الاجتهاد في عشر ذي الحجة

منذ 2013-10-13

يستحب للمسلم في هذه العشر الإكثار من الأعمال الصالحة بجميع أجناسها وأنواعها؛ لأن العمل الصالح يتفاضل ويكثر ثوابه ويقوى أثره في صلاح العامل في الزمن الذي خصه الله بمزيد من الفضل. قال مجاهد: "العمل في العشر يضاعف". وقال ابن رجب: "وإذا كان العمل في أيام العشر أفضل وأحب إلى الله من العمل في غيره من أيام السنة كلها، صار العمل فيه وإن كان مفضولاً أفضل من العمل في غيره وإن كان فاضلاً".


الاجتهاد في عشر ذي الحجة الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
فإن الله شرع لعباده مواسمَ للخيرات وأوقاتٍ فاضلات؛ لكي يتعرض العبد لنفحات ربه ويرفع درجاته ويحط سيئاته ويكثر من حسناته ويجدد العهد بربه، وذلك أن الإنسان تصيبه الغفلة في كثير من أوقات السنة، فلما كان هذا حال الإنسان شرع له هذه المواسم لتطرد عنه هذه الغفلة، وتقوي صلته بربه.

وإن من هذه الأوقات الفاضلة التي شرعها الله وميزها على سائر الأوقات العشر الأوائل من ذي الحجة، التي دل الشرع على أنها أفضل أيام السنة، قال الله تعالى: {وَالْفَجْرِ‌ . وَلَيَالٍ عَشْرٍ‌ٍ} [الفجر:1- 2]. قال ابن كثير في تفسيره: "والليالي العشر المراد بها عشر ذي الحجة، كما قاله ابن عباس وابن الزبير ومجاهد وغير واحد من السلف والخلف". وقد أقسم الله بها مما يدل على كمال فضلها، وثبت في صحيح البخاري عن ابن عباس أنه قال: قال رسول الله: «ما من أيام العمل الصالح فيها أحب إلى الله من هذه الأيام» يعني أيام العشر. قالوا: يا رسول الله، ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: «ولا الجهاد في سبيل الله، إلا رجل خرج بنفسه وماله ثم لم يرجع من ذلك بشيء».

فيستحب للمسلم في هذه العشر الإكثار من الأعمال الصالحة بجميع أجناسها وأنواعها؛ لأن العمل الصالح يتفاضل ويكثر ثوابه ويقوى أثره في صلاح العامل في الزمن الذي خصه الله بمزيد من الفضل. قال مجاهد: "العمل في العشر يضاعف". وقال ابن رجب: "وإذا كان العمل في أيام العشر أفضل وأحب إلى الله من العمل في غيره من أيام السنة كلها، صار العمل فيه وإن كان مفضولاً أفضل من العمل في غيره وإن كان فاضلاً".

وهذا بيان لتلكم الأعمال:
1- فمن ذلك أن يعتني عناية فائقة بأداء الصلوات المفروضات على أكمل وجه من التبكير لها، وإتمام ركوعها وسجودها وتحقيق خشوعها، وإحسان الوقوف بين يدي الله؛ فإن الصلاة من أعظم الأعمال البدنية التي عظم الشارع شأنها؛ ففي الصحيحين: "أن النبي سئل أي العمل أحب إلى الله تعالى، قال: «الصلاة على وقتها».

2- ومن ذلك الحرص الشديد على فعل النوافل والتطوعات، فينبغي للمسلم أن يكثر من الركعات والسجدات وأن يتقرب إلى الله بصلاة الضحى والسنن الرواتب وصلاة الوتر وقيام الليل والتطوع المطلق. وقد كان سعيد بن المسيب يجتهد في هذه العشر اجتهادًا حتى ما يكاد يقدر عليه ويقول: "لا تطفئوا سرجكم ليالي العشر".

3- ومن ذلك أن يصوم المسلم ما تيسر له من النفل في هذه العشر، فإن كان يستطيع صوم أكثر هذه الأيام فحسن، وإن كان يشق عليه ذلك أو يفوت عليه مصلحة أو يخل بواجب فإنه يصوم يومًا أو أكثر، وآكدها صوم يوم عرفة لغير الحاج؛ فقد روي فيه ثواب عظيم. قال رسول الله: «صيام يوم عرفة أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله والتي بعده» (رواه مسلم). وقد روي أن النبي كان يصوم هذه العشر كما في حديث حفصة عند أهل السنن، ولكن هذا الخبر لا يصح في هذا، وقد نفت عائشة رضي الله عنها صومه للعشر، ومع أنه لم يرد دليل خاص يدل على فضل الصوم بخصوصه في العشر إلا أن الصوم من أفضل جنس الأعمال؛ لأن الله اصطفاه لنفسه فهو داخل في عموم حديث ابن عباس دخولاً ظاهرًا. قال ابن رجب: "وقد دل حديث ابن عباس على مضاعفة جميع الأعمال الصالحة في العشر من غير استثناء شيء منها". فلا شك في فضله والترغيب فيه لكنه ليس في منزلة الصوم الواجب، ولا الصوم المتأكد كصوم ست من شوال وغيرها مما نص الشارع على استحبابه؛ فلا ينبغي التشديد فيه. وقد روي عن طائفة من السلف صومها كابن عمر وغيره، واستحب صيام العشر أكثر الفقهاء. وأما نفي عائشة صوم النبي للعشر فلا يدل على عدم مشروعيتها؛ لأنه يحمل على اشتغاله عنها بما هو أهم كتركه لصلاة الضحى، أو على أن هذا هو غالب هديه، أو مقصودها أنه لم يكن يصوم جميع العشر.

