مصر الأمريكية الجديدة في مأزق

منذ 2013-07-24

الخطأ القاتل الذي وقع فيه الانقلابيون وسندهم الأمريكي الأكبر، فهو القراءة المغلوطة لردود الفعل الشعبية على انقلابهم، إذ كانوا يتوقعون أن الدعم الضخم إعلامياً وخارجياً مع شيء من ترهيب الناس، عناصر تكفي لتمرير الانقلاب..


لم يعد الكلام عن تسمية الانقلاب العسكري في مصر باسمه مجدياً، لأن ما جاء به الحكم الانقلابي كفانا مؤونة جدل عقيم مع أناسٍ اعتادوا على التلاعبِ بالعقول والألفاظ، فهم يطلقون على الربا (الفائدة) مع أن الربا من أغلظ المنكرات، ويصفون الخمر أم الخبائث بأنها (مشروبات روحية)!! كذا والله!! بل إن هذا الختل أطلق موجات ساخرة في أمريكا نفسها، كما فعل جون أوليفر في حلقة يوم الخميس 18/7/2013م من برنامجه الساخر (ديلي شو) حيث استهزأ بنفاق إدارة أوباما وتلعثُم الناطقين باسم البيت الأبيض والخارجية الأمريكية لئلا يصفوا الانقلاب المصري بأنه انقلاب. ولن نقف عند التهليل اليهودي الرسمي والإعلامي بالانقلاب في الكيان الصهيوني، فالأمر لم يعد موارباً وإنما صريحاً ووقحاً.


لقد زعم الانقلابيون وأبواقهم الفجة، أن قيادة الجيش لم تفعل أكثر من الاستجابة إلى نداء الملايين من أبناء الشعب المصري -قام باحثون متخصصون بتعرية أسطورة الملايين من خلال حساب مساحة ميدان التحرير فثبت أنه لا يتسع لأكثر من نصف مليون إنسان مع التسامح الشديد!!- وادعى هؤلاء وتبِعَهم أولئك أن مهمتهم تنحصر في تلبية الحشود التي كانت تطالب بانتخابات رئاسية مبكرة، فإذا بالانقلابيين يفرضون رؤيتهم التي تبدأ بتغيير الدستور بسلطتهم الانقلابية ثم إجراء انتخابات نيابية مفصلة النتائج منذ الآن تليها انتخابات رئاسية لا تقل تزويراً عن سابقتها!!! فأين مطلب الانتخابات الرئاسية المبكرة؟ هل تبخر؟ أم أن الغوغاء المستأجَرين انتهت مهمتهم بتبرير الانقلاب الذي صار لقائده القول الفصل؟


ولو لم يكن للانقلابيين غير دورهم الخارجي الذي فضحه تعجلهم المتهور، لكفى بفعلتهم شرّاً مستطيراً، يحيق بمصر وبالمنطقة كلها. فقد بات جلياً لكل ذي عينين أن المطلوب أمريكياً وصهيونياً مهمتان شديدتا الإلحاح، وهاتان المهمتان القبيحتان متلازمتان، حيث سيتم التآمر على تصفية القضية الفلسطينية والثورة السورية معاً.

فها هو جون كيري يقيم في المنطقة ويضغط على بقايا منظمة التحرير الفلسطينية بزعامة محمود عباس، لتجديد التهريج باسم التفاوض لإنجاز تسوية سياسية للقضية الفلسطينية، بالرغم من لاءات نتنياهو وشركائه مسبقاً، برفض حدود عام 1967م أساساً للتسوية، ونبذ قرارات الأمم المتحدة -على جورها المزمن- كمرجعية للتفاوض!! مع ملاحظة شيطنة حركة حماس وتجديد الحصار الصهيوني/المباركي على قطاع غزة، كورقة ضغط على المقاومة لتصفية القضية الفلسطينية من خلال جوقة أوسلو، التي لم تجلب غير مزيد من التهويد لأراضي الضفة الغربية المحتلة وبخاصة القدس الأسيرة؟


وأما الانقلاب الانقلابي على الموقف من الثورة السورية فيثير حيرة الحليم.. ابتداء من التحريض المشين ضد اللاجئين السوريين ومنع السوريين من دخول مصر من دون تأشيرة مسبقة، مروراً بالحديث عن طرفين للأزمة السورية!!

بالطبع حاول الانقلابيون إطلاق دخان كثيف للتعمية، لعل المؤامرة الوضيعة تبدو في ثوب الانتقام من الإسلاميين في مصر وبخاصة جماعة الإخوان.. ولم تُفْلِح هذه الممارسات (الفهلوية) المستمدة من إرث الديكتاتورية العسكرية المتجذرة منذ العهد الناصري فالساداتي إلى ختامها البؤس على يد حسني مبارك.


وها هي صحيفة كبرى مثل واشنطن بوست تجزم بأن نظام مبارك يعود إلى السيطرة على مصر، وإن كانت الاستعانة برموز عهده من أعضاء لجنة السياسات (لجنة توريث جمال مبارك) تغني المراقب المنصف عن الحاجة إلى شهادة صحيفة أمريكية من أي مستوى. وما الذي يمكن قوله في إطلاق أبواق الفجور الإعلامي ومثقفي التوريث، لتجاوز تسمية الانقلاب بقيادة السيسي بأنه ثورة، حيث انطلقت حملة مباغتة ترفض إطلاق التسمية على ثورة 25 يناير 2011 م؟

أما الخطأ القاتل الذي وقع فيه الانقلابيون وسندهم الأمريكي الأكبر، فهو القراءة المغلوطة لردود الفعل الشعبية على انقلابهم، إذ كانوا يتوقعون أن الدعم الضخم إعلامياً وخارجياً مع شيء من ترهيب الناس، عناصر تكفي لتمرير الانقلاب. فالحشود تملأ الشوارع والميادين ضد الانقلاب وهو ما وضع قادة الانقلاب في مأزق عسير لا مجال للخروج منه بغير العودة إلى إرادة الشعب المصري من دون وصاية صبيانية لا نصيب لها في الواقع الجديد الذي أبدعه المصريون قبل سنتين ونصف سنة.


14/9/1434 هـ