إبطال شبهات النصارى حول وراثة الخطيئة

منذ 2014-01-12

غير أن النصارى لهم رأي آخر؛ حيث يزعمون أن هذه الخطيئة التي وقع فيها آدم وحواء عليهما السلام بقيت معهما، وورَّثاها ذريتهما من بعدهما، وأن الناس -كل الناس- يولدون في الخطيئة، وأن الربَّ تكرّم فأرسل ابنه الوحيد (المسيح) ليُقتل ويُصلب، وليكون صلبه وقتله كفَّارة لهذه الخطيئة.


جاء في التوراة المنسوبة لموسى عليه السلام في سفر التكوين (2/15-3/24)"وسمعا صوت الربِّ الإله ماشيًا في الجنَّة عند هبوب ريح النهار فاختبأ آدم وامرأته من وجه الرب الإله في وسط شجر الجنة، فنادى الربّ الإله آدم، وقال له -وهو أعلم-: أين أنت؟
فقال: سمعت صوتك في الجنة، فخشيتُ لأني عُريان فاختبأت.
فقال -وهو أعلم-: من أعلمك أنك عريان؟ هل أكلت من الشجرة التي أوصيتك أن لا تأكل منها؟
فقال آدم: المرأة التي جعلتها معي هي أعطتني من الشجرة فأكلتُ.
فقال الرب الإله للمرأة: ما هذا الذي فعلتِ؟
فقالت المرأة: الحيّة غرَّتني فأكلتُ.
فقال الرب الإله للحيَّة: لأنك فعلتِ هذا ملعونة أنت من جميع البهائم، ومن جميع وحوش البرية، على بطنك تَسعين، وترابًا تأكلين كل أيام حياتك، وأضع عداوة بينكِ وبين المرأة، وبين نسلكِ ونسلها، هو يسحق رأسكِ، وأنت تسحقين عَقِبه.
وقال للمرأة: تكثيرًا أكثر أتعاب حبلك، بالوجع تلدين أولادًا، وإلى رجلك يكون اشتياقكِ، وهو يسود عليكِ
وقال لآدم: لأنَّك سمعتَ لقول امرأتكَ، وأكلتَ من الشجرة التي أوصيتكَ قائلاً: لا تأكل منها ملعونة الأرض بسببك، بالتعب تأكل منها كل أيام حياتك، وشوكًا وحسكًا تنبت لك، وتأكل عشب الحقل، بعرق وجهك، وتأكل خبزًا حتى تعود إلى الأرض التي أخذت منها، لأنك تراب، وإلى ترابٍ تعود.
فأخرجه الرب الإله من جنة عدن ليعمل الأرض التي أخذ منها".

تلك هي القصة كما نُسبت للتوراة والتي بنى عليها النصارى معتقدهم في وراثة الخطيئة، على الرغم من خلوِّها عن أي إشارة لتوريث آدم وحواء الخطيئة لذريتهما، بل على العكس من ذلك فالقصة تذكر أن الجميع عوقبوا جراء هذه الخطيئة، آدم وحواء بل والحية أيضًا، ومن المعلوم أن العقوبة إن لم تمح الذنب فلا أقل من أن لا يعاقب عليها مرة أخرى؛

غير أن النصارى لهم رأي آخر؛ حيث يزعمون أن هذه الخطيئة التي وقع فيها آدم وحواء عليهما السلام بقيت معهما، وورَّثاها ذريتهما من بعدهما، وأن الناس -كل الناس- يولدون في الخطيئة، وأن الربَّ تكرّم فأرسل ابنه الوحيد (المسيح) ليُقتل ويُصلب، وليكون صلبه وقتله كفَّارة لهذه الخطيئة، وهو منطق أقرب إلى الخرافة منه إلى العلم والعقل، وتتوارد عليه أسئلة كثيرة منها:

