الاتجاهات العلمانية وموقفها من قضايا الأمة: (فلسطين أنموذجاً)

منذ 2013-11-29

ربما أصاب البعض ممن يتابع المشهد السياسي للبلدان التي وقعت فيها أحداث الثورات الأخيرة؛ الحيرة والعَجب من موقف العلمانيين وأشباههم، ورفضهم ومحاربتهم للمشروع الإسلامي كمشروع تحريري وتحرُّري، وتفضيل الرؤى الغير إسلامية والتي من لوازمه بقاء الأمة تابعةً لا متبوعة، وقضية فلسطين هنا نموذجاً يكشف حقيقة موقف هؤلاء جميعاً من قضايا الأمة المصيرية.




لهذا لزم أن أُعرِّف مفهوم الأمة وفقاً للرؤية الإسلامية.

تقول الدكتورة منى أبو الفضل: "مفهوم الأمة وفقاً للرؤية الإسلامية؛ يُحوِّل المفهوم من كونه ظاهرة إلى مفهوم، ويرتقِ بهذا المفهوم من المدركات الوجدانية إلى مستوى المدركات الفاعلة، ويُحوِّل الانفعالات الشعورية إلى تفاعلات واعية إرادية، فالفرد يلتحم بمجموع الأمة، ويرتبط بوشائج ويشعر بكل ما تمرّ به أمته من أحداث ويعيش لها، فإدراك الفرد وشعوره بأنه ينتمي لهذه الأمة، وأنه جزء منها يعايشها ويدركها من خلال الخبرة الذاتية؛ فيجتمع لديه الخبرة الذاتية والواقع الموضوعي، ليشكلا استمرار الأمة كظاهرة حيوية متجددة فوق مسرح التاريخ المشهود".

• فشل المفهوم القومي للأمة من إزاحة المفهوم الإسلامي:

فلم يجد المفهوم القومي قبولاً ولا قراراً في وعي الأمة الإسلامية، فقد حاول القوميون والعلمانيون على اختلاف مشاربهم؛ أن يحصروا مفهوم الأمة الإسلامية في متحف التاريخ ومخازنه، لكنه فاتهم أن الإسلام دين حياة قبل أن يكون دين آخرة، وأنه نزل لإحياء المجتمعات الإنسانية ويُشرَّع للحياة الدنيا، وحاول هؤلاء أن يحصروا مفهوم الأمة في الإسلاميات بدعوى أنها بعيدة عن العصرنة والتحديث والعلمنة، والذي من تبعاته الفصل بين الدين والدولة، وتعميق التخصص بين فروع العلم والمعرفة، فلماذا يخلط الإسلاميون بين الإسلاميات والإنسانيات؟!

فموضوع الأمة -من وجهة نظرهم- يبحثه الفقهاء وعلماء الدين والشرع، ونعكف على تحليل ظواهر المجتمع العصري الذي نحن بصدد تشييده، وهدفهم استبعاد الدين ومفهوم الأمة.


وتواصل الدكتورة منى أبو الفضل كلامها فتقول: "فاتهم أن الفقيه المسلم عالِم في الاجتماعيات والإنسانيات ومُدرِك لشؤون الجماعة وقضايا الاجتماع والسلطة، وهو مسلم قبل أن يكون عالِماً ولا يُحجَّر عليه في تناول شؤون الجماعة فهو وإن احتاج في بعض الأمور والتخصصات فهو يستعين بالمتخصصين لا أن يحجب ويمنع من ممارسة دوره الاجتماعي والسياسي".

فالعالِم المسلم أشدَ حِرصاً على الأخذ بأسباب التقدُّم والرُّقي؛ لأنه يُدرِك سُنّة الله في الخلق في قضية التطور، ولكنه لا يطلب التطور لذات التطور، وإنما كوظيفة حضارية للأمة لتمكِّنها من العِزّة والقيادة للإنسانية وهي عزيزة قادرة، فخطورة تناول قضايا الأمة ومشكلاتها المعاصرة بمقاربات بحثيةٍ بعيدة عن عقيدة أهل السنة، لأن تلك المقاربات تُبعِدنا عن الحلول الحقيقية لقضايا الأمة، سواءً كانت قضية فلسطين أو أفغانستان أو العراق أو كوسوفو... إلخ،
فهل سمعتم أو رأيتم من الحكومات التي خلَّفت الاستدمار (الاستعمار) والمسمَّاة وطنية أنجزت أشياء من قضايا الأمة، أو قاربت على حلها أم العكس؟

• علاقة كلمة التوحيد بتحرير فلسطين

ولأن مفهوم الأمة مرتبط بكلمة التوحيد، والتي ليست قاصرة على المفهوم العقدي فقط؛ بل هي أجلُّ صورة وأوضحها لدفع الأمة إلى التوحُّد والاعتصام تحت رايتها، ومن هنا جاء واجب النصرة لفلسطين مرتبط بكلمة التوحيد؛ التي من مقتضياتها واجب النُّصرة والولاء، والبراءة من كل صور الشرك السياسية والاجتماعية والثقافية المضادة للأمة وعقيدتها التوحيدية. وإلا أصبح التوحيد صورة ذهنية باردة لا تنفع صاحبها وإن جرى عليه لفظ المسلم في الأحكام لنطقه بها.

