التوظيف السياسي لعقيدة (الانتظار) في العقلية (الصهيو مسيحية)

منذ 2013-04-14

الانتظار الذي نقصده هنا، هو انتظار المخلص أو المسيح عند كل من اليهود والنصارى، ولا يفوتنا في هذا المقام بيان أثر هذه العقيدة على السياسات المتبعة في كل من إسرائيل وأمريكا على وجه التحديد


ما بين تديين السياسية وتسييس الدين دارت تحركات معظم الكيانات المجتمعية، جماعات كانت أم دولًا أم إمبراطوريات، حيث حلا للبعض إضفاء الصبغة الدينية على كل توجه يقوم به الحاكم وإن خالف معلومًا من دين المحكومين بالضرورة، في المقابل رأينا دولًا تسخِّر كافة طاقاتها لتأييد فكرة دينية تعتقدها، وهذا الأمر ليس مقصورًا على ملة معينة أو زمن محدد، فلقد وجد منه الكثير في القديم والحديث باختلاف الدول والديانات والثقافات.

ولعل النظرة الإلحادية للنص "الديني" تعطينا تفسيرًا أوضح لهذه الرؤية، حيث ترى هذه النظرة أن: "الأديان والمعتقدات لم تأت ولم تتكون لبناتها إلا من أجل بناء مشروع قومي سياسي واجتماعي محدد الهوى والهوية يلح على الوجود والتواجد" (تديين السياسة أم تسييس الدين (2)- الناسخ والمنسوخ تردد إلهي أم مواقف سياسية- سامي لبيب- الحوار المتمدن)، ولهذا يرى هذا الزاعم أن النبي- أي نبي- "هو من صاغ وسطَّر النص ليخدم أهدافه ومشاريعه.. أي أن السياسي هو السابق على النص فكرًا وإرادة؛ لذا لم يتورع في أن يشكل النص ويصوغه كما يريد ليخدم أجندته السياسية" (تديين السياسة أم تسييس الدين (2)- الناسخ والمنسوخ تردد إلهى أم مواقف سياسية- سامي لبيب- الحوار المتمدن) والحاكم "الديني" عند أصحاب هذه النظرة المادية الإلحادية-امتداد طبيعي للنبي "المؤسس". وهذه النظرة قد تصدق على الملل الوضعية والديانات المحرفة، لا على الوحي السماوي، غير أن أنصار النظرة الإلحادية لا يفرقون بين وحي ووضع، فالكل عندهم سواء، والكل عندهم مكفور به غير منزه عن نقص أو عجز أو ضعف.

في المقابل من النظرة السابقة يرى آخرون أن النص الديني سابق ومؤسس للوجهة السياسية، وأن الدين لم يكن في يوم من الأيام بمعزل عن سياسيات أتباعه، يقول القس أكرم لمعي في مقدمة كتابه (الاختراق الصهيوني للمسيحية): "على الرغم من الدور الهام الذي لعبه الدين في الحضارات القديمة وعبر تاريخ الإنسان، إلا أن الدين اليوم لا يلعب دورًا معينًا بقدر ما يدخل كشريك أساسي في كل الأدوار والنظريات" (الاختراق الصهيوني للمسيحية- للقس أكرم لمعي: (ص:10)- دار الشروق).

وفي هذا المقال سيتركز حديثنا حول مسألة تذليل السياسة لخدمة الدين، وستكون عقيدة الانتظار هي مرتكز المقال ومحوره، والانتظار الذي نقصده هنا، هو انتظار المخلص أو المسيح عند كل من اليهود والنصارى، ولا يفوتنا في هذا المقام بيان أثر هذه العقيدة على السياسات المتبعة في كل من إسرائيل وأمريكا على وجه التحديد.

فبادئ ذي بدء نشير إلى أن فكرة الانتظار لا تخص الديانتين اليهودية والنصرانية فقط، بل شاعت في غير هاتين الديانتين، حيث سيطرت هذه الفكرة على الكثير من الديانات والفلسفات، فادعت كل طائفة لأتباعها "منتظرًا" تترقب مجيئه، وتتهيأ لنصرته؛ للخلاص على يديه، ولولا هذه العقيدة لما سمعنا ببعض الديانات، ولما كان لأتباعها أي وجود.

