30 يونيه وعملاء التأثير

منذ 2013-06-29

يونيه هو يوم الذروة وليس يوم التصعيد كما يروج الداعون لتظاهرات هذا اليوم ، إنه اليوم المدبر فيه أن تصل فيه الأحداث إلى قمة التوتر والانفجار ، لإنهاء حكم النظام الجديد أو الإخوان بعد أن ثبت بالدليل القاطع لدى الأمريكان وأعوانهم داخل مصر بأن الإخوان عازمون على تغيير النظام القديم.


" إنه عالم جديد يبدأ اليوم" بهذه العبارة المليئة بالزهو والانتصار افتتح بوش الأب خطاب حالة الاتحاد في يوليو 1991 ، معلنا بكل تحدي انتهاء حقبة الحرب الباردة ، والعالم ثنائي القطبية ، وبداية عصر العولمة ؛ عصر القطب الواحد ، عصر السيد الأمريكي الذي يفرض شروطه وثقافاته وسياساته ورؤيته وأفكاره باسم عولمة الحقوق والمبادئ والاقتصاد والثقافة والعلوم ، ومنذ ذلك الحين والسيد الأمريكي المتربع على عرش العالم المعاصر لا يكف عن تعديل سياساته وإستراتيجياته في بسط هيمنته وسيطرته على جميع دول العالم ، فمراكز البحث والدراسة والمؤسسات المعنية سواء كانت سياسية أو عسكرية أو اقتصادية لا تكف عن ابتكار نظريات وأفكار جديدة تواكب بها أمريكا مستجدات الأحداث في كل بقاع العالم بما يضمن بقاء بسط الهيمنة والسيطرة على دول العالم .


ومن أهم النظريات التي بنى عليها الأمريكان كثيرا من سياساتهم التدخلية ، نظرية تقسيم دول العالم ، ومصطلحات الدولة الانتقالية والدولة الفاشلة ، ففي كلمة ألقتها مادلين أولبرايت وزيرة الخارجية الأمريكية في أروقة الأمم المتحدة سنة 1997 أشارت إلى النظرة الأمريكية لدول العالم وتقسيمها إلى أربع مجموعات وهي : الدول التي تعمل في إطار النظام الدولي ـ في إشارة للدول الخاضعة لأمريكا ـ ، والدول المارقة على النظام الدولي ـ التي ترفض الخضوع لأمريكا ـ ، والدول الانتقالية وهي الدول المرشحة للانتقال من الخضوع إلى المروق والعكس ، وأخيرا الدولة الفاشلة وهي التي لا تستطيع وفق المفهوم والتعريف الأمريكي أن تبسط كامل سيطرتها على ترابها الإقليمي ، وتعاني مؤسساتها القومية من فشل كبير تعجز معه عن توفير الخدمات الأساسية للمواطنين .

أمريكا راحت تفعّل هذه النظرية الإمبريالية بتقسيماتها الأربع طوال حقبة التسعينيات ، حتى وقعت أحداث سبتمبر 2001 ، فاكتسب مصطلح الدولة الفاشلة بعدا أمنيا خطيرا قفز بها في صدارة أولويات صانع القرار الأمريكي ، حيث أتى هذا المصطلح على رأس مبررات التدخل الأمريكي المباشر في شئون الدول الرافضة للتبعية الأمريكية ، حيث تم إعادة صياغة المفهوم بما يتوافق مع السياسات التوسعية الجديدة لأمريكا ، ورغبتها في التدخل في بلاد بعينها رأي الأمريكان في بقاء أنظمتها خطرا يهدد منظومة العولمة ، ومع دخول عصر الثورات العربية أصبح مفهوم الدولة الفاشلة أكثر رواجا واستخداما ، ولكن بأساليب وتكتيكات مختلفة . فمنذ سنة 2005 وأمريكا تصدر سنويا لائحة بالدول الفاشلة على مستوى العالم ، وضعت فيها قرابة نصف دول العالم  ـ 77 دولة وفق آخر لائحة ـ والدول العربية والإسلامية ضيف أساسي على هذه القائمة ، وتحتل دائما مراكز متقدمة في ترتيب الدول الأشد فشلا ، ومن هؤلاء دول الربيع العربي جميعا ، فكلها كانت ومازالت زبونا دائما على لائحة الفشل الأمريكية .


