{وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ}

منذ 2013-12-07

قال ابن عاشور في تفسيره: "وقد أتبع صفة {الْمُخْبِتِينَ} بأربع صفات وهي: وجل القلوب عند ذكر الله، والصبر على الأذى في سبيله، وإقامة الصلاة، والإنفاق. وكل هذه الصفات الأربع مظاهر للتواضع فليس المقصود من جمع تلك الصفات لأن بعض المؤمنين لا يجد ما ينفق منه وإنما المقصود من لم يخل بواحدة منها عند إمكانها. والمراد من الإنفاق؛ الإنفاق على المحتاجين الضعفاء من المؤمنين لأن ذلك هو دأب المخبتين.

 

قال تعالى: {وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ . وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ . لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ . ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ . ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الْأَنْعَامُ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ . حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ . ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ . لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ . وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ . الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَالصَّابِرِينَ عَلَى مَا أَصَابَهُمْ وَالْمُقِيمِي الصَّلَاةِ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ} [الحج:26-35].

وقال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَخْبَتُوا إِلَى رَبِّهِمْ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [هود:23].

قال الرازي: "{فَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ} فلا تذكروا على ذبائحكم غير اسم الله: {فَلَهُ أَسْلِمُواْ} أي أخلصوا له الذكر خاصة بحيث لا يشوبه إشراك البتة، والمراد الانقياد لله تعالى في جميع تكاليفه، ومن انقاد له كان مخبتاً فلذلك قال بعده: {وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ} والمخبت المتواضع الخاشع".

قال أبو مسلم: "حقيقة المخبت من صار في خبت من الأرض، يقال أخبت الرجل إذا صار في الخبت كما يقال أنجد وأشأم وأتهم، والخبت هو المطمئن من الأرض".

وللمفسرين فيه عبارات أحدها: "المخبتين المتواضعين عن ابن عباس وقتادة"، وثانيها: "المجتهدين في العبادة عن الكلبي"، وثالثها: "المخلصين عن مقاتل"، ورابعها: "المطئنين إلى ذكر الله تعالى والصالحين عن مجاهد"، وخامسها: "هم الذين لا يظلمون وإذا ظلموا لم ينتصروا عن عمرو بن أوس".

ثم وصفهم الله تعالى بقوله: {الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ} فيظهر عليهم الخوف من عقاب الله تعالى والخشوع والتواضع لله، ثم لذلك الوجل أثران أحدهما: الصبر على المكاره وذلك هو المراد بقوله: {وَالصَّابِرِينَ عَلَى مَا أَصَابَهُمْ} وعلى ما يكون من قبل الله تعالى؛ لأنه الذي يجب الصبر عليه كالأمراض والمحن والمصائب.

فأما ما يصيبهم من قبل الظلمة فالصبر عليه غير واجب بل إن أمكنه دفع ذلك لزمه الدفع ولو بالمقاتلة، والثاني: الاشتغال بالخدمة وأعز الأشياء عند الإنسان نفسه وماله.

أما الخدمة بالنفس فهي الصلاة، وهو المراد بقوله: {وَالْمُقِيمِي الصَّلَاةِ} وأما الخدمة بالمال فهو المراد من قوله: {وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ} قرأ الحسن {وَالْمُقِيمِي الصَّلَاةِ} بالنصب على تقدير النون، وقرأ ابن مسعود والمقيمين الصلاة على الأصل (تفسير الرازي [11/199]).

وقال ابن عاشور في تفسيره: "وقد أتبع صفة {الْمُخْبِتِينَ} بأربع صفات وهي: وجل القلوب عند ذكر الله، والصبر على الأذى في سبيله، وإقامة الصلاة، والإنفاق.

وكل هذه الصفات الأربع مظاهر للتواضع فليس المقصود من جمع تلك الصفات لأن بعض المؤمنين لا يجد ما ينفق منه وإنما المقصود من لم يخل بواحدة منها عند إمكانها.

والمراد من الإنفاق؛ الإنفاق على المحتاجين الضعفاء من المؤمنين لأن ذلك هو دأب المخبتين.