إضافة لما سبق يعتقد المسلمون -وهو الحق- أن الله سيرسل عيسى عليه السلام مرة أخرى إلى الأرض، وأن هذا الإرسال سيتزامن مع خروج المهدي في آخر الزمان، يقول ابن القيم رحمه الله في ذلك: "والأمم الثلاث تنتظر منتظرًا يخرج في آخر الزمان فإنهم وعدوا به في كل ملة، والمسلمون ينتظرون نزول المسيح عيسى بن مريم من السماء لكسر الصليب وقتل الخنزير وقتل أعدائه من اليهود وعباده من النصارى، وينتظرون خروج المهدي من أهل بيت النبوة يملأ الأرض عدلًا كما ملئت جورًا" (إغاثة اللهفان لابن القيم: (2/338)- دار المعرفة- بيروت- 1975م).

المسيحية الصهيونية وأفكار مارتن لوثر:

والناظر للسياسة الأمريكية/اليهودية، يجد سطوة عجيبة لهذا المفهوم- مفهوم الانتظار- على كثير من الساسة وأصحاب القرار الأمريكي فضلا عن الإسرائيلي، حكامًا ومحكومين، وهي سطوة لها من الواقع الديني (اليهومسيحي) ما يحفزها ويقويها. وهذا الأمر ثمرة للدور الذي قام به اليهود منذ مئات السنين، فبفضل جهودهم في تزييف الحقائق وتخريب المعتقد النصراني، تحول اليهود من كونهم شعب قاتل للمسيح، ورافض لقبول فكرته -من وجهة النظر المسيحية- إلى أمة مختارة، فصار النصارى يؤمنون بأنه لا عودة للمسيح ولا خلاص للنصارى بغير عودة اليهود إلى أرض صهيون، ودعمهم وبناء هيكلهم المقدس. حيث استطاع اليهود النفاذ إلى داخل المجال الديني للعقل النصراني والعبث بمنظومة الأفكار لديه، فكان من نتاج هذا الأمر خروج مارتن لوثر رائد حركة الإصلاح الديني بنظراته التجديدية التي دعا فيها إلى إجلال اليهود وتعظيمهم، ورفعهم إلى مقام السادة، يقول لوثر: "شاءت الروح القدس أن تنزل كل أسفار الكتاب المقدس للعالم عن طريق اليهود وحدهم، إنهم الأطفال ونحن الضيوف الغرباء، وعلينا أن نرضى بأن نكون كالكلاب التي تأكل ما يتساقط من فتات أسيادهم اليهود". يضيف "لوثر": "إن إعادة اليهود إلى أرض فلسطين هو تحقيق للنبوءات الواردة بالكتاب المقدس تمهيدًا لعودة المسيح إلى الأرض، وحكمه لها مدة ألف سنة من القدس أرض ميعاد اليهود" (ينظر: خدعة هرمجدون- د. محمد إسماعيل المقدم-دار بلنسيه- 2003م؛ وينظر أيضا: المسيح اليهودي ونهاية العالم- المسيحية السياسية والأصولية في أمريكا- رضا هلال: (ص:30)- مكتبة الشروق- 2000م).

فالكلام السابق لـ لوثر مثّل- في عصره- أحدث نتائج لعلاقة التزاوج بين اليهودية والمسيحية، وهي صورة تختلف شكلًا ومضمونًا عن الواقع العقدي لكلا الديانتين قبل مجيء لوثر، ورغم تغير وجهة نظر لوثر فيما بعد وانقلابه على آرائه السابقة، إلا أن آرائه الأولى ظلت حاضرة لتبشر بعهد جديد من التسامح المسيحي- اليهودي. ويقول سيليج أدلر: "إنه منذ فجر التاريخ الأمريكي كان هناك ميل قوى للاعتقاد لأن مجيء المسيح المنتظر لاحق لعودة الدولة اليهودية، ولم يكن ذلك الرأي مجمعًا عليه بين اللاهوتيين المسيحيين، ولكنه كان يشكل جزءًا من مصفوفة التاريخ الفكري الأمريكي، التي كانت تتضمن دائمًا خيطًا من العصر الألفي السعيد في الفكر المسيحي الأمريكي" (المسيح اليهودي ونهاية العالم- رضا هلال: (ص:53)).

