نفثات مكلوم (تأملات في أحداث مصر)

منذ 2013-07-23

تأملات في أحداث مصر


بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد،

(1)
اعتذار واجب!

أولا أعتذر للقراء المحترمين عن مقالتي السابقة التي نشرتها على الشبكة: (نادر بكار الحزبي المتعصب)! وعزائي أنها لم تكن مدحًا لشخصِ هذا الفتى؛ وإنما كانت مدحًا لموقفٍ تخيلتُ بسذاجة بالغة أنه سيكون نمط عمل للحزب أو على الأقل للشخص الممدوح! ولولا ضيق الوقت لكفرت عن مقالتي بمقال يجد فيه مرارته في حلقه يتجرعه ولا يكاد يسيغه! ولكن يكفيه ما هو فيه من الخزي والهوان.

(2)
السيسي!

المتأمل فيما يحدث لا بد أن يُصاب بالرعب والهلع. ألا ترون أن السيسي لم يكن له ذكر؛ ربما كان عند قومٍ مجهول الحال، وعند البعض يظنون به خيرا. لكن المؤكد أن أحدا لم يفكر أن يدعو عليه كما كنا ندعو على بشار أو مبارك!!

ثم ها هو في ليلة انقلبت الأمة على مستوى العالم تجهر بالدعاء عليه! وفي رمضان!! كان مستور الحال خامل الذكر... ثم اشتُهِر بم اشتهر؟؟! خبيئة السوء... يا للرعب الذي يصيب المتأمل بحق! نعوذ بالله من الخذلان. اللهم عافنا واعف عنا وارزقنا حسن الخاتمة واجعل لنا لسان صدق في الآخرين.

تأملوا ففي القصة عبر وعبرات:
لقد سقط هذا الرجل، وما أرى من يؤيده اليوم إلا كحال هؤلاء الذين قال الله فيهم: {فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ} [سبأ: 14].

(3)
لحية مع قسيس

أي خذلانٍ هذا الذي رأته عيناي: أن تقف لحية تزعم أنها سلفية خلف قسٍ ليتآمرا مع معادٍ للإسلام وخائنٍ على خلعِ رئيسٍ مسلم؟؟! ألا يظنُ أولئك أنهم مبعوثون؟؟ وعن أي دماءٍ يتحدثون؟؟ أخشى إن قيل حي على الجهاد يومًا أن أسمع متحدثهم يتكلم عن حرمة الدماء!! يا هذا انظر مَن يقتل مَن؟؟ أتلوم المقتول على المطالبة بحقه وتذر الظالم في غيه يتمادى؟؟ أتعاوِن الظالم وتبرر له خطأه وتحذر من غضبه؟؟ أتعاونه زاعما أنك تحقن الدماء؟؟ أين النصح لدين الله؟؟ أي خذلانٍ هذا الذي اقتحمتموه؟؟!

إنني لم أَنتمِ يوما لهذا الحزب ولا كنت يوما من تلاميذ أحد مشايخهم، لكن كنت أظن أن تجربته ستكون متميزة وترفع سقف أحلامنا، ولكن يبدو أنني أيضا كنت ساذجة للغاية!

(4)
إن ربي لطيفٌ لما يشاء

هذه المحنة رأيتُ فيها تربية حقيقية لمن رامَ طلبَ الحقِ.. رأيتُ سقوطا مدويا ونفاقا نافقا مخزيا.. رأيت تأويلَ آياتٍ كثيرة من كتاب الله رأي العين. أهتف بصدق: إنك يا ربِ لطيفٌ لما تشاء، أرنا عجائب قدرتك ولطيف تدبيرك وحكمتك، سبحانك أنت ولينا فاغفر لنا وارحمنا.

أن يظهر لك جليا أمراض قلبك فتتبرأ منها.. أن تُغلَق دونك الأبواب ولا ينفتح إلا باب سيدك ومولاك العظيم.. فتهتف هتاف الغريق: اللهم أغثنا، تبرأنا إليك من كل حولٍ وقوة، شهدنا يا رب بضعفنا وتقصيرنا وذنوبنا.

أن تشهد مشهد منة الله وحكمته وجوده وكرمه.. أن تصطحب ذلك أيام رمضان!! إن ربي لطيفٌ لما يشاء.

وهذه لمحة وإلا فكتابة تأملات عن لطفِ الله وحكمته فيما يحدث تستغرق مجلدات. وما خُفي أعظم وأجل؛ فحكمة الله نعلم عنها ولا ندركها.

(5)
تربية وفضائح

أن ترى ابن القيم يكتب عن الفروق في الدين فيجزم أن الفعلين واحد في الظاهر ولكن البون بينهما شاسع!! فترى اليوم جبانا رعديدا يتخفى في صورة الورع، وترى ناسكا متعبدا يظهر قهر البدعة يوالي عدو الله في فجاجة ويلبسها لباس الشرع فيعتبِر بالأمس مبارك ولي أمر أو أمير المؤمنين! ثم اليوم يعتبِر أن خائنا ومعاديا للإسلام وقس النصارى هم أهل الحل والعقد عنده!

