وكَثِيرُ الغَيْثِ مِحْرِز!

منذ 2013-09-04

لم يخطُر ببالِنا ونحن صغار أن العسكر فيهم حرامية وأن الحرامية يتحرَّكون كثيرًا بأمر العسكر! نفس المبدأ الذي اعتاد الناسُ عليه من أن العالِمَ عالِمٌ، وأن المجاهدَ مجاهدٌ، وأن شيخَ المسجد هو شيخُ المسجد، وليس لأحدهم وظيفة أخرى غالبا، ولماذا يكون لهم وظائف أخرى نعرفهم بها في وجداننا وتلك وظائفهم التي لا دخل لنا بها ولا لزوم لأن يقوم أحدنا معشر العاديين اللاَّمُنْتَمِين ولا مُؤدْلَجِين بأحدها؟! ذلك المفهوم الخاطيء هو الذي يضطرب للتفكير فيه ذهني منذ استشهاد محمد محرز تقبَّله الله.

 

كلنا لَهَوْنَا في طفولتنا كثيرًا واشتركنا في تلك اللعبة المغروسة في عُمق نفوسنا: (عسكر وحرامية).
وهكذا نشأنا على أن العالم الكبير مهما اتّسع فإنه صفوفٌ متمايزة، وصنوفٌ مُقَوْلَبَةٌ جاهزة: العسكر عسكر والحرامية حرامية.

لم يخطُر ببالِنا ونحن صغار أن العسكر فيهم حرامية وأن الحرامية يتحرَّكون كثيرًا بأمر العسكر! نفس المبدأ الذي اعتاد الناسُ عليه من أن العالِمَ عالِمٌ، وأن المجاهدَ مجاهدٌ، وأن شيخَ المسجد هو شيخُ المسجد، وليس لأحدهم وظيفة أخرى غالبا، ولماذا يكون لهم وظائف أخرى نعرفهم بها في وجداننا وتلك وظائفهم التي لا دخل لنا بها ولا لزوم لأن يقوم أحدنا معشر العاديين اللاَّمُنْتَمِين ولا مُؤدْلَجِين بأحدها؟! ذلك المفهوم الخاطيء هو الذي يضطرب للتفكير فيه ذهني منذ استشهاد محمد محرز تقبَّله الله.

لم تشدني حكايته لأني ظننته أفضل الشهداء، ولم يؤثر فيَّ مقتلُه لأني أراه مات تحت أصحِّ الرَّايات، وبالطبع لم أكُن أعرفه شخصيًّا ولكني عرفتُ الكثيرين ممن التَقَوْا به في حياته رحمه الله وتقبَّله في الشهداء، وكان خليفته على أهلِه وامرأتِه وابنتِه، أكتب عن محمد محرز الحالة وليس الشخص، الحالة التي ينبغي أن تكون خُلُقًا عامًّا في أمة الإسلام حتى نستطيع الاستبشار بعلامة من علامات التمكين، بل بشرط? من شروطِه.

لقد كان الخبَّازُون العِراقيُّون على عهد الإمام أحمد يُمْضُون أوقاتهم أثناء العمل بالتسلية في مناقشة أدق مسائل فقه الطلاق المعقَّدة، ولقد كان الفلاحُ الشاميُّ على عهد صلاح الدين يربط ثلاثين صليبيا بحبل واحد ويبيعهم مقابل نعل واحد، نعم لو جاز لنا التعبير فإن تلك العصور تمتَّعت بما لو قارنَّاه بحالنا اليوم لأسميناه تضخُّمًا في أداء شعائر الإسلام -تضخُّمٌ محمودٌ- حتى يكون المعمولُ به منها أكثرَ من الواجب، ويعمّ العمل بالشعيرة ليكون هُو عُرف الناس والمعتاد من أخلاقِهم؛ مع بقاء اعتبارها شعيرةً تؤدَّى فرضًا ونفلاً لمرضاة ربّ العباد تبارك وتعالى.

لقد درج العوام في عصرنا مُطمئنين على أن هناك جيشٌ يحميهم وأن هناك مؤسَّسَات للفتوى يلجأون إليها عند استشكال مسائل الدِّين، وكذلك دَرَجَ الزَّاعمون بأنهم الخَوَاصُّ على أن هناك مجاهدون يرفعون عنهم الحرج في نصرة المستضعفين، وأن هناك علماء على منهجهم يلجأون إليهم أيضا عند استشكال القضايا المطروحة على الساحة، ركنَّا إلى أن هناك من يحمل عنا رغم أن الأصل في أمة الإسلام غير ذلك، ولأترك مسألة عموم العلم الآن لأتكلم باختصار عن مسألة عموم الجهاد، فالأصل أن في أمة الإسلام ليس هناك مجاهدين، ليس هناك عسكريين، وكذلك ليس هناك من يصلح وصفهم الآن بلفظة المدنيين إلا الأطفال والنساء والشيوخ والعجزة أهل الأعذار.

الأصل أن فِكرة (الشعب المسلَّحِ) لم تكُن بدعةً ابتكرها القذافي، ومن قبله فكرة (الفُتُوَّة) في المدارس الثانوية، لم تكُن علامة عبقرية عبد الناصر، ولكن الفكرتين من آثار الإسلام وظَّفهما ذلك الطاغوتُ وذاك في خدمة ادِّعائهم النضال ضد قُوى الاستعمار الغربي والشرقي، التي كانا عميلين لها في السرِّ أو بعض العلانية، وإن عدوا من أخبث الأعداء نجح في تطبيق مفهوم (الشعب المسلَّح) أيما نجاح على شعبه المغتصِب، إنه شعب إسرائيل، فأين المسلمون؟!