وقد تعمقت هذه العقيدة وانتشر فكرها أكثر، وزاد توغلها في المجتمع الغربي بعد صعود نجم حركة "المسيحية الصهيونية"، و المسيحية الصهيونية حركة "مسيحية يهودية" ترى أن الفرد الصهيومسيحي هو: "إنسان مهتم بمساعدة الله لتحقيق نبوءاته من خلال الوجود العضوي والسياسي لإسرائيل، بدلًا من مساعدته على تحقيق برنامجه الإنجيلي من خلال جسد المسيح" (الدين في القرار الأمريكي- محمد السماك: (ص:11)- هدية مجلة الأزهر لشهر رجب 1433هـ).

ويعتبر ويليام بلاكستون (1841-1935) الممول والرحالة والمبشر الإيفانجيلي واحد من أبرز المسيحيين الصهيونيين الأمريكيين الذين أطلقوا تلك الحركة، وبدأ بلاكستون حركته بكتابه (يسوع قادم) الذي نشر عام 1878، وكان له أثر كبير في البروتستانتية الأمريكية الإيفانجيلية (المسيح اليهودي ونهاية العالم- رضا هلال: (ص:66)).

اليهودية والنصرانية وفاق أم عداء؟

الغريب في العلاقة بين اليهود والمسيحيين أنها في الأساس علاقة عداء، فكلاهما يرى في الآخر عدوًا له، وكلاهما يكفر الآخر ويكْفُر بما يعتقده، ويؤمن أن مصيره في النهاية القتل والإبادة، غير أن الحاصل الآن على أرض الواقع يختلف تمام الاختلاف عن واقع العلاقة بين المعتقدين في القديم. فقد جاء في تلمود اليهود ما نصه: "أن يسوع الناصري موجود في لجات الجحيم بين الزفت والنار، وأن أمه أتت به من العسكري (باندارا) بمباشرة الزنى، وأن الكنائس النصرانية بمقام قاذورات، وأن الواعظين فيها أشبه بالكلاب النابحة، وأن قتل المسيحي من الأمور المأمور بها، وأن العهد مع مسيحي لا يكون عهداً صحيحاً يلتزم اليهودي القيام به، وأنه من الواجب ديناً أن يلعن ثلاث مرات رؤساء المذهب النصراني وجميع الملوك الذين يتظاهرون بالعداوة ضد بني إسرائيل" (الكنز المرصود في قواعد التلمود- ترجمة الدكتور يوسف نصر الله- تصحيح و تعليق: الشيخ مصطفى الزرقا: (ص:15)).

ويفسر (ناتان بيرلمتر) وهو يهودي أمريكي، من حركة (بناي برث)، وهي إحدى المنظمات اليهودية في أمريكا، يفسر أسباب تحالف يهود الولايات المتحدة مع الأصوليين المسيحيين، رغم الخلاف الشديد بينهما، بقوله: "إن الأصوليين الإنجيليين يُفسّرون نصوص الكتاب المُقدّس بالقول: "أن على جميع اليهود، أن يؤمنوا بالمسيح أو أن يُقتلوا في معركة هَرْمَجَدُّون"، ولكنه يقول في الوقت نفسه: "نحن نحتاج إلى كل الأصدقاء لدعم إسرائيل… فإذا جاء المسيح فسوف نفكر بخياراتنا في ذلك اليوم، أما في الوقت الحاضر دعونا نُصلّي للرب ونرسل الذخيرة" (النبوءة والسياسة- جريس هالسيل- ترجمة محمد السماك: (ص:121)- دار الشروق- ط2- 2003م).

فالنصارى يدركون جيدًا أن اليهود كافرون بربهم -الذي هو عيسى عليه السلام بحسب معتقدهم- لكنهم مع ذلك يرون أنهم مضطرون لمساعدة اليهود، ودعمهم في إقامة دولتهم حتى يتهيأ الزمن لعودة ربهم المخلص المزعوم، الذي سيطيح بكل من كفروا به وعلى رأسهم اليهود، ويخلص الأرض من كل شر فيها.

