روح التوبة

منذ 2013-10-30

الاستغفار سبب لمغفرة الله للذنوب، ونزول الغيث، وسعة الرزق، وكثرة المال والأولاد. والمستغفر الصادق تصغر الدنيا في قلبه وتزول الوحشة بينه وبين ربه، كما أن الاستغفار مع التوبة سبب للقوة في الدين والدنيا والمتاع الحسن.

 




 


أستغفر الله ذنبًا لست محصيه *** ربّ العباد إليه القول والعمل


وقال ابن صبيح رحمه الله: "شكى رجل إلى الحسن الجدوبة فقال له: استغفر الله. وشكى آخر جفاف بستانه فقال له: استغفر الله. فقلنا له في ذلك فقال: ما قلت من عندي شيئًا؛ إن الله تعالى يقول في سورة نوح: {فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا . يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا . وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا} [نُوح:10-12].

وقال الشعبي رحمه الله: "خرج عمر رضي الله عنه يستسقي، فلم يزد على الاستغفار حتى رجع فأمطروا، فقالوا: ما رأيناك استسقيت؟ فقال: لقد طلبت بمجاديح السماء التي يستنزل بها المطر". مؤكدًا رحمه الله ورضي عنه ما للاستغفار من الثمار والبركات.

فالاستغفار سبب لمغفرة الله للذنوب، ونزول الغيث، وسعة الرزق، وكثرة المال والأولاد.

والمستغفر الصادق تصغر الدنيا في قلبه وتزول الوحشة بينه وبين ربه، كما أن الاستغفار مع التوبة سبب للقوة في الدين والدنيا والمتاع الحسن.

قال جل شأنه: {وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَناً إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ} [هُود:3].

فهو العفو الغفور، وهو الرحيم الغفار، وهو سبحانه أهل التقوى وأهل المغفرة، الذي يسدل على عبده ثوب عطفه وبره ورأفته ورحمته، فلا يكشف أمره ولا يهتك ستره، بل يظهر الجميل ويستر القبيح. سبحانه ما أعظمه وما أجله. يقول الله تبارك وتعالى: {وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا} [النِّسَاء:110].

ورغم قبح الخطايا وبشاعة الذنوب، والتي يعلمها علام الغيوب، فهي عنده في كتاب لا يضل ربي ولا ينسى، إلا أن الله يسترها في الدنيا ويتجاوز عن عقوبتها في الآخرة، ويصون العباد من أن يمسهم العذاب متى ما عادوا إلى ربهم وداوموا على الاستغفار، قال الله تبارك وتعالى: {وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ} [الأنفَال من الآية:33].

وكل دعاء فيه معنى استغفار فهو استغفار، وأعظم الاستغفار هو كما روى شداد بن أوس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «سيد الاستغفار أن يقول: اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت خلقتني، وأنا عبدك وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت، أعوذ بك من شر ما صنعت، أبوء لك بنعمتك علي، وأبوء بذنبي، فاغفرلي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت». قال: «ومن قالها من النهار موقنًا بها فمات من يومه قبل أن يمسي فهو من أهل الجنة، ومن قالها من الليل وهو موقن بها فمات قبل أن يصبح فهو من أهل الجنة» (رواه البخاري).

وعن ابن عمر رضي الله عنه قال: "من ذكر خطيئة عملها فوجل قلبه منها فاستغفر الله عز وجل لم يحبسها شيء حتى تمحى".

وهذا بكر بن عبد الله المزني رحمه الله يقول: "إن أعمال بني آدم ترفع، فإذا رفعت صحيفة فيها استغفار رفعت بيضاء، وإذا رفعت صحيفة ليس فيها استغفار رفعت سوداء".

والاستغفار يُطهِّر القلب ويغسل الذنب وهو بمثابة الصابون للخطايا والآثام.

فإن المعاصي سواد، والتوبة والاستغفار جلاؤها.

سئل ابن الجوزي رحمه الله: "أأسبح أو أستغفر"؟ فقال: "الثوب الوسخ أحوج إلى الصابون من البخور".



 


وإن ابتليت بذلة وخطيئة *** فاندم وبادرها بالاستغفار


ولهذا كان نبي الرحمة صلى الله عليه وسلم مع مكانته عند ربه ومغفرة ما تقدّم وما تأخر من ذنبه يقول: «يا أيها الناس توبوا إلى الله واستغفروه، فإني أتوب في اليوم مائة مرة» (رواه مسلم).

وفي الحديث القدسي يقول الله تعالى: «يا عبادي إنكم تخطئون بالليل والنهار وأنا أغفر الذنوب جميعًا فاستغفروني أغفر لكم».

ما أعظم كرم الله! وما أوسع رحمته! فإنه تعالى يغفر الذنب ويقيل العثرة ويتجاوز عن الخطيئة، يدعو العباد بالليل والنهار إلى التوبة والاستغفار، يتودد لهم، ويتقرّب إليهم، ويبسط يده، وينشر رحمته وذلك كل ليلة.

فعن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل حتى تطلع الشمس من مغربها» (رواه مسلم).



 


يا رب هل من توبة *** تمحو الخطايا والذنوب
وتزيل هم القلب عني *** والكآبة والشحوب

أدعوك في ليل بهيم *** والدمع مدرارًا سكيب
أنت المؤمل والمعين *** وأنت يا ربي المجيب