هل كان الرب عاجزًا عن غفران الخطايا دون أن يرسل ابنه -كما يزعمون- ليقتله اليهود والرومان؟
وما هو حال الإنسانية قبل هذه التضحية الإلهية بابنه هل ماتوا في الخطيئة؟ وما مصيرهم في الآخرة؟ وماذا عن العقوبة التي نالها أبوانا آدم وحواء هل كانت كافية؟ أم أنهما ماتا أيضًا في الخطيئة؟ ثم كيف انتقلت هذه الخطيئة من الأبوين إلى أبنائهم ثم إلى البشرية جمعاء؟
ولماذا لم يرث المسيح الخطيئة أيضًا؟
ألم يولد من أُمٍ ورثت الخطيئة بدورها من أبويها؟!
أسئلة لا يستطيع النصارى الإجابة عنها إلا بتكلّف لا يقبله عاقل.

ومع ذلك نذكر بعض أقوالهم ليطلع عليها القارئ يقول "عوض سمعان" في كتابه "فلسفة الغفران في المسيحية": "وبما أن آدم الذي ولد منه البشر جميعًا كان قد فقد بعصيانه حياة الاستقامة التي خلقه الله عليها، وأصبح خاطئًا قبل أن ينجب نسلاً؛ إذن كان أمرًا بدهيًا أن يولد أبناؤه جميعًا خطاة بطبيعتهم نظيره، لأننا مهما جُلْنا بأبصارنا في الكون لا نجد لسنة الله تبديلًا أو تحويلاً، ولذلك قال الوحي: "بإنسان واحد دَخَلَتْ الخطيئة إلى العالم" (
رومية 5/12- 21).

ويشبِّه "كالوني" أحد علماء البروتستانت انتقال الخطيئة لبني آدم بانتقال الوباء، فيقول: "حينما يقال إننا استحققنا العذاب الإلهي من أجل خطيئة آدم، فليس يعني ذلك أننا بدورنا كنا معصومين أبرياء، وقد حملنا -ظلمًا- ذنب آدم، الحقيقة أننا لم نتوارث من آدم العقاب فقط، بل الحق أن وباء الخطيئة مستقر في أعماقنا، على سبيل الإنصاف الكامل، وكذلك الطفل الرضيع تضعه أمه مستحقًا للعقاب، وهذا العقاب يرجع إلى ذنبه هو، وليس من ذنب أحد غيره".

ويقول"ندرة اليازجي": "آدم هو مثال الإنسان، الإنسان الذي وُجد في حالة النعمة وسقط، إذن سقوط آدم من النعمة هو سقوط كل إنسان، إذن خطيئة آدم هي خطيئة كل إنسان، فليس المقصود أن الخطيئة تنتقل بالتوارث والتسلسل لأنها ليست تركة أو ميراثًا؛ إنما المقصود أن آدم الإنسان قد أخطأ، فأخطأ آدم الجميع إذن، كل واحد قد أخطأ، وذلك لأنه إنسان".

ولا ندري أين البداهة في أن يولد الطفل متحملًا خطأ أبيه؟! متمنطقًا بأوزار لم يرتكبها، ولا ندري كيف يصح من "كالوني" تشبيه الخطيئة بالوباء الذي يعمّ، والخطيئة لا تعدوا أن تكون حدثًا (الأكل من الشجرة) وقد وقع في زمن ما، وانقضى الحدث وزمنه، وعوقب فاعلوه، فأي شيء ينتقل بعد ذلك؟!

