الدعوة الأصعب

منذ 2013-12-02

وإذا كانت دعوة عامة الناس من الصعوبة بمكان، نظراً لِما تحتاج إليه من علمٍ وحلمٍ وحكمةٍ وخلقٍ وصبرٍ واحتمال، إلا أنّ فيها مع ذلك الشهرة والثناء، إضافة لبعدها عن الاحتكاك الذي قد يكشف المستور والمحظور من الأخطاء والعيوب. أما دعوة أهل البيت والأهل والأرحام، فهي الدعوة الأصعب والمهمة الأكثر مشقة، نظراً لانعدام الشهرة الموجودة في الدعوة الخارجية، مما يجعل الدافع للقيام بها أقل، إضافة للاحتكاك المستمر الذي تظهر فيه الأخلاق على حقيقتها، ومعادن الرجال والدعاة على طبيعتها، ولذلك قد لا تجد الكثير من الدعاة يُحسِنونها كما يحسنون الدعوة الخارجية.


لا يشك مسلم في أفضلية الدعوة إلى الله تعالى على كثير من الأعمال، قال تعالى: {وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ} [فصلت:33]، كما لا يشك مسلم في صعوبة عمل الدعوة ومشقته، فهو عمل الأنبياء والمرسلين، ولا يستطيعه ويحسنه من بعدهم إلا ورثتهم من العلماء والصالحين.

وإذا كانت دعوة عامة الناس من الصعوبة بمكان، نظراً لِما تحتاج إليه من علمٍ وحلمٍ وحكمةٍ وخلقٍ وصبرٍ واحتمال، إلا أنّ فيها مع ذلك الشهرة والثناء، إضافة لبعدها عن الاحتكاك الذي قد يكشف المستور والمحظور من الأخطاء والعيوب.

أما دعوة أهل البيت والأهل والأرحام، فهي الدعوة الأصعب والمهمة الأكثر مشقة، نظراً لانعدام الشهرة الموجودة في الدعوة الخارجية، مما يجعل الدافع للقيام بها أقل، إضافة للاحتكاك المستمر الذي تظهر فيه الأخلاق على حقيقتها، ومعادن الرجال والدعاة على طبيعتها، ولذلك قد لا تجد الكثير من الدعاة يُحسِنونها كما يحسنون الدعوة الخارجية.

نعم؛ إنّ دعوة الأهل والأقارب إلى الله تعالى من أصعب الدعوات، لا لأن أزهد الناس بالداعية أهله وجيرانه كما يقال فحسب؛ بل لأنّ الداعية الحقيقي لا تظهر حقيقته وشمائله وأخلاقه على سجيتها وطبيعتها إلا في البيت، مع الزوجة والأولاد، وبين الأهل والأقارب والأرحام، أما خارج المنزل مع الناس والخلق أجمعين؛ فيمكن للداعية أن يتكلف من الأخلاق والصفات والمزايا، ما لا يمكن أبداً أن يتكلّفه في بيته بين أهله وأقاربه.

ولذلك فإن نجاح الداعية في بيته وأهله وأقاربه نجاح كبير وعظيم، ومقدِّمة لنجاحه في المجتمع والناس أجمعين، فمن كان في بيته صاحب خلق ودعوة وإرشاد؛ فمن باب أولى أن يكون بين الناس كذلك.

ونحن لا نطالب الداعية أن يكون في بيته ملاكاً لا يُخطئ ولا يذنب، بل كل بني آدم خطاء وخير الخطائين التوابون، كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم، ولكن نطالبه بأن لا يغفل عن أهله وأقاربه، بدعوى عدم وجود الوقت الكافي لهم ولدعوتهم، لانشغاله بالمحاضرات والدروس والمواعظ، التي يلقيها على الناس في الدعوة إلى الله تعالى، بينما أهله في البيت أحوج ما يكونوا لهداية ودعوة وإرشاد.

والمتمعن في قول الله تعالى: {وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ} [الشعراء:214]، إنها آية من كتاب الله تعالى تضع بين يدي المسلم قاعدة الأولويات في الدعوة إلى الله تعالى، هذه القاعدة العظيمة التي غفل عنها بعض الدعاة من المسلمين اليوم، لنرى ونشاهد بسبب هذه الغفلة ظاهرة خطيرة ومفارقة غريبة، تمثلت بشرود أقرب الناس لبعض الدعاة إلى الله عن الله تعالى، في حين أن تلاميذ هذا الداعية المسلم يملؤون الأرض ويسدون الأفق، من كثرة عددهم وانتشارهم في البلاد.