وأما الإنفاق على الضعيف والأصحاب فذلك مما يفعله المتكبرون من العرب كما تقدم عند قوله تعالى: {كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ} [البقرة من الآية:180]. وهو نظير الإنفاق على الندماء في مجالس الشراب.

ونظير إتمام الإيسار في مواقع الميسر، كما قاله النابغة:

أني أتمم أيساري وأمنحهم *** مثنى الأيادي وأكسو الجفنة الأدما

والمراد بالصبر: الصبر على ما يصيبهم من الأذى في سبيل الإسلام.

وأما الصبر في الحروب وعلى فقد الأحبة، فمما تتشرك فيه النفوس الجلدة من المتكبرين والمخبتين. وفي كثير من ذلك الصبر فضيلة إسلامية إذا كان تخلقًا بأدب الإسلام قال تعالى: {وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ} [البقرة:156]" (التحرير والتنوير[17/188]).

وقال القرطبي عن عمرو بن أوس، قال: "المخبتون: الذين لا يظلمون، وإذا ظُلِمُوا لم يَنتصِروا" (تفسير القرطبي [18/527]).

وقال البقاعي: "أي المخبتين الذين هم في غاية السهولة واللين والتواضع لربهم بحيث لا يكون عندهم شيء من كبر وينظرون عواقب الأمر وما أعد عليها من الأجر" (نظم الدرر [1/85]).

وقال القشيري: "أي اسْتَسلموا لِحُكمه بلا تعبيسٍ ولا استكراهٍ من داخل القلب" (تفسير القشيري [5/194]).

وقال صاحب الدر المنثور: "وأخرج ابن سعد وابن أبي شيبة عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أنه كان إذا رأى الربيع بن خثيم قال: وبشر المخبتين وقال له: ما رأيتك إلا ذكرت المخبتين" (السيوطي: الدر المنثور [6/49]).

دَخَلَ سُلَيْمَانُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ الْمَدِينَةَ، فَأَقَامَ بِهَا ثَلاثًا، فَقَالَ: "مَا هَا هُنَا رَجُلٌ مِمَّنْ أَدْرَكَ أَصْحَابَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم يُحَدِّثُنَا؟"، فَقِيلَ لَهُ: "بَلَى، هَا هُنَا رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ: أَبُو حَازِمٍ".

فَبَعَثَ إِلَيْهِ، فَجَاءَهُ، فَقَالَ لَهُ سُلَيْمَانُ: "يَا أَبَا حَازِمٍ! مَا هَذَا الْجَفَاءُ؟"، فَقَالَ لَهُ أَبُو حَازِمٍ: "وَأَيَّ جَفَاءٍ رَأَيْتَ مِنِّي؟"، فَقَالَ لَهُ سُلَيْمَانُ: "أَتَانِي وُجُوهُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ كُلُّهُمْ وَلَمْ تَأْتِنِي". فَقَالَ لَهُ: "أُعِيذُكَ بِاللهِ أَنْ تَقُولَ مَا لَمْ يَكُنْ، مَا جَرَى بَيْنِي وَبَيْنَكَ مَعْرِفَةٌ آتِيكَ عَلَيْهَا". فَقَالَ لَهُ سُلَيْمَانُ: "صَدَقَ الشَّيْخُ".

فَقَالَ سُلَيْمَانُ: "يَا أَبَا حَازِمٍ! مَا لَنَا نَكْرَهُ الْمَوْتَ؟"، فَقَالَ أَبُو حَازِمٍ: "لأَنَّكُمْ أَخْرَبْتُمُ آخِرَتَكُمْ، وَعَمَّرْتُمْ دُنْيَاكُمْ؛ فَأَنْتُمْ تَكْرَهُونَ أَنْ تَنْتَقِلُوا مِنَ الْعُمْرَانِ إِلَى الْخَرَابِ". قَالَ: "صَدَقْتَ يَا أَبَا حَازِمٍ، فَكَيْفَ الْقُدُومُ؟"، قَالَ: "أَمَّا الْمُحْسِنُ؛ فَكَالْغَائِبِ يُقْدِمُ عَلَى أهله، وما الْمُسِيءُ؛ فَكَالآبِقِ يُقْدِمُ عَلَى مَوْلاهُ". قَالَ: فَبَكَى سُلَيْمَانُ، وَقَالَ: "لَيْتَ شِعْرِي! مَا لَنَا عِنْدَ اللهِ يَا أَبَا حَازِمٍ؟"، فَقَالَ أَبُو حَازِمٍ: "اعْرِضْ نَفْسَكَ عَلَى كِتَابِ اللهِ عز وجل تَعْلَمْ مَا لَكَ عِنْدَ اللهِ".