فلا يوجد لدينا انفصال بين التوحيد وواجب النُّصرة والولاء لكل قضايا الأمة، وإلا انفصل الروح عن الجسد وماتت الأمة إكلينيكياً. فكل مُدّعٍ ومنسوب للصفوة والنخبة الفكرية والبحثية ممن خلفهم الاستدمار وتشرّب عقائده وثقافته الفكرية وولاءاتهم منسجمة مع النسق الغربي والتغريبي، فيجب على الأمة أن تحذَرهم وتحذَر أطروحاتهم لحل مشاكلها، فهم أبعد ما يكونوا عن الحل والولاء والنُّصرة لقضايا الأمة، فعليهم أولاً أن يتبرأوا من ولاءهم لعقيدة وثقافة أعداء الأمة.

إدراك بعض علماء الغرب للفوارق الجوهرية بين مفهوم الأمة عندنا ولديهم

يقول مارسيل بوازار: "لا يوجد لمفهوم الأمة بالمعنى الإسلامي نظيراً في المفهوم الغربي الذي عرفته أوروبا المسيحية في العصور الوسطى. كما لا يجد لها ما يوازيها في المفهوم المعاصر للقوميات كما جاءت في أوروبا في عصر التنوير ق 19 و20م".

تُعلِّق الدكتورة منى أبو الفضل على ذلك فتقول: "فموجب الشهادة التوحيدية يرتقِ الفرد الإنسان إلى أمة أو الفرد الأمة، وتُعلِّل ذلك بأن الذي أكسبه صفة الفرد الأمة، النية المعلنة والشهادة المنطوقة والالتزام والإذعان لإرادة الحق، وهي إرادة الشرع العليا؛ التي تُحدِّد النية الاجتماعية للجماعة، منبثقة من عقيدة تدين بها الجماعة لله عز وجل، وهنا يبرز سرّ استمرار ووجود الترابط النفسي والعضوي للأمة، رغم الوهن الذي أصاب النُّظم، فإنه لم يفت في عضد الرجال عبر تاريخ أُمَّتهِم المتقلِّب من أن يُقدِّموا الأسوة والقدوة للإسلام عقيدة وشريعة، وهذا يُفسِّر لك لماذا تعددت المراكز الحضارية للأمة من مكة والمدينة وبغداد والقاهرة والأندلس ودمشق... إلخ.


فنحن أمة في حالة إحياءٍ متجدد، كلما تعرّضت عاصمة حضارية لنكبة أو وهن؛ قامت لها شعلة حضارية في عاصمة أخرى مقاومةً كل صور الاستسلام والإذلال، فنحن أمة مقاومة لا نقبل الإخضاع أو الإذلال لتسير بنا سنن التدافع إلى منتهاها".

• أثر سيادة الاتجاهات العلمانية واليسارية على قضية فلسطين

ذكرتُ سابقاً أن المقاربات البحثية البعيدة عن العقيدة الإسلامية لا تحل مشاكل الأمة بل تعقدها.

ألم تتسبب هذه الاتجاهات القومية والعلمانية في سقوط الخلافة العثمانية؟ وسهّلت بل وشرعنت للاستدمار بغرس أفكاره وتوطينها في عقل الأجيال؟

تقول الدكتورة ودودة عبد الرحمن بدران؛ بعد أن حلَّلت أسباب تدهور الدولة الأموية والعباسية ودولة المماليك والدولة العثمانية قالت بوضوح:


"السبب الأول: هو التخلّي عن العقيدة كأحد وأهم القوى الرئيسية في توجيه سلوك الدولة سياسياً.

السبب الثاني: سيادة الاتجاهات العلمانية والقومية أوائل القرن العشرين؛ حيث لم تعد هناك رابطة تجمع ما بين القيادة والشعب تجعل لهم هدفاً مشترَكاً يقود تَحرُّكاتهم الخارجية.

فهذه الاختلافات بين تلك الاتجاهات السياسية والفكرية في التعامل مع القضية الفلسطينية؛ فالقوميون يعتبرونها قضية عربية حيث يُمثِّل التوسع الصهيوني خطراً على الوجود العربي.


