الاستثمار في مجالي التعليم الجامعي والبحث العلمي (رؤى وتطلعات)

منذ 2013-11-11

تعد الجامعات حجر الزاوية بالنسبة للتعليم العالي العربي سواء من حيث الحجم أو النوعية أو القدرة على التقدم وهناك اتجاه لتجميع كل مؤسسات التعليم العالي تحت مظلة الجامعات العربية. ومن ثم فانه إذا ما أجريت أي دراسة جادة حول التعليم العالي في المنطقة العربية، فينبغي أن تركز على التعليم الجامعي، حيث إن هذا التعليم هو الذي تتركز فيه أهداف التعليم ومغزاه.

 




يتضح من الجدول تدني نسبة الإنفاق على البحث والتطوير في البلدان العربية، حيث يبلغ متوسطها 0. 16% إذا ما قورنت بنظيراتها في الدول المتقدمة التي تنفق المبالغ الكبيرة على البحث والتطوير ويبلغ متوسطها 2. 8%.

ومن الأرقام التي تعكس أحد أوجه التحدي التي تواجه البحث العلمي في البلدان العربية، تلك التي نشرتها إحصاءات اليونسكو منتصف التسعينات حول نتائج استطلاع نسبة عدد الباحثين إلى عدد السكان والتي يلخصها الجدول التالي:

عدد الباحثين لكل 1000 مواطن:







صورة


وعلى الرغم من تنوع المشكلات التي يواجهها البحث العلمي في العالم العربي وتعدد مصادرها، إلا أن مزيدًا من الجهد والتنسيق والتعاون يمكن أن تخفف حدة تلك المشكلات، وذلك من خلال:

1- توفير الدعم المادي اللازم وذلك من خلال تخصيص مبالغ كافية في موازنة الدولة والجامعات والأجهزة البحثية لدعم الأبحاث العلمية وإجراء الدراسات الجادة.

2- التعاون والتنسيق بين أجهزة البحث العلمي المختلفة داخل الدولة ذاتها وبين البلدان العربية لإجراء البحوث والدراسات ذات البعد التنموي التطبيقي.

3- إنشاء قواعد بيانات لمؤسسات البحث العلمي تتضمن كافة المعلومات ذات العلاقة بالبحث العلمي لتسهيل رجوع الباحث إليها والإفادة منها.

4- تطبيق مبادئ الجدارة والجودة في تقويم إنتاجية الباحثين وتقديم حوافز مادية ومعنوية مجزية لذوي الكفاءة والتمييز.

5- تشجيع إصدار المطبوعات العلمية التي تعمل على تقديم أحدث الاكتشافات العلمية والاختراعات الجديدة ونتاج الجهود البحثية العلمية حتى يكون هناك متابعة للمستجدات العلمية والتقنية.

6- العمل بمنهجية بحثية تعتمد على التخطيط بأسلوب علمي لتلبية الاحتياجات الفعلية للمجتمع.

7- توظيف نتاج البحث العلمي في دعم حركة التنمية الشاملة باختيار ما يتلاءم وحاجات المجتمع المتعددة.

8- تسويق الجهد البحثي كوسيلة فاعلة لبلوغ أهداف المجتمع والاستجابة لحاجاته المتغيرة، بما في ذلك الرسائل الجامعية من خلال برامج إعلامية مناسبة.

9- تنشيط وتفعيل اللقاءات العلمية من خلال عقد المؤتمرات والندوات العلمية ليتم من خلالها تناول الآراء والخبرات بين الباحثين والعلماء العرب، ونقل ذلك عبر التليفزيونات العربية والقنوات الفضائية.

10- تشجيع المبدعين وتوثيق الإبداعات البحثية وتحسين الأحوال المعيشية ووضع الحوافز المناسبة للباحثين، للحد من هجرتهم نحو البلدان الغربية المتقدمة.

ويبقى الأمل معقودًا بشباب أمتنا وباحثيها لتحقيق الدور الفاعل للبحث العلمي في توفير الأسس العلمية لتحقيق النهضة الشاملة في مجالاتها المختلفة وربط البحث العلمي باحتياجات المجتمع بما يحقق متطلبات التنمية الشاملة على أسس علمية مدروسة قادرة على مواجهة تحديات الألفية الثالثة.

التوقعات والإمكانات والمستقبليات:

على ما يبدو فإن التعليم العالي لا يرضي التوقعات. فمن الانتقادات السائدة أن التعليم العالي في الدول النامية غير مرتبط بالاحتياجات الاجتماعية لهذه الدول، ومن هذه الانتقادات أيضًا أن التعليم العالي يزيد من الفروق الاجتماعية في هذه الدول. كما أن التعليم العالي يعتبر المسؤول عن الهجرات من الريف، كذلك فإن انتشار البطالة من خريجي الجامعات ومؤسسات التعليم العالي جزء من هذه الاتهامات والانتقادات. ومن خلال وجهات النظر تلك فإن النقاد ينتهون إلى أنه ليس من الحقيقة أن نقول إن التعليم العالي والبحث الجامعي المنظم في الدول النامية قد أصبحت له جذوره.