فَقَالَ: "يَا أَبَا حَازِمٍ! أَيْنَ نُصِيبُ تِلْكَ مِنْ الْمَعْرِفَةِ مِنْ كِتَابِ اللهِ؟" فَقَالَ أَبُو حَازِمٍ: "عِنْدَ قَوْلِ اللهِ عز وجل: {إِنَّ الأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ . وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ} [الانفطار:13-14]".

فَقَالَ سُلَيْمَانُ: "يَا أَبَا حَازِمٍ! فَأَيْنَ رَحْمَةُ اللهِ؟"، قَالَ أَبُو حَازِمٍ: {قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ} [الأعراف:56]". قَالَ سُلَيْمَانُ: "يَا أَبَا حَازِمٍ! مَنْ أَعْقَلُ النَّاسِ؟"، فَقَالَ أَبُو حَازِمٍ: "مَنْ تَعَلَّمَ الْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهَا النَّاسَ".

فَقَالَ سُلَيْمَانُ: "فَمَنْ أَحْمَقُ النَّاسِ؟"، قَالَ أَبُو حَازِمٍ: "مَنْ حَطَّ فِي هَوَى رَجُلٍ وَهُوَ ظَالِمٌ فَبَاعَ آخِرَتَهُ بِدُنْيَا غَيْرِهِ".

فَقَالَ سُلَيْمَانُ: "يَا أَبَا حَازِمٍ! مَا أَسْمَعُ الدُّعَاءِ؟"، قَالَ أَبُو حَازِمٍ: "دُعَاءُ الْمُخْبِتِينَ (إِلَيْهِ)".

قَالَ سُلَيْمَانُ: "يَا أَبَا حَازِمٍ! فَمَا أَزْكَى الصَّدَقَةُ؟"، فَقَالَ أَبُو حَازِمٍ: "جُهْدُ الْمُقِلِّ". فَقَالَ سُلَيْمَانُ: "يَا أَبَا حَازِمٍ! مَا تَقُولُ فِيمَا نَحْنُ فِيهِ؟"، فَقَالَ أَبُو حَازِمٍ: "اعْفِنَا مِنْ هَذَا".

قَال سُلَيْمَانُ: "نَصِيحَةٌ بَلَّغْتَهَا". فَقَالَ أَبُو حَازِمٍ: "إِنَّ نَاسًا أَخَذُوا هَذَا الأَمْرَ مِنْ غَيْرِ مُشَاوَرَةٍ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَلا إِجْمَاعٍ مِنْ رَأْيِهِمْ، فَسَفَكُوا فِيهَا الدِّمَاءَ عَلَى طَلَبِ الدُّنْيَا، ثُمَّ ارْتَحَلُوا عَنْهَا، فَلَيْتَ شِعْرِي مَا قَالُوا وَمَا قِيلَ لَهُمْ؟!".

فَقَالَ بَعْضُ جُلَسَائِهِ: "بِئْسَ مَا قُلْتَ يَا شَيْخُ"، فَقَالَ أَبُو حَازِمٍ: "كَذَبْتَ! إِنَّ اللهَ تبارك وتعالى أَخَذَ عَلَى الْعُلَمَاءِ لَيُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا يَكْتُمُونَهُ".

فَقَالَ سُلَيْمَانُ: "يَا أَبَا حَازِمٍ! كَيْفَ لَنَا أَنْ نَصْلُحَ؟"، فَقَالَ أَبُو حَازِمٍ: "تَدَعُوا التَّكَلُّفَ، وَتَتَمَسَّكُوا بِالْمُرُوءَةِ".

