المستجدات الفقهية المعاصرة في الأطعمة والأشربة

منذ 2013-06-14

استجدت بعض المسائل في المطعومات والمشروبات ويتطلب الأمر بيان حكم الشرع فيها؛ لكي يكون المسلم على بينة من أمره فيما يتناول من طعام وشراب؛ لأن القول بأن كل مطعوم ما خبيث يقتضي اعتبار تناوله مخلاً بالنفس البشرية من جانب الوجود بوجه عام، حسب طبيعة هذا الخبيث، وأضراره..



 

(أخرجه البيهقي في السنن الكبرى ج 6/ ص 69، وابن ماجه في سننه ج 2/ ص 384، والإمام أحمد في سننه ج 1/ 313، والدارقطني في سننه ج 3/ 77)


وجه الدلالة منه: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن كل ما يشتمل على ضرر، وإذا كان في الإضافات الغذائية السابقة إضرار ببدن الآدميين، حرم استعمالها، وحرم تناول المنتجات الغذائية التي أضيفت إليها إن كانت تؤدي إلى الإضرار بمتناولها، سواء اقتصر الضرر على اعتلال صحة أو بلغ حد إهلاكه.

ثالثاً: من القواعد الشرعية:

من هذه القواعد قاعدة: "ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب" (الأشباه والنظائر، السيوطي، ص 286).

وإذا كانت المحافظة على النفس أحد المقاصد الضرورية للشارع، فإن الحفاظ عليها يكون واجباً، ولا يتأتى الحفاظ عليها في حال الغذاء المشتمل على الإضافات الضارة، إلا بالكف عن تناوله، فيكون الكف عن تناوله واجباً؛ لأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.

ومن ثم فإن ما يتيقن أو يغلب على الظن اشتماله على إضرار بأعضاء البدن في الحال أو في المآل، أو يؤدي إلى الإصابة بأمراض مزمنة أو لا يرجى البرء منها، أو يودي بحياة متناوله؛ فإنه لا يباح في حال الاختيار، ولا في حال الضرورة كذلك؛ لأنه لا نفع فيه أصلاً، أو هو مما يغلب ضرره على النفع الذي يرجى منه. ولهذا؛ فإنه ينبغي منع استخدام ما ثبت ضرره من هذه الإضافات في الصناعات الغذائية، وعدم التوسع في استخدام ما لم يتم الكشف عن آثاره منها، لدرء المفسدة التي قد تنجم عنها بقدر الاستطاعة إذا تبيَّن مستقبلاً أن لها آثاراً ضارة بالجسم؛ إذ درء المفسدة معتبر في الشرع (الأشباه والنظائر، السيوطي، ص 287).

وإذا كان هذا هو حكم تناول هذه الأغذية، فإن حكم إضافة المواد السابق ذكرها يتبع هذا الحكم؛ بحيث يحرم إضافة ما ثبت ضرره من هذه المواد، وعدم التوسع في إضافة ما لم يكتشف ضرره منها بعد؛ بغية تقليل المفسدة التي قد تنجم عنه، إذا اكتشف أن به ضرراً. يضاف إلى هذا أن من يتولى إنتاج الأغذية فيضيف عند تصنيعها هذه الإضافات التي ثبت ضررها أو يقوم باستيراد الأغذية التي تشتمل على هذه الإضافات الضارة؛ يكون آثماً لتعمده الإضرار بغيره، ويكون ضامناً ما يترتب على هذه الإضافات من أضرار، وفقاً لقواعد الضمان في الشريعة الإسلامية، إذا قامت العلاقة السببية بين تناول هذه الأغذية الضارة وبين الضرر الناجم عن التناول، سواء كان اضطراباً معوياً أو تسمماً، أو إتلاف عضو، أو ذهاب منفعته، أو إتلاف النفس، أو نحو ذلك من وجوه الضرر التي قد تصيب الآدميين (إضافات الطعم واللون والرائحة وموقف الشريعة منها، ص12، مجلة البحوث الفقهية المعاصرة؛ وانظر مجلة البيان، نفس البحث، عدد 25، ص 14).