ومن الفضائح هؤلاء الذين لم يفقهوا يومًا ولم يسعوا لدرسٍ ولا علمٍ صحيحٍ، ثم هم يتكلمون فيما لا يفقهون ولا يعلمون ولا فقه الطهارة، ثم هم يهزون رءوسهم في حكمة ويتكلمون في مسائل كبار!

ومنهم من لم يراعِ الله يوما في بيته فهو ينتهك محرماته ثم هو يهز رأسه في وقار ويتحدث عن (الإسلاميين) الذين ينادون بالشريعة ولا يطبقونها! تماما كما قال تعالى عنهم في كتابه ووصفهم حتى أظهرهم عيانا بيانا.

هذا بخلاف من باع مبادئه الإنسانية فقط لأنه يكره الإخوان إن لم يكن للإسلام كارها ويلبس كراهيته تلك لباس الخلاف السياسي!!

هؤلاء شرذمة ممن تبنوا الحرية والديمقراطية والصناديق، فلما جاريناهم فيها عموا وصموا. فلي كلمة أقولها لعلها تبلغ منك مسمع: لقد جحدوا صنمهم... فإياك أن تظل ناسكا في محرابه!! تمسك بغرس التوحيد واجهر بدينك. أعلم أن هذا قد يكون صعبا وعسيرا في ظل ما نعاني منه من الاستضعاف والقهر، لكن فإن لم تستطع فاحفظها بقلبك وذلك أضعف الإيمان. إياك أن تنساها ويطول عليك الأمد فتقسو القلوب، تذاكر بالألفاظ الشرعية فإن اللفظ مبدأ العقد، وإياك أن يكون لسانك دوما ذلقا بالديمقراطية ثقيلا بالشورى!

فضائح كثيرة ظهرت ونجمت لا يسعها القلم.

(6)
إعلام سقط وصلا ووقفا!

لم أتخيل يوما أن أرى إنسان يكذب بدم بارد.. يضع عينه في عينيك ويتبجح بالكذب.. لقد كذب حتى صدّق نفسه.. يمكنه أن يقسم عليه يمينا غموسا بلا حياء!! وليس العيب فيه وحده؛ بل العيب على من استبان له كذبه وظهر له عواره أكثر من مرة، ثم هو يساق أمامه سوق الغنم.

صدق النبي صلى الله عليه وسلم إذ قال: «سيأتِي على الناسِ سنواتٌ خدّاعاتٌ، يُصدَّقُ فيها الكاذِبُ، ويُكذَّبُ فيها الصادِقُ، ويُؤتَمَنُ فيها الخائِنُ، ويخونُ الأمينُ، وينطِقُ فيها الرُّويْبِضَةُ. قِيلَ: وما الرُّويْبِضةُ؟ قال: الرجُلُ التّافِهُ يتَكلَّمُ في أمرِ العامةِ» (صححه الألباني).

هؤلاء استباحوا الأعراض ولم ينجُ من كذبهم صادق ولا أمين! هؤلاء سخِروا من كل مُقدس واجتهدوا في هدم كل ثابت. اللهم أرنا فيهم عجائب قدرتك واجعلهم عبرة وآية لمن لا يعتبر.

غير أني لما تفكرت لم أجد لهؤلاء المنساقين المصدقين لهؤلاء الكذبة أي عذر!! إذا قد قال الله تعالى: {وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ} [الأنفال: 23].

(7)
سنن الله لا تتبدل

إن ما يحدث لا أشك لحظة أنه تدبير من العلي القدير. إن مبارك لم يمت، وعصابته لا تزال حية طليقة تنفث سمومها في البلاد. وقد عجز مرسي عن التطهير، ولله سنن لا تتبدل قال تعالى: {اسْتِكْبَارًا فِي الْأَرْضِ وَمَكْرَ السَّيِّئِ وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا سُنَّةَ الْأَوَّلِينَ فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَحْوِيلًا} [فاطر: 43].

ما أراها إلا انتفاضة أفعى تلفظ أنفاسها؛ فصولة الباطل في حقيقتها ليست إلا رجفة موت الأفعى الأخيرة، أو رقص ذيل الوزغ بعد قطعه، ولا يخشاها إلا من لا يعرفها. إن الله لا يصلح عمل المفسدين، وإن الظلم لم يرتفع لأعلى إلا ليسقط على أم رأسه فيراه الأعمى قبل البصير. سيسقط الباطل وتنكسر رأسه، ويسقط معه من تعلق به
ويرفع بالحق رأسا من استمسك به؛ قال تعالى: {فَغُلِبُوا هُنَالِكَ وَانْقَلَبُوا صَاغِرِينَ} [الأعراف: 119]. الله أكبر.

