الوهن خطوة نحو الغثائية

منذ 2013-11-18

كثير منا سكنت الدنيا قلبه حتى عشقها أشد ما يكون العشق، وكثير منا كره الموت بكل قوته حتى أنه ما عاد يكره شيئاً مثله، وبهذين الأمرين ساهم الكثير منا في حالة الغثائية التي أصابت الأمة دون أن نشعر، فكل منا ساهم بوهنه الذي خبَّأه في قلبه وطفح على عمله حتى صرنا إلى ما صرنا إليه من تكالب أهل الباطل على أهل الحق.


كثير منا سكنت الدنيا قلبه حتى عشقها أشد ما يكون العشق، وكثير منا كره الموت بكل قوته حتى أنه ما عاد يكره شيئاً مثله، وبهذين الأمرين ساهم الكثير منا في حالة الغثائية التي أصابت الأمة دون أن نشعر، فكل منا ساهم بوهنه الذي خبَّأه في قلبه وطفح على عمله حتى صرنا إلى ما صرنا إليه من تكالب أهل الباطل على أهل الحق.

فعن ثوبان مولى النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «يُوشِكُ أن تَدَاعَى عليكم الأممُ من كلِّ أُفُقٍ، كما تَدَاعَى الْأَكَلَةُ إلى قَصْعَتِها، قيل: يا رسولَ اللهِ! فمِن قِلَّةٍ يَوْمَئِذٍ؟ قال لا، ولكنكم غُثاءٌ كغُثاءِ السَّيْلِ، يُجْعَلُ الْوَهَنُ في قلوبِكم، ويُنْزَعُ الرُّعْبُ من قلوبِ عَدُوِّكم؛ لِحُبِّكُمُ الدنيا وكَرَاهِيَتِكُم الموتَ» (صحيح الجامع: 8183). فحب الدنيا وكراهية الموت هما سبيل الوهن المستجلب للغثائية التي تعيشها الأمة رغم أزماتها ورغم نوازلها الشديدة.

فالوهن هو الذي يجعل أحدهم يبتلع كلمة الحق ولا ينطق بها فيجعل الساحة فسيحة لأهل الباطل لينشروا باطلهم في ظل سكوته. والوهن هو الذي يجعل أحدهم يداهن على حساب دينه تاركاً عقيدة الولاء والبراء وراء ظهره مبرراً ذلك بمليء فِيه وكأن المداهنة أصبحت ديناً يُتدين به لله.

والوهن هو الذي يحجب عن قلب أحدهم كل شجاعة ليحل مكانها ارتواء من الجبن والبخل بالنفس. والوهن هو الذي يدفع أحدهم لتغيير مفاهيمه وما كانت تسطره يداه ويتحدث به لسانه بين عشية وضحاها حتى تجده شخصاً آخر وكأنك لم تعرفه. والوهن هو الذي يجعل أحدهم يتسلق على أكتاف من هم أحق بالأمر منه ويمعن في تسلقه باتباع أساليب الخيانة المغلفة بعناوين للفضيلة.

والوهن هو الذي يجعل أحدهم يدفع بإخوانه قرابين تقتلهم أيدي الظلمة الخونة ويقف متفرجاً مكرراً للتهم التي يطلقها الظالم المتجبر على المظلوم الذي لا يملك إلا صدره عارياً أو كفيه يرفعهما إلى السماء يدعو ربه. والوهن هو الذي يجعل أحدهم إمعة إن أحسن الناس أحسن وإن أساء الناس أساء، يبتغي بذلك سلامة الحياة حتى ولو كانت حياة بلا دين وبلا كرامة وبلا إنسانية وكأنه مخلد.

والوهن هو الذي يجعل أحدهم مستكيناً كما لو أنه ذبيحة سهلة تمشي تتلفت في وضح النهار. والوهن هو الذي يجعل أحدهم يتعاون حتى مع المعتدي على دينه وعرضه والمحتل لأرضه ثم يقدم له شكراً على مجهوده الذي بذله في اعتداءه واحتلاله.

إن من الواضح أنه لا سبيل للخروج من دائرة الوهن المستجلبة للغثائية إلا اتباعنا سبيل المتقين، سبيل النجاة بصدق والعمل بإخلاص لله وحده، وفق منهج النبي صلى الله عليه وسلم لا وفق الأهواء. ولا بد أن نعبر دنيانا كأنها سفر لا نعلق قلوبنا بها وبمتاعها من مال أو منصب وغيره كما أمر النبي صلى الله عليه وسلم عبد الله بن عمر رضي الله عنه قائلاً له: «كُنْ في الدنيا كأنك غريبٌ أو عابرُ سبيلٍ» (البخاري: 6416).


حسام كمال النجار