إن المساعي من أجل تحقيق التوقعات المعقودة على التعليم التي تتجاوز الإمكانات تسببت في سوء توجيه الموارد، لذا فإن الاعتراف بحدود الممكن هو أمر ضروري في أي تحليل للتوقعات، ومثل هذا التحليل يمكن تطبيقه بالتساوي على إنتاج الشركات والمنازل والصناعات، فأينما تنتج البضائع والخدمات فإن إمكانات الإنتاج دائمًا تكون مقيدة بالموارد المتاحة وبقدرات البشر وبتنظيم أنشطة الإنتاج. وفق ذلك فإن التوقعات في حالة التعليم العالي تبدو في الواقع غير مقيدة عندما ينظر المرء إلى بيانات عدد من النقاد. فمن الواضح أن التعليم العالي في أي مجتمع ليس نشاطًا حرًا بل العكس فهو نشاط اقتصادي له تكاليفه.

وكذلك فإن الموارد المحدودة التي تخصص لدعم الجامعات ومؤسسات التعليم العالي وللخدمات التي توفرها ذات قيمة عالية، ونفقات التعليم العالي يمكن تقديرها بسهولة أكثر من استطاعتنا تقدير عوائدها التي تظهر في صورة خدمات.

حيث تقدم مؤسسات التعليم العالي كثيرًا من الخدمات للمجتمع من بينها تدريب الموارد البشرية والبحث العلمي ونشر الثقافة وغير ذلك من الخدمات، وهي خدمات تعد في مجموعها جزءًا من مجموع الخدمات أو السلع التي ينتجها المجتمع.

وعلى الرغم من أن النفقات تمثل جانبًا واحدًا فقط من التعليم العالي فإن نتائج ذات قيمة يمكن أن يستدل عليها من خلال هذه النفقات التي تعد أمرًا مهمًا في معرفة حجم المخصصات من الموارد لأنشطة التعليم.

إن تأسيس الجامعات ومؤسسات التعليم العالي وتنظيمها وإدارتها الداخلية مسائل مهمة. وإن تخصيص الإسهامات المادية العامة لمؤسسات التعليم العالي يتطلب بصورة محتمة تحديد مسؤولية استخدامات هذه المخصصات المادية.


وغير خافٍ أن بطاقة الثمن في التعليم العالي لا شك أنها لن ترضي أحدًا وتثمينه أو تسعيره سوف ينظر إليه على أنه انغماس في مذاق سيئ، ووضعه في مكان أشبه بمزاد يخصص فقط للممتلكات والسلع، علاوة على استياء الدارسين الأكاديميين من أن يكونوا مسعرين.

إن النقاد ينظرون إلى التوقعات والآمال المعقودة على التعليم العالي كأشياء لا سعر لها، ومع ذلك فإن الموارد ستكون دائمًا نادرة، ولهذا السبب الجوهري فإن الأسعار مسألة محتمة بغض النظر عن الكيفية التي ينظم بها المجتمع.

إن فكرة إعداد الإنسان للتغيير والتهيؤ النفسي له ينبغي أن تكون القيمة الأساسية في التعليم، فالتكيف مع التغير لم يعد كافيًا من وجهة نظر بعض الباحثين وإنما الأهم هو توقع التغيير والاستعداد له والتأثير عليه. إن الثورة العلمية و
التقنية بما تتضمنه من انفجار معرفي ومعلوماتي تفرض على المهتمين بالنظم التعليمية الاهتمام بالقضايا الرئيسية التالية:

1- التأكيد على مفهوم التعليم الشامل بما يتضمنه من تزواج التخصصات وإعادة تنظيم الجامعات ومراكز البحوث ومعاهد الاستشارات العلمية بما يسمح هذا التزاوج في وقت يسير، ويدخل في هذا إنشاء وحدات بحثية لا تنتمي إلى مجال معرفي بعينه وإنما تسعى لحل مشكلات بذاتها.

2- الاستفادة من التقنية الحديثة في العملية التعليمية والتفكير في النتائج الفكرية التي تطرحها.

3- النظر في العلاقة بين نظام التعليم الرسمي (المدارس والجامعات) وأدوات التعليم الأخرى، ففي إطار الثورة التقنية يصبح الإعلام بمثابة مدرسة موازية ويزداد دوره في العملية التعليمية.

4- إقامة مراكز التميز Centers Of Excellence، ويقصد بها إقامة وحدات بحثية على مستوى عالٍ قادرة على متابعة التطور التقني واستيعاب نتائجه.

5- التأكيد على دور وسائل الإعلام المختلفة مقروءة ومسموعة ومرئية نحو تسويق قدرات وخبرات أساتذة الجامعات.

توصيات:

1- على الجامعات وجميع مؤسسات التعليم العالي أن تمارس مسؤولياتها باعتبارها أهم أدوات المجتمع التي يحتاجها لتحقيق أقصى قدر من التنمية الشاملة في المجالات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية على النطاق المحلي والإقليمي والدولي.