الأصل أن كل من يقدر على حمل السلاح فهو مجاهد تحت الطلب، فعبر تاريخ دُول ودُويلاتِ عِزِّ المسلمين كان الحاكمُ بنفسه يُجاهِد ووزراؤه معه وكبار رجال دولته، وكبار أصحاب الأموال والعلماء وطلبتهم وأهل الحِرَفِ والصُّنَّاع، بل والسُّوقة والدَّهماء والرِّعَاع، كلهم يجاهدون بعض الوقت، وبعض الوقت يعمرون الأرض ويمارسون وظائفهم وبعض الوقت يحجُّون ويعتمرون أو يعتكفون للعبادة، إلا أن يعم البلاد عدوٌّ كاسح فكلهم مجاهدون في ذات الوقت.

لهذا أثر فيَّ استشهاد (محمد محرز) الشاب غير المتسم بمظاهر الالتزام الشكلية، الذي لم يلزمَ أقدام الشيوخ ولم يستمر منضويا في جماعة، الشاب الذي لا تلحظ له لحيةً طويلة ولا ترى في جيبه سِواكًا وليس في مكتبته كثيرٌ من الكتب ذهبية الكعب، الشاب الذي لا تميزه دوما بلحيةٍ منحوتةٍ تصحبها نظرةٌ آلية وأثرُ صلاة على جبهته وابتسامة وظيفيةٍ على فمه.. الشاب الذي لا ينحصر خِطَابُه كلاما عن الكفر بالطاغوت وجهاده وكُفر من عاونه! الشاب الذي تمر عليه عيون رأسك دون أن تميزه في الزحام بلحية ولا جلباب، ولا حتى بذلة وكرافات... الشاب العادي في الظاهر الذي أثبت بدمائه أنه لم يكن عاديا بالمرة، الشاب الذي لا يُمَيِّزه حين تقابله إلا خُلُقُهُ وحَدِيثُه فتصنِّفه على أنه مُحمد محرز ليس إلا.

لم يكن سلفيا ولا إخوانيا ولا جهاديا، وبالطبع لم يكن تكفيريا ورغم ذلك سبق الجميع إلى بذل دمه رخيصًا لكي يعود إلى الوطن الغالي (الجنة) وهل من وطن لنا سوى الجنة؟ لقد أنعش استشهاد محرز في صدري أملَ أن يعود عامَّةُ شباب الأمة مُتَّزِنًا يضرب في كل باب من أبواب الخير بسهم، دون انحصار في باب واحدٍ يراه هو الباب إلى التمكين لا غير..

أحيا موتُه في قلبي رجاءَ أن ينبت جيلٌ جديد لا ينحصر لديه الإسلام في شعيرة يتمسك بها دون غيرها من الشعائر، حتى لو كانت هذه الشعيرة طلب العلم أو الجهاد، صحيح أنه رحمه اللهُ ظهر عليه التقصير في أبوابٍ إلا أنه دخل آخرته من ذروة سنام الأبواب، ولعل هذا من أثر الصدق الذي ينبغي أن نقيس أنفسنا على مقياسه معشر ذوي السَّمتِ الظاهر وطلب العلم والحديث عن الجهاد... إلخ.

لقد دفعني مقتلُه دفعًا لتشوُّف الروح السارية الآن كتلك الروح التي نُفِثَت في (الأطياف الأربعة)، بل كتلك (الأطياف الأربعة) نفسها التي كانت هي الروح إذ أحيا اللهُ بها رجالا ونساءًا سَطَرُوا أثبتَ الأعمال في عصرهم وأوضح الكلمات بيانا إلى عصرنا، والأطياف الأربعة هم: (سيد، ومحمد، وأمينة، وحميدة آل قُطب) الأدباء اللطفاء غير ذوي الهَدْيِ الظاهر الذين شاء الربُّ الجليل أن يحفظ بهم روحَ الإسلام حيَّة تتردَّد في جسدِ أمَّةٍ شَبَحَتْهَا الناصريةُ على خشباتِ الصَّلْبِ وخَرقَتها بالصُّلبِ لتقتلها صبرًا، فلم تمُت ولم تستكِن، بل انبعثت من جديد رغم تخلُّف زاعمي نصرتها من ذوي الأسماء والانتماءات والهَدْيِ الظاهر عن مثل ما قامت له الأطيافُ الأربعةُ من جهادٍ وبذلٍ ومفاخِر.

لقد أعادت إليَّ حادثة (محرز) ذِكرى من أجمل الذكريات، وأنعشت في قلبي أملا من أعز الأمنيات، ذِكر عموم الخير في الأمة وقيامها كلها بواجباتها، تُرى أيكون محرز هو الأخير من هذا الصِّنف؟ لا.. فالخير قادمٌ إن شاء الله، إن الغيث يبدأ بالقَطْرِ ثم يزداد، فإذا هطل وابتلَّت الأرض وكانت صلبة حَرَزتْهُ فيها وحفظته ليروي الناس والأنعام والزرع. فما يبقى لينفع الناس في الأرض هو الذي حَرَزَتْه فيها؛ سواء على سطحها لعاجل بلِّ صَدَى المخلوقات أو في باطنها لقادم الأيام، فأولُ الغيث قطرة، وكثيرُ الغيث محرز.
 

 

إسلام مهدي
 

المصدر: خاص بموقع طريق الإسلام