4- ومن ذلك يشرع للمسلم الإكثار من ذكر الله تعالى من التسبيح والتهليل والتحميد والتكبير؛ لقوله: «ما من أيام أعظم عند الله ولا أحب إليه العمل فيهن من هذه الأيام العشر، فأكثروا فيهن من التهليل والتكبير والتحميد» (رواه أحمد).

5- ومن ذلك يستحب أيضًا أن يكثر من التكبير المطلق في هذه العشر؛ لقوله تعالى: {وَيَذْكُرُ‌وا اسْمَ اللَّـهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ} [الحج: 28]. وصيغة التكبير الواردة عن التابعين: (الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله، الله أكبر الله أكبر ولله الحمد). فيكبر سائر الأوقات في بيته وسوقه وعمله وطريقه وكل موضع إلا ما يكره ذكر الله فيه. قال البخاري: "كان ابن عمر وأبو هريرة رضي الله عنهما يخرجان إلى السوق في أيام العشر يكبران ويكبر الناس بتكبيرهما". والسنة الجهر بذلك، وينبغي للمسلم إظهار هذه الشعيرة والاعتزاز بدينه ولا يخجل من الناس، أو يخشى انتقادهم في إظهار هذه العبادة.

6- ومن ذلك يستحب له أن يكثر من تلاوة كتاب الله ما استطاع إلى ذلك سبيلاً، فإن تيسر له ختمه فهذا فعل حسن. وقد ورد فضل عظيم في تلاوة القرآن وتدبره والوقوف على معانيه.

7- ومن ذلك تستحب الصدقة والبذل والإحسان؛ لأنه من المقرر في دلائل الشرع وكلام العلماء أن الصدقة تكون فاضلة في الزمان الفاضل والمكان الفاضل. فينبغي له أن يتعاهد الفقراء والمساكين بالصدقة وبذل المعروف للناس، ويسعى في قضاء حوائجهم في هذه العشر الفاضلة، وقد كان النبي كثير البر والإحسان في الأزمان الفاضلة، وكان السلف الصالح يتحرون البذل في هذه العشر (كان حكيم بن حزام يقف بعرفة ومعه مائة بدنة مقلدة ومائة رقبة، فيعتق رقيقه فيضج الناس بالبكاء والدعاء يقولون: ربنا هذا عبدك قد أعتق عبيده، ونحن عبيدك فأعتقنا).

8- ومن أعظم الأعمال في هذه العشر حج بيت الله الحرام، وقصد بيته لأداء المناسك لمن تيسر له. قال رسول الله: «الحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة» (متفق عليه) وقال: «من حج فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه» (متفق عليه) فإن لم يتيسر له حج التطوع لشغل أو بر أم أو تمريض قريب أو قيام بمصالح العيال، وكان واجدًا للمال فيستحب له أن يتكفل بنفقة الحج لمن لم يسبق له أداء الفرض فيتبرع له، فإنه يرجى له ثواب الحج كاملاً مثل ثواب العامل. وقد قال النبي: «من جهز غازيًا في سبيل الله فقد غزا، ومن خلفه في أهله بخير فقد غزا» (متفق عليه).

9- ومن أجلّ الأعمال في هذه العشر التي يظهر فيها التذلل وتعظيم الرب ذبح الأضحية تقربًا لله، وهو سنة مؤكدة على الصحيح من مذاهب الفقهاء. وقد ثبت في الصحيحين: "أن النبي ضحى بكبشين أملحين أقرنين ذبحهما بيده وسمّى وكبّر، ووضع رجله على صفاحهما"؛ فينبغي للمسلم القادر في ماله أن لا يفرط في هذه الشعيرة العظيمة متى ما كان الأمر متيسرًا له؛ لأنها سنة أبينا إبراهيم عليه الصلاة والسلام، وواظب عليها نبينا محمد اتباعًا له، وحضَّ عليها وشدد في تركها.

10- ومن أوكد الأعمال في هذه العشر وغيرها التوبة والإنابة إلى الله والإكثار من الاستغفار والتخلص من الذنوب الدائمة والعادات القبيحة، قال تعالى{: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا تُوبُوا إلى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ} [التحريم: 8]. وليحذر من الإصرار على الكبائر، قال ابن رجب: "احذروا المعاصي؛ فإنها تحرم المغفرة في مواسم الرحمة".

إن هذه العشر الفاضلة فرصة عظيمة لتغيير حياة المسلم إلى الأفضل، ونقله من حالة الغفلة والتقصير والجفاء إلى حالة الذكر والمسابقة والعطاء. فينبغي للمسلم أن يستصلح قلبه ويزكي نفسه بهذه الأعمال، وأن يستحضر صدق النية والاحتساب والتذلل والافتقار لله، ويحذر العجب والمنة، ولا يكون همه سرعة انقضاء العمل، وإنما التدبر والاهتمام بصلاح العمل والانتفاع به.

وختامًا ينبغي للمسلم أن يجتهد اجتهادًا كبيرًا في هذه العشر، وينقطع للعبادة ويفرغ وقته لأداء الذكر والنسك والتقرب لله بأنواع القرب على حسب استطاعته، وأن يعتزل الناس والعلاقات الاجتماعية والزيارات والرحلات التي لا طائل وراءها ولا نفع يرجى منها ما استطاع إلى ذلك سبيلاً. أما مجالس العلم والإيمان في بيان كلام الرحمن وشرح السنة ودروس الفقه، فهذه من أجلّ الأعمال فلينشط فيها وليحرص على شهودها ودعوة الناس إلى الخير وتبليغ الدين، فإن هذه المناسبات فرصة عظيمة للداعية في تبصير الناس بدينهم وتتويبهم؛ لأن القلوب مقبلة والنفوس مخبتة متشوفة لسماع الحق وواعظ النفوس فيها حاضر.


خالد بن سعود البليهد