المسيح والمسيح الدجال عند اليهود:

يعتقد اليهود أن مسيحهم من نسل داود عليه السلام، وهو عندهم غير منتظر النصارى، ومن غريب اعتقاداتهم أن الناس عند مجيء ملكهم المنتظر سيدخلون كلهم في دين اليهود أفواجاً ويُقبلون كلهم ما عدا المسيحيين، فإنهم يهلكون لأنهم من نسل الشيطان (راجع: الكنز المرصود في قواعد التلمود: (ص:44)).

فكلا العقيدتين اليهودية، والنصرانية، تحتقر الأخرى وتتربص بالأخرى، ورغم ذلك خرج علينا جيل من صناعة (المسيحية الصهيونية) عمل على التوفيق بين اليهود والنصارى والتلفيق بين دين كلا الطائفتين، وجمعهم على عدو واحد، وتمثل هذا العدو في الإسلام والمسلمين، لذلك فلا تستغرب من عظم الدعم الذي تقدمه الولايات المتحدة لإسرائيل في حروبها ضد المسلمين، ولينزاح عنك عجبك أيضًا من إصرار الغرب المسيحي على زرع هذا الكيان الغاصب في قلب العالم الإسلامي، فبجانب الكره الفطري الذي يحمله اليهود والنصارى للإسلام، هناك منظومة عقدية تبشر بعودة مسيحهم عقب اندحار الإسلام، وعودة الشعب اللقيط إلى أرض صهيون.

جدير بالذكر الإشارة إلى أنه لا ذكر للمسيح عيسى ابن مريم عليه السلام في توراة اليهود، "وإذا تكلم اليهود عن عيسى وقتله، فليس لأنه مثبت في تواريخهم المأثورة عن آبائهم ومشايخهم، ولكن لأنهم يسمعون ما يقوله المسيحيون عن المسيح فيروون عنهم أحيانا، وإلا فكتبهم خالية من ذلك" (المسحية أحمد شلبي: (ص:87)- مكتبة النهضة المصرية- ط10- 1998م). فعيسى عليه السلام في المعتقد اليهودي ليس إلا رجل من دهماء الناس كفر بدين اليهود فقتلوه، ولأنه عليه السلام نكرة بحزب زعمهم، لا وجود لقصته في أي من كتبهم، كما كانوا حريصين كل الحرص على محو قصة مقتله من تلمودهم، حتى لا يدانوا، وإلى هذا الأمر أشار الدكتور إبراهيم ولفنسون (المسحية أحمد شلبي: (ص:87)- مكتبة النهضة المصرية- ط10- 1998م).

أما أوصاف الدجال أو "ملك اليهود" أو "المسيا" المنتظر في كتب اليهود فيتمثل في كونه رجل من نسل داود عليه السلام، يعود في آخر الزمان ليخلص اليهود من ويلاتهم ويعيد إليهم ملكهم من جديد، مع إبادة كل من لا يؤمن بدين اليهود، وعليه فـ "المسيا" ليس هو المسيح كما يتوهم البعض، فـ "اليهود ينظرون إليه كرسول من الله، وليس أنه هو الله أو ابن الله.. وهم ينتظرون ملك أرضي يجعلهم فوق جميع الشعوب، لكونهم مازالوا شعب الله المُختار في نظرهم" (المسيح في رأي اليهود- موقع الأنبا تكلا).

المسيح والمسيح الدجال عند النصارى:

المسيح بن مريم عند النصارى هو ابن الله الأزلي، وهو كالأب أزلي أيضًا، فليس بينه وبين الله فرق في الزمن، ولأن الله غضب على الجنس البشري بسبب خطاياهم وبخاصة خطيئة أبيهم آدم التي أخرجته من الجنة، ولأن الله رحيم بالجنس البشري أرسل ابنه ووحيده إلى الأرض حيث دخل رحم مريم العذراء البتول، وولد كما يولد الطفل وتربى كالأطفال حتى بدا إنسانًا كالبشر، ثم صلب ظلمًا على الصليب، لا لأنه ارتكب خطأ في حق الرومان أو اليهود، وإنما ليكفر عن إثم آدم الذي أصبح المسيح كأنه أحد أبنائه (المسيحية لأحمد شلبي بتصرف: (ص:103)).