دول الربيع العربي باستثناء ليبيا كانت دولا خاضعة للهيمنة الأمريكية بدرجات متفاوتة ، ولكن الذي يهم أمريكا في المقام الأول هو مستقبل الحكم في مصر البلد العربي والإسلامي الأهم في المنطقة ، لذلك عملت أمريكا بأقصى جهد لها على إبقاء مصر على نفس النمط القديم ، بحيث تظل مصر متسقة مع أدوراها السابقة في الخضوع والتبعية للهيمنة الأمريكية والتماهي الكامل مع المصالح الغربية وشروط العولمة الرأسمالية ، ولكن مع مرور الوقت اتضح أن ثمة مغالبة عنيفة من جانب النظام الجديد ورفضا للانصياع لرغبات السيد الأمريكي ، ومن ثم بدأ الأمريكان في تحريك عملاء التأثير لتفجير الأوضاع داخل مصر ، فمن هؤلاء عملاء التأثير في مصر ؟  

أكدت البحوث الجادة التي درست الثورات الرئيسة التي مرت بها الإنسانية، أن الثورات وهو ما ينطبق على الثورة المصرية، تمر بعدد من المراحل، قبل أن تتحول إلى نظام سياسي مستقر، وكل مرحلة لها طبيعتها الخاصة، ولها قياداتها. فإذا فشلت في التحول إلى نظام سياسي مستقر، واستمر تنازع الأطراف الرئيسة، فإنها تنتكس، وقد تحدث ثورة ثانية أكثر حدة وأكثر دموية ، وهي الفكرة التي تمثل حجر الزاوية ليوم 30 يونيه في تطويع النظام المصري الجديد ، ففي كل الثورات تكون هناك قوى سياسية تبدو في الظاهر أنها وطنية فاعلة مؤثرة ، وهى في حقيقتها قوى عميلة، تعمل قياداتها لحساب جهة أو جهات أجنبية، بينما قاعدتها غير مدركة للحقيقة. هذه القيادات هي التي تلعب الدور الأخطر لما يعرف بدور عملاء التأثير .

مخابراتيا معروف أن وظيفة أجهزة المخابرات الفاعلة هي الحصول على المعلومات بالوسائل السرية «الجاسوسية»، والقيام بالعمليات الإيجابية السرية المختلفة، ولكن أحد أهم وظائفها، إن لم يكن أهمها على الإطلاق ،القيام بما يطلق عليه عمليات التأثير، بواسطة «عملاء التأثير Agents of influence» ضد  صناع القرار في البلاد والشعوب المستهدفة ، والقوى الرئيسة والمؤثرة في الشئون الداخلية ، لإقناعهم أو إجبارهم، بوسائل مخابراتية عديدة، وغيرها، على القيام بأعمال أو ردود أفعال أو إصدار قرارات معينة ، تخدم مصالح الدول الخارجية  ، عملاء التأثير قد يكونون أفراداً من المحيطين بصانع القرار الذين يثق فيهم، وقد يكونون شخصيات عامة مشهورة من نفس الدولة أو غيرها، أو مؤسسات أو أحزاباً أو شركات أو وسائل إعلام، وفى بعض الأحيان تكون دولاً أو منظمات دولية .