ومما يدل على حرمة قيامه بذلك:
1 - حديث ابن عباس السابق: «لا ضرر ولا ضرار».
2 - روي عن تميم الداري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الدين النصيحة. قلنا لمن هي يا رسول الله؟ قال: لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم».

وجه الدلالة منه: أفاد هذا الحديث بأن عماد الدين الإسلامي هو النصيحة، ومن صنع للمسلمين أغذية فأضاف إليها مواد ضارة بهم، أو استورد هذه الأغذية؛ فلم ينصح لهم، ويكون بهذا هدم دعامة من دعامات الإسلام.

3 - روي عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من غشنا فليس منا» (أخرجه مسلم في صحيحه، سبل السلام، الصنعاني، ج4/210).

وجه الدلالة منه: أفاد هذا الحديث وغيره بأن من غش المسلمين فلا يكون متخلقاً بأخلاقهم، ولا يكون على طريقتهم وعاداتهم، ومن يتولى إنتاج أو استيراد أغذية مشتملة على إضافات ضارة بالناس، فإنه يكون غاشاً لهم ولغيرهم من الناس. (أخرجه الترمذي في سننه وقال: حديث حسن صحيح، سنن الترمذي، ج3/1315).

الخاتــمة:

لقد توصلت من خلال هذا البحث إلى النتائج التالية:

1 - يقصد بتقسيم الشريعة المطعومات والمشروبات إلى طيبات وخبائث، حفظ النفس البشرية من كل ما يخل بها، والخبائث يحظر أكلها أو شربها إلا عند الضرورة التي يترتب عليها هلاك النفس البشرية، أو خوف هلاكها إذا لم يتناول المحظور.

2 - كثير من ذبائح أهل الكتاب تحظر شرعاً؛ إذا لم تتوافر فيها شروط التذكية الشرعية.

3 - ذبائح غير أهل الكتاب من الأمم الأخرى لا تحل لنا، ولو كتب عليها: (ذبح على الطريقة الإسلامية)؛ لأن العبرة هنا في المذكي، وغير أهل الكتاب لا تحل ذبيحته.

4 - من طرق الذبح المعاصرة الجائزة: صعق الحيوان المأكول بتيار كهربائي لإضعاف صولته وتدويخه، ولتخفيف آلام الذبح، ثم يتم ذبحه أو نحره وفيه حياة؛ وكذلك قطع رقبة الحيوان المأكول بسرعة من خلال منشار كهربائي لما فيها من سيلان للدم.. أما إذا أدى الصعق الكهربائي إلى موت الذبيحة أو إماتتها بغاز ثاني أكسيد الكربون أو ضرب رأس الحيوان بمسدس فأدى إلى إماتته؛ فيأخذ ذلك كله حكم الميتة، وبالتالي يحرم أكلها.

5 - يحرم تناول المطعومات أو المشروبات التي دخل في تصنيعها بعض المحرمات، والحيوانات المهجنة من مأكول وغير مأكول لا يجوز أكلها.

6 - يحرم تناول المنتجات الغذائية التي أضيفت إليها مكسبات الطعم واللون والرائحة والمواد الحافظة ومساعِدات التصنيع؛ لأنها تلحق ضرراً بجسد الإنسان قد يصل إلى حد إصابته بالتسمم والسرطان والفشل الكلوي والكبدي وتلف الأعضاء، وقد تنتهي بالمصاب إلى الوفاة.

7 - يحرم إضافة ما ثبت ضرره من الإضافات الغذائية لأي طعام أو مشروب، ويحرم كذلك استيراد الأغذية التي تشتمل على الإضافات الغذائية الضارة، والمتعمِّد لاستيرادها يكون ضامناً لما يترتب عليها من الأضرار، كما يأثم على فعله ذلك.





 

المصدر: مجلة البيان العدد 310 جمادى الآخرة 1434هـ، إبريل - مايو 2013م.