وتعتقد النصرانية أن المسيح سيعود مرة أخرى، ولهذا فهم في حالة انتظار دائم وترقب لعودة المسيح المخلص، حيث جاء في سفر أعمال الرسل ما نصه: "إِنَّ يَسُوعَ هذَا الَّذِي ارْتَفَعَ عَنْكُمْ إِلَى السَّمَاءِ سَيَأْتِي هكَذَا كَمَا رَأَيْتُمُوهُ مُنْطَلِقاً إِلَى السَّمَاءِ" (الإنجيل: أعمال الرسل، السفر الأول، الفقرة الحادية عشرة).

وهذا المجيء الثاني يختلف تمام الاختلاف عن المجيء الأول، ففيه سيُنعم المسيح على كل من يؤمن بألوهيته، ويقتل كل من يكفر به، وعلى رأسهم اليهود والمسلمون، يقول دل ديورانت: "كان ثمة عقيدة مشتركة وحدت الجماعات المسيحية المنتشرة في أنحاء العالم؛ هي: أنَّ المسيح ابن الله، وأنه سيعود لإقامة مملكته على الأرض، وأنَّ كل من يؤمن به سينال النعيم المقيم في الدار الآخرة" (قصة الحضارة-ويل ديورانت:  (3/290)).

وكما أنه ليس للمسيح ابن مريم عليه السلام ذكر في توراة اليهود فليس لملك اليهود ومنتظرهم، أو المسيح الدجال ذكر في إنجيل النصارى، فلفظ "المسيح الدجال" لم يذكر في الكتاب المقدس كله على الإطلاق، فليس في معتقد غالب النصارى ما يعرف بالمسيح الدجال، لكن البعض ذهب إلى أن الدجال عند المسحيين هو كل معادٍ للمسيحية وللمسيح، فاليهود والمسلمون وغيرهم ممن كفر بإلهية المسيح دجاجلة، والبعض الآخر أثبت وجوده، وبين أنه ذكره قد جاء في الكتاب المقدس بمعاني عدة منها: الوحش الذي يضل الساكنين على الأرض ويجعلهم يعبدون الشيطان، ومنها لفظ: ضد المسيح، ويبين الدكتور المسيري أن لفظة المسيح الدجال هي الترجمة العربية للكلمة الإنجليزية (أنتي كرايست)، والتي تعني حرفيا (ضد المسيح) (موسوعة اليهود واليهودية للدكتور عبد الوهاب المسيري: (6/217)). وعن شخصية المسيح الدجال في المعتقد النصراني أشار الدكتور المسيري إلى أنه شخصية كافرة قاسية طاغية، وهو ابن الشيطان -بل لعله هو نفسه الشيطان المتجسد- ومن علاماته أنه توجد في أقدامه مخالب بدلاً من الأصابع. وسيقوم الدجال ببناء الهيكل وسيهدم روما (مقر البابا) وسيحيي الموتى وسيحكم الأرض مع الشيطان لمدة يقال إنها ستصل إلى خمسين عاماً، ثم ينزل المسيح لتدور في هذه الأثناء معركة (هرمجدون)، ثم سيخرج من فم المسيح سيف ذو حدين سيصرع به المسيح الدجال ويحكم العالم بالعدل لمدة ألف عام (أو إلى ما لا نهاية) حيث ينتشر السلام والإنجيل في العالم (موسوعة اليهود واليهودية للدكتور عبد الوهاب المسيري: (6/217) بتصرف).

مما سبق نستطيع القول أن دجال النصارى هو مسيح اليهود، وأن مسيح النصارى هو دجال اليهود، وأن كلا الفريقين يدرك هذه الحقيقة، لكنها حقيقة مؤجلة، حيث أرجأ الفريقين هذا الخلاف، في سبيل التعاون على تهيئة الزمان والمكان لعودة هذا المنتظر، وحينها سوف يفكر كل فريق بخياراته على حد قول اليهودي ناتان بيرلمتر.