أما قول "اليازجي": "إن سقوط آدم هو سقوط كل إنسان".
فلا ندري وجه ذلك؟ وهل إذا سقط إنسان فوقع في الخطأ تتحمل البشرية جميعًا تبعات خطأه؟
إن منطق العقل ونصوص الشرائع السماوية لتبين -بما لا يدع مجالًا للشك- أن الإنسان إنما يتحمل وزر ذنبه وتبعات أعماله، ولا علاقة له بأعمال غيره إن لم يكن متسببًا فيها، هذا ما تدل عليه التوراة والإنجيل والقرآن حيث جاء في سفر حزقيال (إصحاح: 18/2-4): "ما لكم أنتم تضربون هذا المثل على أرض إسرائيل قائلين: الآباء أكلوا الحِصْرم، وأسنان الأبناء ضرست، حيٌّ أنا -يقول السيد الرب-، لا يكون لكم من بعد أن تضربوا هذا المثل في إسرائيل، ها كل النفوس هي لي، نفس الأب كنفس الابن كلاهما لي، النفس التي تخطئ هي تموت".

وفي حزقيال أيضًا (إصحاح: 18/20): "الابن لا يحمل من إثم الأب، والأب لا يحمل من إثم الابن، بر البار عليه يكون، وشر الشرير عليه يكون".

وفي سفر التثنية (إصحاح: 24/16): "لا يقتل الآباء عن الأولاد، ولا يقتل الأولاد عن الآباء، كل إنسان بخطيئته يقتل".

وأوضح الكتاب المقدس"أن الإنسان إنما يجازى على حسب عمله هو لا عمل آبائه، جاء في إرميا (32/19): "الذي عيناك مفتوحتان على كل طرق بني آدم، لتعطي كل واحد حسب طرقه، وحسب ثمرة أعماله".

وقد بيَّن "الكتاب المقدس" أن الإنسان إنما يموت لأجل خطيئته لا خطايا غيره، ففي سفر الأيام الثاني (إصحاح: 25/4): "لا تموت الآباء لأجل البنين، ولا البنون يموتون لأجل الآباء، بل كل واحد يموت لأجل خطيته".

فهذه نصوص صريحة في انتفاء أن يؤاخذ الإنسان بذنب غيره، وهو ما جاء به المسيح عليه السلام وقرره حيث كان يوبِّخ كل أحد على خطيئته من غير أن يذكر شيئًاعن وراثة الخطيئة، بل على العكس من ذلك كان يوصي أتباعه أن يكونوا مثل الأطفال في طهارتهم وبراءتهم، حيث جاء في متى (18/3-4): "الحق أقول لكم، إن لم ترجعوا وتصيروا مثل الأولاد فلن تدخلوا ملكوت السماوات، فمن وضع نفسه مثل هذا الولد، فهو الأعظم في ملكوت السماوات".

وفي إنجيل متّى (19/14) أيضًا-عندما نهر تلاميذه أطفالًا- قال: "دعوا الأولاد يأتون إليّ ولا تمنعوهم، لأن لمثل هؤلاء ملكوت السماوات".

فلو كان الأطفال يولدون في الخطيئة كما تقوله النصرانية لما صحَّ تشبيههم بالملائكة في براءتهم وطهارتهم.

وبهذا يظهر ألا منطق، ولا عقل، ولا شرع، يشهد لهذه الفكرة المبتدعة في المسيحية نفسها، وأن القائلين بها لم يقولوا بها إلا لأجل إضفاء نوع من التبرير لقضية صلب المسيح، وهو الإله القادر، وفق معتقدهم، فهم عندما يُسْألون كيف للإله أن يُصلب ويُقتل ويُهان؟!، يقولون: "إنه فعل ذلك من أجل تخليص العالم من خطاياه، حيث لم يولد أحد إلا وهو متدنس بالخطيئة، في حين أنه الوحيد الذي لم يولد بها".

ولا ندري كيف لم يولد بها وأُمه قد وُلدت بها وفق معتقدهم؟!
إنه منطق غريب حقًا، وليست غرابته في القول به فحسب، ولكن في التمسك والإصرار عليه طيلة هذه القرون الطويلة، رغم وضوح الحق وضوحًا لا لبس فيه، ولكنه التقليد والتعصب الأعمى الذي يجعل من أقوال كهذه دينًا يتمسك به ويدافع عنه.