الحق سئم مما علق به من دخن؛ إنه يعاني المخاض.. ينتفض.. ينفصل ويتمايز.. من بين آهات الألم وأنات الافتقار ودبيب اليأس يظهره الله.. ينصره الله.. يرفع به الله أقواما، ويذل به آخرون. لقد أفسدوا في الأرض بعد محاولات إصلاحها؛ بل كانوا يفسدون حين كان البعض يحاول الإصلاح!

أرى سنة الله ظاهرة ولو كره المنافقون! لقد استباحوا الأعراض
وخذلوا إخوانهم في سوريا وفلسطين، وقتلوا الساجدين، وحاصروا المساجد، ووالوا اليهود والنصارى، وغير ذلك. لقد انتهكوا حرمات كثيرة؛ إنهم يستوفون ظلمهم، والله يمهل حتى إذا أخذ الظالم أخذه أخذ عزيز مقتدر.. سنة الله التي قد خلت في عباده!

(8)
بين أخطاء الإسلاميين ومصائب العدو

أن يكون أمامي الإخوان المسلمون على ما فيهم من أخطاء أنكرناها وننكرها دوما يقولون نريد تطبيق شرع الله، وإن كان فيهم تقصير أو يسيرون في طريق أنت لا تراه يُوصِل إلى المراد، وأمامي فريق من الليبراليين يصرحون جهارا نهارا أنهم لا يريدون تطبيق شرع الله، وينادون بحريات ما أنزل الله بها من سلطان، وينتهكون المحرمات بدمٍ بارد، وأفضلهم حالا من يظل متمسكا بمبادئه وهو يعاديك وهم قلة
يلبسون الحق بالباطل ويجادلون بما لا يفقهون.. فأيهما أختار؟!

إنني ألوم بشدة من يترك عوار العلمانيين وأخطائهم الفادحة ثم يجلس يسهب في معاداة الإسلاميين! نعم يا أخي أنكر على الإخوان وغيرهم من التيار الإسلامي أي خطأ فليس هناك أحد فوق المسائلة، ولكن هناك عدو أشد خطرا. والقاعدة التي علمنا الله إياها قوله تعالى: {قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ} [التوبة: 123]. فنبدأ بالأشد خطرا ونعطيه الهم الأكبر في المدافعة! وعندنا قاعدة تقديم أقل المفاسد والاختيار بين أقل الشرين!

فقل لي برأيك كيف تنظر إلى وجهك في المرآة وأنت تسن لسانك في قتال إخوانك تاركا عدو الله يعبث في العقيدة والثوابت ويهدمها؟ أترى نفسك ناصحا؟
فلنا موقف يوم القيامة والله حسبنا ونعم الوكيل.


(9)
لم تعد قضية مرسي ولا الإخوان

ألا ترى؟ إنها لم تعد قضية إخوان أو مرسي.. صدقني هؤلاء الذين انتفضوا أيقنوا أنها حرب على الإسلام! لكن قد صارت عودة مرسي مؤشرا على بداية النصر وليس النصر!! فلا زال أمامنا بعد عودته بإذن الله طريقا طويلا من التطهير ومراجعة النفس وإعادة ترتيب الأوراق. إن من يحاول شخصنة ما يحدث في صورة الإخوان أو مرسي فهو إما جاهل بحجم المؤامرة وإما متواطئ معها.

يا هذا ألا فافهم: لم يعد لدينا أي استعداد للعودة للذل بعد أن تنسمنا شيئا من عبير الحرية! أَعشِق صاحبنا الهوان أم صار هو والذل صنوان أم قد غره شيطانه؟؟!

ياهذا إن الله لم يُنزل الإسلام بالذل بل أنزله بعز عزيز أو بذل ذليل معاد له؛ قال تعالى: {يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ} [المنافقون: 8]. أتُرى أنه ليس من حقي أن أعيش في بلادي حرة بكرامة؟ أتُرى أنه ليس من حقي أن أرى عز أهل الطاعة. أتريد أن تنقلب الموازين دوما فتصير الغانية شريفة، وتقذف الشريفة بأقذع التهم فتلوكها ألسن النفاق بلا حياء ولا ملامة؟؟ أين عقلك؟؟ أين دينك؟؟ إن كنت ترى ذلك ليس من حقي، فإليك عنا فقد ارتضينا أن نبذل أرواحنا فدا شريعة الرحمن لنحيا كراما.

اللهم ائذن لشرعك أن يسود بلاد المسلمين، وقيض لنا أمر رشد يعز فيه أهل طاعتك ويذل فيه أهل معصيتك.
 

المصدر: خاص بموقع طريق الإسلام