الدين في المخيال الأمريكي/ الإسرائيلي:

تبين من خلال العرض السابق أن كل من الديانتين (اليهودية والنصرانية) يدرك باطل الديانة الأخرى، وفساد معتقد أتباعها، ورغم هذا فقد سعى المتأخرون منهم إلى التوفيق بين الديانتين والتلفيق بين مواقفهما، اتباعًا للمنهج النفعي الباحث عن المصلحة والفائدة، فاليهود يدركون جيدًا وجوب عودتهم إلى أرض صهيون وإقامة دولتهم المزعومة ليتهيأ الأمر لعودة ملكهم الدجال، ويدركون كذلك أن هذا الأمر لن يتم في ظل حالة العداء اليهودي/ المسيحي، والنصارى من جانب آخر يرون أن عودة مسيحهم المنتظر لن تتم إلا بعودة اليهود إلى أرضهم، ومن ثم كان نتاج هذه الثنائية النفعية الاتفاق على موقف سياسي موحد صهيومسيحي يترجم هذه الثنائية، ويسعى إلى تنفيذها من خلال تهيئة الأجواء لها.

و"الدين في الغرب بشكل عام وفي الولايات المتحدة بشكل خاص كان له تأثير كبير على السياسة كما إن الولايات المتحدة تعتبر نفسها (وطن الله)، وهذا وعي متزايد ومترسخ الجذور منذ هروب أتباع (المصلح كالفن) على الباخرة ماي فلاور عام ١٦٢٠م، والذين اعتبروا أنفسهم حجاجًا إلى وطن الخلاص أو إلى مملكة الرب، وهذا الوعي التاريخي هو الذي عمل على منع الفصل بين الدين والدولة في أمريكا، ورفض اعتبار الدين إيمانًا ذاتيًا وعلاقة شخصية بين العبد وربه ومنذ ذلك الحين تم تأسيس الولايات المتحدة الأمريكية على أساس أنها دولة دينية وسيطر الدين على الدولة ولحد الآن" (عودة المسيح المنتظر- أحمد حجازي السقا: (ص:48)- دار الكتاب العربي- القاهرة- ٢٠٠٣م، نقلا عن مقال: (المحافظون الجدد) المجموعة الأمريكية المتصهينة- أ.م. فائز صالح محمود- أوراق سياسية- العدد الأول 2007م).

أما الدولة اليهودية، فهي دولة دينية من الطراز الأول، بل هي الدولة الدينية الأشد تطرفًا في هذا العالم، ولولا هذا التوجه لما كان لها وجود، ولما كتب لها البقاء طيلة هذا الوقت، ولما وقف الغرب الصليبي معها بكل ما يملك من مكر وسياسية وقوة وسلاح، والناظر المدقق في كلا الدولتين (إسرائيل وأمريكا) يجد تشابهًا كبيراً في أمور عدة، منها أن إسرائيل دولة وليدة تم تأسيسها بناء على وعد غاشم ممن لا يملك إلى الجماعات اليهودية المتفرقة في كافة أنحاء العالم، وقد جاء ذلك بناء على رغبة دينية وعقيدة توراتية لدى اليهود، وهي العودة إلى أرض صهيون الموعودة لبناء هيكلهم المزعوم، وبالفعل تم لليهود ما أرادوا وأعملوا القتل في الفلسطينيين استنادًا إلى نصوص التوراة التي تحضهم على ذلك.

على الجانب الآخر مثلت أمريكا نموذجًا إمبرياليًا من الطراز الأول، فأمريكا لم تكن في يوم من الأيام أرض أمريكية قبل أن يطأها الإنجليز ويستولوا على خيراتها، ويبيدوا سكانها الأصليين، فبنفس المنطق اليهودي في الهجرة إلى إسرائيل "انتحلت جماعات البيوريتانيين البروتستانت لهجرتها لأمريكا اسم (الحج) واعتبروا أنفسهم حجاجًا، ومن هنا جاء الربط بين غزو المهاجرين الأوروبيين للعالم الجديد برواية الأرض الموعودة، ومن الملاحظ أن البيوريتانيين اختاروا الإقامة في التلال تأكيدًا لعزلتهم الدينية والحضارية وحفاظًا علي طهوريتهم، إلا أنهم رغم هذا التدين والتطهر لم يروا مشكلة في قتل السكان الأصلانيين واغتصاب أراضيهم، بل استندوا في تبرير أفعالهم هذه إلى نصوص إنجيلية" (التوظيف السياسي للدين: الولايات المتحدة نموذجًا بقلم مسعد عربيد (الجزء الأول)- كنعان– النشرة الإلكترونية- 29حزيران (يونيو)- 2007م- السنة السابعة- العدد 1197).