وهناك التيار الماركسي الذي اعتبر قضية فلسطين قضية تحرّر من الاستعمار ونسوا أن الاتحاد السوفييتي أول من اعترف بدولة الكيان الصهيوني!

وهناك التيار الإقليمي الذي يعمل على التأكيد على الشخصية الفلسطينية في إطارها الإقليمي.

ويبقى التيار الإسلامي الذي ينظر إلى قضية فلسطين على أنها أرض إسلامية مُغتصَبة وجب تحريرها".

إنَّ إسرائيل أسّست دولتها على أساس من التوراة، وفشلت كل الأيديولوجيات والأفكار في التصدي لحلها، ولم يثبُت أمامها إلا من حَملوا العقيدة الإسلامية، وصمدوا صُموداً أُسطورياً في المواجهة إنه الشعب الفلسطيني بالأساس. فعامل الدين لا يمكن إغفاله ونحن نُحلِّل الصراع في قضية فلسطين ومقدساتها؛ فهو أهم الأبعاد على الإطلاق، وفي مقالي القادم سأذكر طبيعة الصراع وخصائصه وسبل الحل.

• نماذج من النخبة العلمانية والقومية واليسارية وموقفها من قضية فلسطين


يقول الباحث الفلسطيني خالد أبو العمرين؛ في رسالته للماجستير عن (أهمية فلسطين في نظر الإسلاميين؛ ص:[20]) وما حدث للقضية في ظل سيادة الفكر القومي والليبرالي واليساري: "وهكذا برزت في بلادنا العربية الدعوات المتحمِّسة للتغريب والمطالبة بمواكبة العصر والدعوة إلى الحداثة، وفصل الدين عن الدولة. ولخّص تلك المفاهيم طه حسين بقوله علينا أن نتعلّم كما تعلّم الأوروبي، ونشعر كما يشعر، ثم نعمل كما يعمل، ونُعرِّف الحياة كما يُعرِّفها".

ويُعقِّب الباحث أبو العمرين بقوله: "فكانت نكبة فلسطين، وقيام إسرائيل، وهزيمة الليبرالية العربية التي كانت سائدة وقت احتلال فلسطين، ثم انتعشت بعدها الدعوات القومية واليسارية والماركسية؛ فكانت هزيمة 67 ومن طرائف تعليل سبب الهزيمة عند بعض ممثلي هذا الاتجاه يقول قسطنطين زريق: التقليد والإيمان بالغيبيات، ويؤمن ماركسي آخر وهو ميخائيل نعيمه: أن الهزيمة بسبب عدم عبادة المال والعلم فالمال والعلم لا يخذلان صاحبهما كما خذلهم ربهم يقصد المسلمون، {كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِن يَقُولُونَ إِلاَّ كَذِبًا} [الكهف:5]".

يقول الكاتب العراقي محمد الجزائري: "فمنذ نكبة فلسطين وعدوان 56 ثم هزيمة 67 وثغرة 73 ووصول السادات إلى تل أبيب، وكامب ديفيد، ثم طرح لعبة السلام وهي صورة من صور إدارة الصراع بشكلٍ أقل تكلفة للعدو ثم جاء طرح التقسيم وحل الدولتان ونظامان... إلخ؛ فالأمر في النهاية انتهى لصالح الكيان الصهيوني فحقق السيادة على الأرض، والحياة بسلام، وحدود آمنة مُعترَفٌ بها وحرية ملّاحة، بل بند غير مُعلَن وهو حرية العدوان على أهل فلسطين والتوسع، فأحداث غزة المتكررة والأخيرة، التي ما زالت رائحة شواء أجساد الأطفال تزكم أنوف المطبِّعين والمتخاذلين. هكذا تعلّم العدو أنه بالقوةِ يفرِض الإرادة ويُملي الشروط.


تعلّم هذا منذ اتفاقية رودس، بعد أول المواجهات الدامية 48، كرَّس اليهود بعدها وعد التوراة في السياسة والحرب، فوصلنا إلى أوسلوا ومدريد حتى حصار غزة يأتي لخدمة العدو في إطار خيانة الأمة".

فالرئيس السادات قال: "أن أوراق اللعبة كلها في يد أمريكا، وأن اليهود حمائم السلام". وكتب توفيق الحكيم للسادات بعد توقيع ما يُسمَّى اتفاقية السلام كتابه (عودة الوعي)، وحقيقٌ به اللاوعي، والذي دعى فيه لِعُزلةِ مصر بعيد عن أمَّتها الإسلامية، وأن تكتفى بفرعونيتها، وأكد في كتابه هذه على أن تقدُّم مصر مرهونٌ باقترابها من إسرائيل وانفصالها عن العرب!