فَقَالَ سُلَيْمَانُ: "يَا أَبَا حَازِمٍ! كَيْفَ الْمَأْخَذُ لِذَلِكَ؟"، قَالَ أَبُو حَازِمٍ: "تَأْخُذُهُ مِنْ حَقِّهِ وَتَضَعُهُ فِي أَهْلِهِ".

فَقَالَ لَهُ سُلَيْمَانُ: "اصْحَبْنَا يَا أَبَا حَازِمٍ وَتُصِيبُ مِنَّا وَنُصِيبُ مِنْكَ".

فَقَالَ أَبُو حَازِمٍ: "أَعُوذُ بِاللهِ مِنْ ذلك".

فقال سُلَيْمَانُ: "وَلِمَ؟"، قَالَ: "أَخَافُ أَنْ أَرْكَنَ إِلَيْكُمْ شَيْئًا قَلِيلا فَيُذِيقَنِي ضَعْفُ الْحَيَاةِ وَضَعْفُ الْمَمَاتِ".

فَقَالَ سُلَيْمَانُ: "فَأَشِرْ عَلَيَّ يَا أَبَا حَازِمٍ". فَقَالَ أَبُو حَازِمٍ: "اتَّقِ أَنْ يَرَاكَ حَيْثُ نَهَاكَ، وَأَنْ يَفْقِدَكَ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكَ". قَالَ سُلَيْمَانُ: "يَا أَبَا حَازِمٍ! ادْعُ لنا بخير".

فقال أَبُو حَازِمٍ: "اللهُمَّ إِنْ كَانَ سُلَيْمَانُ وَلِيَّكَ؛ فَيَسِّرْهُ لِخَيْرِ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، وَإِنْ كَانَ عَدُوَّكَ؛ فَخُذْ إِلَى الْخَيْرِ بِنَاصِيَتِهِ".

قَالَ لَهُ سُلَيْمَانُ: "عِظْ".

قَالَ: "قَدْ أَوْجَزْتَ، إِنْ كُنْتَ وَلِيَّهُ، وَإِنْ كُنْتَ عَدُوَّهُ؛ فَمَا يَنْفَعُكَ أَنْ أَرْمِيَ عَنْ قَوْسٍ بِغَيْرِ وَتَرٍ".

فَقَالَ سُلَيْمَانُ: "يَا غُلامُ! إِيتْ بمئة دِينَارٍ".

ثُمَّ قَالَ: "خُذْهَا يَا أَبَا حَازِمٍ".

فَقَالَ أَبُو حَازِمٍ: "لا حَاجَةَ لِي بِهَا، إِنِّي أَخَافُ أن يكون لِمَا سَمِعْتَ مِنْ كَلامِي، إِنَّ مُوسَى صلى الله عليه وسلم لَمَّا هَرَبَ مِنْ فِرْعَوْنَ وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ، وَجَدَ عَلَيْهَا الْجَارِيَتَيْنِ تَذُودَانِ، فَقَالَ: "مَا لَكُمَا عَوْنٌ؟" قَالَتَا: "لا".

فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ، فَقَالَ: {رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ} [القصص من الآية:24]، وَلَمْ يَسَلِ اللهَ أَجْرًا عَلَى دِينِهِ، فَلَمَّا أَعْجَلَ بِالْجَارِيَتَيْنِ الانْصِرَافُ؛ أَنْكَرَ ذَلِكَ أَبُوهُمَا، وَقَالَ: "مَا أَعْجَلُكُمَا الْيَوْمَ؟!" قَالَتَا: "وَجَدْنَا رَجُلًا صَالِحًا فَسَقَى لَنَا". فَقَالَ: "فَمَا سَمِعْتُمَاهُ يَقُولُ؟" قَالَ: قَالَتَا: "سَمِعْنَاهُ يَقُولُ: {رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ}".