ويحلو لبعض هؤلاء الدعاة أن يستشهد بكفر ولد نبي الله نوح عليه السلام، عندما تسأله عن سبب شرود ابنه أو أخيه أو عمّه أو خاله، أو أحد أقربائه بشكلٍ عام، وينسى هؤلاء أن نبي الله نوح عليه السلام لم يدخِّر جهداً في دعوة ولده إلى الله تعالى، ولم يغفل عن توجيهه وإرشاده، بل ظلَّت عاطفة الرحمة عليه من عذاب الله تعالى إلى آخر لحظة، قال تعالى: {وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبَالِ وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ يَا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنَا وَلَا تَكُنْ مَعَ الْكَافِرِينَ . قَالَ سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ قَالَ لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ} [هود:42-43].

قال ابن كثير في تفسير الآية: "دعا نوح ولده يام عند ركوب السفينة أن يؤمن ويركب معهم، ولا يغرق كما يغرق الكافرون، فاعتقد بجهله أن الطوفان لا يبلغ إلى رؤوس الجبال، وأنه لو تعلَّق في رأس جبل لنجَّاه ذلك من الغرق، فأخبره والده بأن لا شيء يعصم اليوم من عذاب الله تعالى، فأبى وغرق على كفره رغم محاولات نوح عليه السلام لهدايته وإيمانه" (تفسسير ابن كثير: [4/323]).

إن بعض الدعاة مع أرحامهم وأقاربهم بشأن الدعوة إلى الله تعالى على نوعين اثنين يمثلان الإفراط والتفريط المنهي عنه شرعاً:

فمنهم: من أغلق الدعوة على مجموعة من الأقارب، انتقاهم بعناية على أساس التوافق والانسجام أو الاستجابة، وترك البقية بحجة عدم الاستجابة، فضلاً عن تركه للدعوة العامة، إذ أنّ دعوة الإسلام تشمل الناس جميعاً وليس الأقارب فحسب، وإن كانت الأفضلية للأقارب في البداية، لحق الإسلام والقرابة المجتمع فيهم.

بينما الآخر: فهو من انشغل بالدعوة خارج نطاق العائلة والأرحام، فلم يلتفت لأقاربه بالدعوة والإرشاد، وكانت علاقته معهم علاقة برود و فتور، إن لم تكن في بعض الحالات وللأسف حالات خصام وتدابر، وهذا النوع الذي نخص الحديث عنه في هذه العجالة.

إن المتتبع لمنهج النبي صلى الله عليه وسلم في أسلوب الدعوة إلى الله تعالى، يجده منهجاً وسطاً لا إفراط فيه ولا تفريط، فلا هو اختص دعوته بأرحامه وأقاربه لتتحول الدعوة إلى عصبية لا تخرج عن العائلة، ولا هو حرم أقرب الناس إليه من عائلته وأرحامه، من الخير والبركة التي جاء بها إلى الناس أجمعين.

لقد بدأ الرسول صلى الله عليه وسلم دعوته بعد نزول الوحي عليه وتكليفه بالرسالة بالأرحام والأقارب، وخصّ بدعوته في البداية الدائرة الأقرب والأضيق في العائلة، فهم أولى بتصديقه والإيمان بدعوته، إذ كيف يأمَل أن يُصدِّقه الناس إن لم يُصدِّقه في البداية أقرباؤه وأرحامه، فكانت زوجته خديجة رضي الله عنها؛ أول من أسلم من النساء، وكان علي بن أبي طالب ابنَ عمّه؛ أول من آمن به من الفتيان، وكذلك زيد بن حارثة رضي الله عنهم؛ كان أول من أسلم من الموالي، مما يؤكد أهمية البدء بالأرحام والأقارب في الدعوة إلى الله تعالى.

قال تعالى: {فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ . وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ . وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} [الشعراء:213-215].

جاء في صحيح مسلم: "لما أُنزلتْ هذه الآيةُ دعا رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ قريشًا فاجتمعوا، فعمَّ وخصَّ، فقال: «يا بني كعبِ بنِ لؤيّ أنقِذُوا أنفُسَكُم منَ النارِ، يا بني مرةَ بنِ كعبٍ أنقذُوا أنفُسَكُمْ منَ النارِ، يا بني عبدِ شمسٍ أنقذُوا أنفسَكُم من النارِ، يا بني عبدِ منافٍ أنقذُوا أنفُسكُم من النارِ، يا بني هاشمٍ أنقذُوا أنفسكُم منَ النارِ، يابني عبدِ المطَّلبِ أنقذُوا أنفُسكمْ منَ النارِ، يا فاطمةُ أنقذِي نفسَكِ منَ النارِ، فإني لا أملكُ لكُم منَ اللهِ شيئًا غيرَ أنَّ لكُم رحِمًا سأَبُلُّها ببِلالِها».

«سأَبُلُّها ببِلالِها» سأصلها، شُبِّهت قطيعة الرحم بالحرارة، ووصلها بإطفاء الحرارة ببرودة، ومنه «بُلُّوا أَرْحَامَكُمْ وَلَوْ بِالسَّلامِ» أي صلوها (صحيح مسلم: [1/191]، برقم: [348]).

