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [النحل: 97].

وهكذا كانت مراحل تطور فكر المرأة في النصرانية من الخضوع والخنوع إلى محاولة انتزاع الحقوق بقوة؛ وهو ما دفع رعاة الكنيسة في العصر الحديث إلى مدح دور المرأة، والثناء عليها، وتبجيل دورها في المجتمع والكنيسة؛ وذلك في محاولة للتغطية على التعاليم المجحفة التي يكتظ بها الكتاب المقدس. إذ نجد (يوحنا بولس الثاني) كتب رسالة راعوية عام 1988م بعنوان: (كرامة المرأة) وضع فيها أهم المبادئ للتعليم الكنسي فيما يختص بكرامة المرأة، ودعوتها في خدمة بيتها ومجتمعها وكنيستها، فهل لا تزال لدعوات الغرب النصراني بتحرير المرأة المسلمة آذان تسمعها؟ وهل يمكن بعد ذلك أن توجه سهام الأذى إلى نساء الإسلام بأنهن مسلوبات الحقوق والإرادة بينما منحتهن الشريعة العظيمة التي أتى بها نبي الإسلام محمد صلى الله عليه وسلم حقوقهن منذ قرون مضت؟ يقول تعالى في سورة النور: {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [النور: 63].