قَالَ: "يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ هَذَا جَائِعًا"، تَنْطَلِقُ إِلَيْهِ إِحْدَاكُمَا فَتَقُولُ لَهُ: {إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا} [القصص من الآية:25].

فَأَتَتْهُ تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ قَالَ: "عَلَى إِجْلالٍ"؛ قَالَتْ: {إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا}. قَالَ: فَجَزِعَ مِنْ ذَلِكَ مُوسَى عليه السلام، وَكَانَ طَرِيدًا فِي فَيَافِي الصَّحْرَاءِ، فَأَقْبَلَ وَالْجَارِيَةُ أَمَامَهُ، فَهَبَّتِ الرِّيحُ، فوصفتها له، وكانت ذا خُلُقٍ، فَقَالَ لَهَا: "كُونِي خَلْفِي، وَأَرِينِي السَّمْتَ".

فَلَمَّا بَلَغَ الْبَابَ دَخَلَ، إِذَا طَعَامٌ مَوْضُوعٌ، فَقَالَ لَهُ شُعَيْبٌ عليه السلام: "أَصِبْ يَا فَتًى مِنْ هَذَا الطَّعَامِ".

قَالَ مُوسَى عليه السلام: "أَعُوذُ بِاللهِ".

قَالَ شُعَيْبٌ: "وَلِمَ؟"، قَالَ مُوسَى: "لأَنَّا فِي أَهْلِ بَيْتٍ لا نَبِيعُ دِينَنَا بِمِلْءِ الأَرْضِ ذَهَبًا".

قَالَ شُعَيْبٌ: "لا وَاللهِ! وَلَكِنَّهَا عَادَتِي وَعَادَةُ آبَائِي، نُطْعِمُ الطَّعَامَ وَنُقْرِي الضَّيْفَ".

فَجَلَسَ مُوسَى، فَأَكَلَ.

فَإِنْ كَانَتْ هَذِهِ الدَّنَانِيرُ عِوَضًا لِمَا سَمِعْتَ مِنْ كَلامِي، فَلأَنْ أَرَى أَكْلَ الْمَيْتَةِ وَالدَّمَ فِي حَالِ الضَّرُورَةِ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ آخُذَهَا".

فَكَأَنَّ سُلَيْمَانَ أُعْجِبَ بِأَبِي حَازِمٍ.

فَقَالَ بَعْضُ جُلَسَائِهِ: "يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ! أَيَسُرُّكَ أَنَّ النَّاسَ كُلَّهُمْ مِثْلُهُ؟".

قَالَ الزُّهْرِيُّ: "إِنَّهُ لَجَارِي مُنْذُ ثَلاثِينَ سَنَةً، مَا كَلَّمْتُهُ بِكَلِمَةٍ قَطُّ".

فَقَالَ لَه أَبُو حَازِمٍ: "صَدَقْتَ، إِنَّكَ نَسِيتَ اللهَ فَنَسِيتَنِي، وَلَوْ أَحْبَبْتَ اللهَ؛ لأَحْبَبْتَنِي".

قَالَ الزُّهْرِيُّ: "أَتَشْتِمُنِي؟"، فَقَالَ سُلَيْمَانُ: "بَلْ أَنْتَ شَتَمْتَ نَفْسَكَ، أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ لِلْجَارِ على جاره حَقًّا؟"، فَقَالَ أبَوُ حَازِمٍ: "إِنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَمَّا كَانُوا عَلَى الصَّوَابِ، وَكَانَتِ الأُمَرَاءُ تَحْتَاجُ إِلَى الْعُلَمَاءِ؛ فَكَانَتِ الْعُلَمَاءُ تَفِرُّ بِدِينِهَا مِنَ الأُمَرَاءِ، فَاسْتَغْنَتِ الأُمَرَاءُ عَنِ الْعُلَمَاءِ، وَاجْتَمَعَ الْقَوْمُ عَلَى الْمَعْصِيَةِ؛ فَشُغِلُوا وَانْتَكَسُوا، وَلَوْ كَانَ عُلَمَاؤُنَا هَؤُلاءِ يَصُونُونَ عِلْمَهُمْ لَمْ تَزَلِ الأُمَرَاءُ تَهَابُهُمْ".