وقد ذكر ابن القيم رحمه الله: "مراتب الدعوة كما أمر بها النبي صلى الله عليه وسلم وكما طبقها على أرض الواقع وهي أربعة:

الأولى: إنذار الأقربين الذي أمر الله تعالى به نبيه بداية بقوله: {
وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ}.

والثانية: إنذار القوم في قوله تعالى {فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ} [الحجر:94]، فأعلن صلى الله عليه وسلم دعوته وجهر بها في قريش.

والثالثة: إنذار قوم ما أتاهم من نذير من قبله، قال تعالى: {أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ} [السجدة:3]، فكان صلى الله عليه وسلم يستثمر تجمعات العرب في الحج فيعرض عليهم الإسلام.

والرابعة: إنذار جميع من بلغته الدعوة من الجن والإنس، قال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ} [الأنبياء:107]، وذلك عن طريق إرسال الرسائل إلى الملوك والسلاطين والأمراء والجهاد في سبيل الله تعالى" (زاد المعاد ابن القيم: [1/86]).

وأول ما يلفت النظر في دعوة الرسول صلى الله عليه وسلم، هو البداية الناجحة الصحيحة التي أسست لنهاية عظيمة في حجة الوداع، ولعل السبب الرئيس في هذا النجاح الكبير بعد عون الله تعالى وتأييده لنبيه صلى الله عليه وسلم؛ هو تلك القاعدة الصلبة التي اعتمدت على الأهل والأقارب في البداية، والتي بنى عليها صلى الله عليه وسلم ذلك الصرح الإسلامي الشامخ بعد ذلك.

وقد اهتم الصحابة الكرام بهذا الأمر كثيراً، فتجدهم يبدأون دعوتهم بأقربائهم وأرحامهم، كما فعل الرسول صلى الله عليه وسلم، فهذه عائشة رضي الله عنها تُعَلِّم ابن أختها عروة بن الزبير أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما نقل الذهبي بقوله: "حدَّث عروة عن خالته أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها" وتعلّم عروة الدرس، فعلَّم ولده هشام رضي الله عنهم واهتم به وبدينه.

كما ذكر صاحب أسد الغابة، أنه لما أسلم الطفيل بن عمرو الدوسي رضي الله عنه، قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: "إني امرؤ مطاع في قومي وأنا راجع إليهم لأدعوهم إلى الإسلام"، فلما رجع إلى قومه دعا أباه إلى الإسلام فأسلم ثم دعا امرأته إلى الإسلام فأسلمت.

وها هو الصحابي الجليل أبو هريرة، يسأل الرسول صلى الله عليه وسلم أن يدعو لأمّه رضي الله عنهما؛ كي تؤمن، فدعا لها فآمنت، من شدة حرصه على دعوة أرحامه وأقرب الناس إليه، والأمثلة على حرص الصحابة على إيمان أقربائهم وأرحامهم لا مجال لذكرها في هذا الموضع.

هكذا كانت سيرة المصطفى صلى الله عليه وسلم والسلف الصالح من الصحابة الكرام، في أولويات الدعوة إلى الله تعالى، البداية من النفس أولاً، ثم الدائرة الأقرب للنفس من الأهل والأرحام، الأقرب فالأقرب أيضاً، ثم الأصدقاء والجيران وهكذا حتى تبلغ الدعوة الناس أجمعين.

أما أن نرى اليوم بعض الدعاة الذين نجحوا في دعوة الناس إلى الله تعالى، ولكنهم فشلوا فشلاً ذريعاً بين الأهل والأقارب، فتجد ابن الداعية الفلاني مثلاً على سلوك خاطئ، وابن أخيه أو أخته لا يصلي مثلاً، ويكون السبب في ذلك عدم التفات هذا الداعية بالنصح والدعوة إلى الله لأهله وأقاربه، فهذا ما لا يرضى عنه الإسلام، ولا يؤدي لنتيجة دعوية إسلامية مستقبلية سليمة وصحيحة في المجتمع.

ولعلّ الدعاة إلى الله هم أعلم الناس بموضوع المسئولية غداً يوم القيامة، فأول من سيُسأل هو أنت، ثم تُسأل عن أولادك وأهلك ثانياً، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ} [التحريم:6].

ويقول صلى الله عليه وسلم: «كلُّكم راعٍ ومسئولٌ عن رعيتِه، فالإمامُ راعٍ وهو مسئولٌ عن رعيتِه، والرجلُ في أهلِه راعٍ وهو مسئولٌ عن رعيتِه، والمرأةُ في بيتِ زوجِها راعيةٌ، وهي مسئولةٌ عن رعيتِها، والخادمُ في مالِ سيدِه راعٍ وهو مسئولٌ عن رعيتِه» (رواه البخاري: [2/848]، برقم: [2278]).

فهل أعددت جواباً لهذا السؤال؟!


عامر الهوشان