2- ينبغي أن تكون تلك الجامعات ومؤسسات التعليم العالي قادرة على التصدي للمشكلات العالمية بصفة عامة، من خلال مساهمتها الإيجابية في مجالات العلم والتقنية لصالح البشرية.

3- على الجامعات أن تشجع التضامن الإنسان والتعاون بين كل المواطنين في كافة أنحاء العالم، واضعة في اعتبارها المواقف المتغيرة لمختلف الأفراد والتأثيرات الإعلامية والاتصالية الجديدة.

4- على الجامعات أن تُعدّ البرامج اللازمة لتوفير فرص متساوية في التعليم، وبهذا المفهوم يكون للدراسات العليا وللبحث العلمي الأولوية في البلدان النامية.

5- ينبغي أن يوجه التعليم العالي بالأسلوب الذي يتحقق للدول من خلاله الاعتماد وعلى النفس في مجالات التنمية الاجتماعية والاقتصادية، ولهذا ينبغي أن تكون البرامج الجامعية وثيقة الصلة بحاجات المجتمع.

6- لابد من توجيه البحث العلمي نحو ما يؤكد الحاجات الوطنية في التنمية وتسويق ذلك عبر وسائل الإعلام المختلفة.

7- حبذا زيادة التعاون بين الدول وبين الجامعات المختلفة في مجالات البحث العلمي.

8- ينبغي الالتزام باستراتيجيات جديدة في التعلم والتعليم وهي استراتيجيات تجعل الطلاب أشخاصًا مثقفين قابلين لتلقي الثقافة أكثر من كونهم مجر متعلمين، وهذا أسلوب يوفر قدرًا كبيرًا من الاعتماد على النفس.

9- لا بد أن تحظى علوم الاقتصاد والإدارة بقدر كبير من التأكيد والتركيز خلال البرامج التدريبية التي تقدمها الجامعات ومؤسسات التعليم العالي.

10- ينبغي أن تنتهج الجامعات ومؤسسات التعليم العالي نهجًا يكفل انتشار تلك المفاهيم والأساسيات.

وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين


ـــــــــــــــ

المصادر والمراجع:

1- بيكاس سانيال - التعليم العالي النظام الدولي الجديد، مكتب التربية العربي لدول الخليج، الرياض، 1407هـ.


2- تيودور شولتز - قيمة التعليم العالي في الدول ذات الدخول المنخفضة - رؤية اقتصادية، مكتب التربية العربي لدول الخليج، الرياض، 1407هـ.

3- حواس سلمان محمود - واقع البحث العلمي في العالم العربي، المجلة الثقافية، الجامعة الأردنية، عمان ع46، 1999م.

4- عاصم محمد الأعرجي - الوجيز في مناهج البحث العلمي، دار الفكر، عمان، 1995م.

5- عبد الرحيم الحنيطي - واقع البحث العلمي وآفاقه في العلوم الأساسية، ورقة عمل مقدمة للملتقى العلمي الثالث للفائزين بجوائز عبد الحميد شومان للباحثين العرب الشبان لعام 1998م، الأردن، نوفمبر 1999م.

6- علي الدين هلال - مستقبل النظام العالمي وتجارب تطوير التعليم، منتدى الفكر العربي، عمان، 1989م.

7- كيرتر ستيفن - دور الجامعة في عالم متغير، ترجمة د. عبد العزيز سليمان، دار نهضة مصر، القاهرة، 1975م.

8- محمد مصطفى حبشي - سياسات التعليم العالي: إدارة وتمويل، ورقة عمل مقدمة للدورة الثالثة والثلاثين لمجلس اتحاد الجامعات العربية، الجامعة اللبنانية، بيروت، 2000م.


9- د. وليد زكريا صيام - واقع البحث العلمي وآفاقه المستقبلية في العالم - بحث مقدم لمؤتمر إدارة وتمويل التعليم العالي، الجامعة اللبنانية، بيروت، خلال الفترة 17-19 إبريل 2000م.

[1] - (بيكاس سانيال - التعليم العالي والنظام الدولي الجديد مكتب التربية العربي لدول الخليج -، الرياض، 1407هـ ص: [33]).


[2] - (كيرتر ستيفن - دور الجامعة في عالم متغير، ترجمة د. عبد العزيز سليمان دار نهضة مصر، القاهرة، 1957م، ص: [3-4]).

[3] - (د. محمد مصطفى حبشي - سياسات التعليم العالي إدارة وتمويل، ورقة عمل مقدمة للدورة الثالثة مقدمة للدورة الثالثة والثلاثين لمجلس اتحاد الجامعات العربية الجامعة اللبنانية، بيروت، 200م، ص: [1-2]).

[4] - (عاصم محمد الأعرجي - الوجيز في مناهج البحث العلمي - دار الفكر، عمان، 1995م، ص: [175]).