قَالَ الزُّهْرِيُّ: "كَأَنَّكَ إِيَّايَ تُرِيدُ وَبِي تُعَرِّضُ؟!"، قَالَ: "هُوَ مَا تَسْمَعُ".

قَالَ: وَقَدِمَ هِشَامٌ المدينة مرة أخرة، فَأَرْسَلَ إلى أَبِي حَازِمٍ، فَقَالَ لَهُ: "يَا أَبَا حَازِمٍ! عِظْنِي وَأَوْجِزْ".

قَالَ أَبُو حَازِمٍ: "اتَّقِ اللهَ! وَازْهَدْ فِي الدُّنْيَا؛ فَإِنَّ حَلالَهَا حِسَابٌ، وَحَرَامَهَا عَذَابٌ". قَالَ: "لَقَدْ أَوْجَزْتَ يَا أَبَا حَازِمٍ".

فَقَالَ لَهُ: "يَا أَبَا حَازِمٍ! ارْفَعْ حَوَائِجَكَ إِلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ".

قَالَ أَبُو حَازِمٍ: "هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ! قَدْ رَفَعْتُ حَوَائِجِي إِلَى مَنْ لا تُخْتَزَلِ الْحَوَائِجُ دُونَهُ؛ فَمَا أَعْطَانِي مِنْهَا قَنِعْتُ بِهِ، وَمَا مَنَعَنِي مِنْهَا رَضِيتُ، وَقَدْ نَظَرْتُ فِي هَذَا الأَمْرِ؛ فَإِذَا هُوَ نِصْفَانِ: أَحَدُهُمَا لِي، وَالآخَرُ لِغَيْرِي؛ فَأَمَّا مَا كَانَ لِي؛ فَلَوِ احْتَلْتُ فِيهِ بِكُلِّ حِيلَةٍ مَا وَصَلْتُ إِلَيْهِ قَبْلَ أَوَانِهِ الَّذِي قُدِّرَ لِي فِيهِ، وَأَمَّا الَّذِي لِغَيْرِي؛ فَذَلِكَ الَّذِي لا أُطْمِعُ نَفْسِي فِيمَا مَضَى، وَلَمْ أطعمها فِيمَا بقي، وَكَمَا مُنِعَ غَيْرِي رِزْقِي كَذَلِكَ مُنِعْتُ رِزْقَ غَيْرِي؛ فَعَلَى مَا أَقْتُلُ نَفْسِي؟!" (ابن عبد البر: المجالسة وجواهر العلم [8/149]).

وذكر ابن حبان في صحيحه باب (ذِكْرُ الإِخْبَارِ عَنْ وَصْفِ مُحَاسَبَةِ اللهِ جل وعلا الْمُؤْمِنِينَ الْمُخْبِتِينَ مِنْ عِبَادِهِ فِي الْقِيَامَةِ).

ثم ذكر حديث النبي صلى الله عليه وسلم، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ صَفْوَانِ بْنِ مُحْرِزٍ الْمَازِنِيِّ، قَالَ: بَيْنَا نَحْنُ مَعَ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما نَطُوفُ بِالْبَيْتِ، إِذْ عَارَضَهُ رَجُلٌ، فَقَالَ: "يَا ابْنَ عُمَرَ كَيْفَ سَمِعْتَ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَذْكُرُ النَّجْوَى؟"، فَقَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم، يَقُولُ: «يَدْنُو الْمُؤْمِنُ مِنْ رَبِّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يَضَعَ عَلَيْهِ كَنَفَهُ، ثُمَّ يُقَرِّرُهُ بِذُنُوبِهِ، فَيَقُولُ: "هَلْ تَعْرِفُ؟" فَيَقُولُ: "رَبِّ أَعْرِفُحَتَّى إِذَا بَلَغَ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَبْلُغَ، قَالَ: "فَإِنِّي قَدْ سَتَرْتُهَا عَلَيْكَ فِي الدُّنْيَا، وَأَنَا أَغْفِرُهَا لَكَ الْيَوْمَثُمَّ يُعْطَى صَحِيفَةَ حَسَنَاتِهِ، وَأَمَّا الْكَافِرُ وَالْمُنَافِقُ، فَيُنَادَى عَلَى رُؤُوسِ الأَشْهَادِ: {هَؤُلاَءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلاَ لَعْنَةُ اللهِ عَلَى الظَّالِمِينَ} [هود من الآية:18]».