بل إن كريستوفر كولمبس على حد بيان أحد الباحثين قد اكتشف أمريكا "بدافع الاعتقاد بأن رحلاته هي جزء من سيناريو ألفي- مسيحاني سوف يقود في النهاية على تحرير القدس من المسلمين (الكفار)، وإعادة بناء المعبد، وذكر في مؤلفه (كتاب النبوءات) أنه قال للملكة إيزابيلا، إنه سوف يستخدم الذهب الذي يجده في العالم الجديد لإعادة بناء الهيكل لكي يكون مركز العالم.. ليس هذا فحسب بل إن دراسات تاريخية أوضحت أن يهود المارانو (اليهود المسيحيين في إسبانيا) هم الذين تبنوا مشروع كولمبس ودعموه بالتمويل والخرائط، وأنهم (يهود المارانوا) كانوا من أوائل المستوطنين في أمريكا" (المسيح اليهودي ونهاية العالم-رضا هلال: (ص:30)).

أمريكا المسيحية في خدمة الصهيونية العالمية:

وبالنظر إلى السياسة الأمريكية المتبعة حيال القضايا الخارجية التي ترتبط بإسرائيل والمسلمين بصفة خاصة نجد أن عنصر التوظيف للخلفيات التوراتية والإنجيلية واضح جدا، بل يصعب في أغلب الأحيان على المتابع الدارس لهذه الخلفيات الفصل بين أي قرار تتخذه الإدارتان الأمريكية والإسرائيلية، وواقع النبوءات التوراتية/الإنجيلية، حيث تأتي هذه القرارات في غالب الأحوال كترجمة لهذه الخلفيات، بمعنى أن السياسة تذلل لخدمة الدين.

فقد "استطاعت الصهيونية بمنظماتها العديدة أن توجه الكنائس الأمريكية بثقافتها التوراتية والتلمودية، واستطاعت هذه المنظمات أن تحوّل المسيحية بشكل جذري إلى اليهودية، وأن تتبنى كنائس الولايات المتحدة وجهات النظر الإسرائيلية، حتى أصبح العهد القديم هو المرجع الروحي للمسيحيين بشكل عام، لذلك نرى أن بعض المحافظين في الإدارة الأمريكية الحالية وغيرهم ممن سبقوهم، وقد غسلت أدمغتهم وتمسكوا بالتوراة ونبوءاتها، يحاولون جاهدين تحقيقها، وإكسابها صفة القدسية الروحانية" (الإدارة الأمريكية المحافظة وتسييس نبوءات التوراة لآخر الزمان-مروان الماضي: (ص:17)- دار النشر: دار الفكر – دمشق).

وقد ظهر ذلك منذ اللحظات الأولى لتأسيس الدولة اليهودية، فدعم الأمريكان اليهود بالمال والسلاح، وساندوهم في كافة المحافل السياسية، حتى تحول الشتات اليهودي إلى دولة ذات مؤسسات، وتحول اليهود من كونهم عصابات تنتهج حروب عصابات الشوارع منهجًا لها، إلى دول صاحبة جيش قوي يمتلك أحدث وأقوى أنواع السلاح في المنطقة العربية والإسلامية، وما كان ليتم هذا لولا الدعم الغربي والأمريكي على وجه الخصوص للمواقف اليهودية، وما كان ليتم هذا الدعم لولا عقيدة الانتظار التي يؤمن بها أصحاب القرار الأمريكي ويشاركهم فيها الصهاينة.

وعلاقة الحميمة بين اليهود والنصارى، أكدها أكثر من رئيس أمريكي صراحة، ومن هؤلاء الرئيس جيمي كارتر، "الذي أعلن صراحةً في خطاب له أمام الكنيست سنة 1979م أن العلاقة بين أمريكا وإسرائيل هي علاقة دينية في الأساس، وكان مما قاله: "إن علاقة أمريكا بإسرائيل أكثر من علاقة خاصة، لقد كانت ولا تزال علاقة فريدة، وهي علاقة لا يمكن تقويضها؛ لأنها متأصَّلة في وجدان وأخلاق وديانة ومعتقدات الشعب الأمريكي" (أثر الدين على رؤساء أمريكا - د. راغب السرجاني- قصة الإسلام).