أما الكاتب أنيس منصور فقال عن السادات: "إنه رجل شجاع" حقق الاستسلام، أقصد السلام وأنه بعيد النظر وحقق السلام الذي لم يتحقق منذ خمسين عاماً".


نعم حقق السلام؛ والدليل ضرب الفلسطيني بكل أنواع القنابل والأسلحة المحرَّمة دولياً إلا على الفلسطينيين!

فهذا الأنيس قال بعد إعلان فوز حماس بالانتخابات: "إنّ على حماس أن تقول نعم ثلاث مرات: نعم للاعتراف بإسرائيل، ثم نعم لكل اتفاقيات السلام، ثم نعم لوقف العنف!"

هل قال لإسرائيل نعم أوقفي قتل الشيوخ والأطفال وسرقة الأرض وتدنيس المقدسات؟!

آسِف أنيس! فأنت بحسب قولك عن نفسك لم تعرِف ما الفرق بين اليهودي والمسيحي والمسلم إلا في فترة متأخرة من حياتك!

ومما قاله نجيب محفوظ: "المصالح الأمريكية لا تتناقض مع المصالح العربية والموقف في نظري أن نُطبِّق معاهدة السلام بحذافيرها، والدفاع عن حقوق الفلسطينيين قدر المستطاع"، ثم يستطرد في كلامه قائلاً: "لقد حاولنا تغيير الواقع، فدخلنا حروب، والمخيف أن خسارتنا كانت أفدح مما لو تركناه كما هو"، وأضاف: "لو أن عبد الناصر كان مُحنَّكاً سِياسياً لم يترك إسرائيل تستدعيه للحرب!".

لا تسأل الأديب عن مفهوم الأمة ولا الأمن القومي؛ ففي كازينو قصر النيل وفي اللقاء الأسبوعي له وكان يوم الجمعة؛ كان يحضر مع هؤلاء السفير الإسرائيلي الذي وقّع محفوظ وغيره عقوداً سخية لنشر أعماله داخل إسرائيل.
من هؤلاء توفيق الحكيم وأنيس منصور ويوسف إدريس وثروت أباظة ولطفي الخوالي... إلخ.

• الحزب الوطني المصري وإسرائيل

نشرت مجلة المصور المصرية في عدد أكتوبر 1993م حديثاً للدكتور مصطفى خليل جاء فيه: "كل من يستطيع أن يُسرِع ولا ينتظر الباقين، ومصر بالذات عليها أن تسبق الجميع مطمئنة إلى أن إسرائيل لا تريد لها إلا كل خير وأضاف أن إسرائيل ليست عدوة لنا!".

ويقول يوسف والي، وزير الزراعة المصري الأسبق: "إن الترتيبات الاقتصادية لمستقبل المنطقة سيكون بقيادة محور مصري إسرائيلي"!


فحقاً إنَّ هؤلاء هم مهرجي البلاط السلطاني، زمن الليبرالية والقومية واليسارية، الذين ساهموا في تدمير العقل المسلم، وأبعدوا الأجيال عن مفهوم الأمة، ومعاداة كل ما يخص الإسلام من دائرة الصراع السياسي والفكري والثقافي، وهذا أمر يطول الكلام فيه، وحسبي إشارة إلى ما يخص قضية فلسطين باختصار شديد.

على الطرف الآخر الإسرائيلي، فهو يدرك ما لا يدركه هؤلاء؛ فهذا إسحاق رابين الحاصل على جائزة ما يُسمَّى السلام يقول: "سأحاول أن أعمل ما في وسعي لفصل المسائل الدينية عن صِراعنا مع الفلسطينيين".

وقال قبل الانتفاضة بأربعين يوماً: "إنه يتعيّن على إسرائيل البحث بكل السُبل الممكنة لإبقاء المواجهة الفلسطينية الإسرائيلية مقتصرة على المجال السياسي، فكلما اتخذت المواجهة طابع المواجهة السياسية لا الدينية فإن إسرائيل ستواجه مشكلات عويصة للغاية".

• ماذا قالت المقاومة الفلسطينية الإسلامية عن الصراع:

قالت:

  • معركتنا معركة عقيدة ووجود وحياة.
  • فنعم للحجر ولا للمؤتمر.
  • أرضنا إسلامية الهوية هذه هويتها.
  • 48 مع 67 = أرض فلسطين.
  • 48 مع الضفة والقطاع = أرض لن تباع.


    عشري علام

     
المصدر: خاص بموقع طريق الإسلام