وعن أبي سعيد المقبري قال: "لما طُعِنَ أبو عبيدة رضي الله عنه قال: "يا معاذ، صلّ بالناس"، فصلى معاذ بالناس، ثم مات أبو عبيدة بن الجراح، فقام معاذ في الناس، فقال: "يا أيها الناس توبوا إلى الله من ذنوبكم توبةً نصوحًا، فإن عبد الله لا يلقى الله تائبًا من ذنبه إلا كان حقاً على الله أن يغفر له"، ثم قال: "إنكم أيها الناس قد فُجِعتُم برجل والله ما أزعم أني رأيتُ من عباد الله عبدًا قط، أقل غمزًا، ولا أبرّ صدرًا، ولا أبعد غائلة، ولا أشد حبًا للعاقبة، ولا أنصح للعامة منه، فترحموا عليه رحمه الله ثم أصحروا للصلاة عليه، فوالله لا يلي عليكم مثله أبدًا"، فاجتمع الناس، وأخرج أبو عبيدة، وتقدّم معاذ فصلى عليه حتى إذا أتى به قبره دخل قبره معاذ بن جبل وعمرو بن العاص والضحاك بن قيس رضي الله عنهم، فلما وضعوه في لحده وخرجوا فشنوا عليه التراب، فقال معاذ بن جبل: "يا أبا عبيدة لأثنين عليك ولا أقول باطلًا أخاف أن يلحقني بها من الله مقت، كنتَ والله ما علمتُ من الذاكرين الله كثيرًا، ومن الذين يمشون على الأرض هوناً وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلامًا، ومن الذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قوامًا، وكنت والله من المخبتين المتواضعين الذي يرحمون اليتيم والمسكين، ويبغضون الخائنين المتكبرين" (الحاكم في مستدركه ج3، ص:[296]، ح: [5148]).

وعن زر بن حبيش قال: "قرأت القرآن من أوله إلى آخره على علي بن أبي طالب، فلما بلغت الحواميم قال: "لقد بلغت عرائس القرآن"، فلما بلغت رأس ثنتين وعشرين آية من حم عسق {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فِي رَوْضَاتِ الْجَنَّاتِ} [الشورى من الآية:22]. بكى حتى ارتفع نحيبه، ثم رفع رأسه إلى السماء، وقال: "يا زر أمّن على دعائي"، ثم قال: "اللهم إني أسألك إخبات المخبتين، وإخلاص الموقنين، ومرافقة الأبرار واستحقاق حقائق الإيمان، والغنيمة من كل بِرّ، والسلامة من كل إثم، ووجوب رحمتك، وعزائم مغفرتك، والفوز بالجنة، والنجاة من النار، يا زر إذا ختمت فادع بهذه، فإن حبيبي رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرني أن أدعو بهن عند ختم القرآن" (ابن النجار [كنز العمال: 4221]، أورده الذهبي في الميزان [3/108]، والحافظ في اللسان [2/480]).

عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال: "سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من قرأ عشر آيات في ليلة لم يكتب من الغافلين، ومن قرأ مائة آية كتب له قنوت ليلة، ومن قرأ مائتي آية كتب من القانتين، ومن قرأ أربع مائة كتب من المخبتين، ومن قرأ ألف آية أصبح وله قنطار ألف ومائتا أوقية الأوقية خير مما بين السماء والأرض، ومن قرأ ألفي آية كان من الموجبين» (أخرجه الطبراني كما في مجمع الزوائد [2/268]، قال الهيثمي: فيه يحيى بن عقبة بن أبي العيزار وهو ضعيف. وأخرجه الضياء [8/278]، رقم [341]).