وتعد أجهزة المخابرات الأمريكية أكثر الأجهزة الاستخباراتية تخصصا في مجال عملاء التأثير ، وأكثرهم استعمالا لهم ، حتى أن مدير المخابرات الأمريكية السابق " بنيتي " كان يفخر بقدرة جهازه على اختراق أي بلد في العالم ، وقدرته على تحريك خمسة طواقم عمل استخباراتي في أي موضع من العالم خلال ساعات قليلة ،  فعمليات التأثير الأمريكية تنشط تماما أثناء الثورات، فتدفع أمريكا بعملاء التأثير لتحقيق عديد من الأهداف من بينها:
التأثير على الجماهير الحالمة ، ومداعبة مشاعر الشعوب المقهورة ، واللعب على عواطف الشباب الثوري الحالم قليل الخبرة والدراية بألاعيب المخابرات ودهاليز السياسة الخارجية والدولية ، وذلك للتمادي في تشددهم وتطرفهم السياسي ، ودفعهم إلى إصدار قرارات نظرية مثالية مثيرة للآخرين، وغير قابلة للتنفيذ الفوري ، والتمسك بهذه القرارات ، وجعلها نقطة مفاصلة مع النظام ، فتزداد المشاكل وتتعقد.
أيضا تدفع أمريكا عملاءها للتأثير على القوى الرئيسة والفاعلة، أو التي أضيرت من الثورة، للتمادي في تمسك كل منها بمصالحها الخاصة وتضخيمها، فتزداد الفرقة والبغضاء بين الجميع .وفى نفس الوقت تعمل على زيادة الضغوط الاقتصادية والسياسية والمالية والإعلامية والأمنية على الدولة وعلى الشعب، من خلال أزمات مفتعلة، إرهابية وسياسية وقانونية وتموينية، أو بنشر الشائعات والتشهير بالشخصيات الوطنية الفاعلة من خلال نشر معلومات غير صحيحة ، ونشر ثقافة اليأس والإحباط والقنوط من إصلاح الوضع القائم .

والمحصلة عادة هي فقد كل فئات الشعب الثقة في بعضهم البعض، ويصبح الجميع في حالة شك وتوجس وخوف من المستقبل، ثم يتحول ذلك تدريجيا إلى عداء شديد، فتزداد الفرقة عمقا وقسوة. وبهذا وغيره الكثير، يصبح الشعب مؤهلا لمرحلة جديدة أكثر ملاءمة للتأثير الاستراتيجي لتغيير التوجه العام للثورة، أو لتجزئة الدولة، أو لدفعها لحرب هي غير مؤهلة لها، أو لحرب أهلية ، وهي خيارات أصبح فجأة تملأ ساحة الأحداث المصرية ، في وضعية سياسية شديدة الوطأة على النظام القائم ، وهو عين ما يجري الآن على أرض مصر .

30 يونيه هو يوم الذروة وليس يوم التصعيد كما يروج الداعون لتظاهرات هذا اليوم ، إنه اليوم المدبر فيه أن تصل فيه الأحداث إلى قمة التوتر والانفجار ، لإنهاء حكم النظام الجديد أو الإخوان بعد أن ثبت بالدليل القاطع لدى الأمريكان وأعوانهم داخل مصر بأن الإخوان عازمون على تغيير النظام القديم ، وإعادة صياغة العلاقة بين مصر وأمريكا ، فما تأخير قرض صندوق النقد الدولي إلا أمارة واضحة وقوية على رفض مصر الانصياع لشروط العولمة الرأسمالية ، وما ضغوط أثيوبيا بكارت المياه وتسريع وتيرة بناء سد النهضة إلا لتركيع مصر وإنهاكها اقتصاديا واستنزاف مواردها ، وما الممارسات الخبيثة التي تمارسها دول الخليج ضد مصر من قطع معونات ، وتضييق على العمالة ، إلا في نفس السياق ، فالجميع قد اتفق على التخلص من النظام الجديد في مصر . ومن ثم فعلى القيادة السياسية المصرية ، وعلى كافة التيارات الإسلامية والوطنية والمخلصة الاستعداد لمعركة فاصلة ، فلم تعد سياسة النفس الطويل ، والتغيير البطيء تجدي نفعا في هذه المرحلة ، فقد وصلنا شئنا أم أبينا إلى مرحلة الكسر ، والقوى السياسة أمام معادلة صفرية لابد أن تنتهي بحسم لأحد الطرفين ، في صراع لا يقبل أبدا القسمة على اثنين ، فهل ترتفع القوى السياسية والأحزاب والتيارات الإسلامية لمستوى الحدث وتقرأه جيدا وتعرف أبعاده ومغزاه حتى تعرف كيف تواجه ؟ أم تظل في هذه الحالة المقيتة المهينة من الصراع على تعريف المشروع الإسلامي ، وأي الرؤى أحق وأولى بالتطبيق ؟! ربنا يستر


كتبه لمفكرة الإسلام/ شريف عبد العزيز الزهيري
shabdazizabd@hotmail.com