والأمر نفسه أكده كل من تلا كارتر من رؤساء، وأكثر من سبقه، حيث آمن الجميع بفكرة العودة الثانية، وكانوا مدركين لضريبة هذه العودة، المتمثلة في مساعدة اليهود، والملاحظ في رؤساء أمريكا أنه كلما حلّ على البيت الأبيض رئيس جديد كان أشد تطرفًا تجاه المسلمين وأشد قربًا من اليهود، ويبدو أن حب اليهود والتودد إليهم هو الطريق المثلى للاستحواذ على أصوات الناخب الأمريكي المؤدلج إعلاميًا.

وقد ظهر ذلك بشكل جلي في علاقة أوباما وإدارته بإسرائيل، حتى ذهبت إحدى أشهر المجلات الأمريكية 2011م -وهي مجلة نيويورك- إلى نشر عنوانًا رئيسًا جريئًا جدًا على غلافها في ذروة الخلاف بين باراك أوباما وبنيامين نتنياهو، جاء في العنوان: (أوباما أول رئيس يهودي)، فأوباما وإن كان يعلن دائما أنه بروتستانتي المعتقد، إلا أن هذا لا ينفي عنه ميوله الحميمية تجاه اليهود، المبنية على المعتقد الألفي، القائم على عقيدة انتظار العودة الثانية للمسيح، وقد ظهر هذا في آخر خطاب له في القدس الشهر منصرم (3/2013م)، حيث خاطب اليهود قائلا: "أنتم لستم وحدكم، طالما هناك الولايات المتحدة".

خاتمة:

مما سبق يتبين لنا أن المسألة الدينية في كل من الولايات المتحدة وإسرائيل مسألة محورية، من خلالها تتشكل غالب السياسات والرؤى لكلا الكيانين، كذلك ينبغي الإشارة إلى شيء قد يُشكل على قارئ هذا المقال، وهو أنه كيف لأمريكا راعية العلمانية أن تتمحور حول معتقد ديني أو نبوءة هنا وأسطورة هنا؟

وللإجابة على هذا الأمر نشير إلى أن العلمانية الأمريكية ليست علمانية ملحدة أو علمانية كافرة كما يعتقد البعض، بل يمكننا أن نسميها تجاوزًا بالعلمانية المؤمنة، أو العلمانية الجزئية، فهي علمانية لا ترى -في غالب أحوالها- ضيرًا في تمسك الأفراد والدولة بالمعتقد، شريطة ألا تتحول المؤسسة الدينية إلى حاكم متسلط على الدولة وأفرادها في كل صغيرة وكبيرة، وهو الأمر الذي نجحت فيه الولايات المتحدة، فإدارتها لم تنفصل يومًا من الأيام عن الدين، كما أن الدين لم يطغ ويتسلط على هذه الإدارة كما يبدو، وإنما سار الاثنان (الدولة والكنيسة) جنبًا إلى جنب، بشكل تصالحي، مع الاتفاق على الثوابت العامة، التي على رأسها مسألة العودة الثانية للمسيح المنتظر.

كما أنه إلى جانب الإيمان الأمريكي بعقيدة الانتظار، والتي على أساسها يرعى الأمريكيون إسرائيل، هناك أطماع أمريكية توسعية، لا يمكننا إغفالها، فأمريكا دولة إمبريالية، يقوم اقتصادها على الحروب والسلب والنهب واستغلال ثروات الدول الفقيرة وطاقاتها، وهو هدف تتفق فيه أمريكا وغيرها من دول العالم الإمبريالية، غير أنه يبقى هدفًا ثانويًا وإن تعاظمت فائدته، مقارنة بفكرة الانتظار المسيطرة على الإدارة الأمريكية والعقل اليهودي العابث بها.
 

المصدر: خاص بموقع طريق الإسلام

رمضان الغنام

كاتب إسلامي مصري التحصيل العلمي: "باحث بالدكتوراه"، تخصص الدراسات الإسلامية، جامعة طنطا.