التخطيط السليم وتحديد الهدف

منذ 2014-01-14

ولعلَّ حادثَ هجرة النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمين الأوائل من مكة إلى المدينة المنورة يُعَدُّ أروعَ أحداثِ التاريخ الإسلامي، التي يتجلَّى فيها التعاملُ مع الأسباب، والإعداد والتخطيط المحكم، والتنظيم السديد.

 
 
من المسلَّم به أن رسالة الإسلام مرتبطةٌ بحقائق الحياة، مستهدفةٌ هدايةَ الفرد إلى طريق الحق، وإصلاح المجتمع في كافة جوانبه، ولا سبيلَ إلى تحقيق هذه الغايةِ إلا بالعلم، فالعلمُ ركن ركين في المجتمع الإسلامي، لما كان العمل والتخطيط صِنوينِ متلازمينِ، فإن التخطيط يُعَدُّ بدوره أساسًا من أسس هذا المجتمع.

 
فكلُّ مَن يطالع الإسلامَ منهجًا وحضارة يدرِك أن التخطيط كان أحدَ الأسباب الجذرية التي أدَّت إلى تثبيت عقيدة الإسلام القائمةِ على العلم والعمل، وانتشار حضارته في معظم أنحاء المعمورة، وكان حجرَ الزا?ية في البناء الفكري الإسلامي، سواء في المجال العَقَدي أو المجال الحضاري، وكان أساسًا لما بلغه المجتمعُ الإسلامي من تطورٍ شامل في مجالات الإدارة، والاجتماع، والاقتصاد، والحرب، وغيرها.

 
الهجرة عمل بطولي:
 
ولعلَّ حادثَ هجرة النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمين الأوائل من مكة إلى المدينة المنورة يُعَدُّ أروعَ أحداثِ التاريخ الإسلامي، التي يتجلَّى فيها التعاملُ مع الأسباب، والإعداد والتخطيط المحكم، والتنظيم السديد.

 
فإذا استعرضنا العناصرَ المكونة للتخطيط الذي أضحى أهمَّ علوم الحضارة المعاصرة وهي تحديد الهدف أو الأهداف المبتغاة، وإعداد وتنظيم الوسائل اللازمة لتحقيق تلك الأهداف، ورسم أسلوب التنفيذ، ومحاولة التنبؤ بالمستقبل للسيطرة ما أمكن على مسار الأحداث، بما يكفل الوصول إلى النتائج.

 
إذا استعرضنا هذه العناصرَ الأربعة، تبيَّنَّا أن الهجرة عمل بطولي، قام على أساسٍ من التخطيط، وما يتطلبه من تدبير، وإحكام، وبُعد نظر؛ فلقد حدَّد النبي الكريم هدفَه من الهجرة، وكان الأسلوب الذي اتَّبعه في رحلته كفيلاً بتحقيق هذا الهدف، فقد أعدَّ من الوسائل البشرية والمادية ما يلائم الظروفَ القائمة، ويتفق مع الظروف المحتملة، ونظَّم هذه الوسائلَ تنظيمًا محكمًا، ثم نفذها بأسلوب واقعي سديد، فنجحت خطتُه، وأدرك غايتَه.

 
تحديد الهدف:
 
أما الهدف، فكان مغادرةَ الرسول صلى الله عليه وسلم وأبي بكر معه مكة، وبلوغهما المدينة آمنَينِ؛ ليستكمل النبي رسالته في أرضٍ صالحة لنشر دِين الله، وكفالة حرية العقيدة، فهذا هو السبيل لبعث الأمن والطُّمأنينة في نفوس المسلمين؛ حتى لا يُؤذَوا بسبب إيمانهم، ولضمان الأمن أيضًا لمَن يرغب مِن العرب في دخول الإسلام.

 
ولقد استخلص النبي هذا الهدفَ مِن واقع تجارِب الماضي وعِبَره، فكان درسًا مستفادًا من تقييم تلك المرحلة التي قضاها عليه الصلاة والسلام في مكة، والتي بلَغتْ ثلاثَ عشرةَ سنةً متتابعة، لقِيَ فيها هو وصحابته العذابَ ألوانًا، واحتملوا أذى قريش واضطهادهم لهم؛ لأنهم آمنوا بالله الواحد القهار.

 
اختيار المكان:
 
ولما أوحى الله سبحانه إلى الرسول صلى الله عليه وسلم بالهجرة، كان سبيلُه إلى تحقيق ما أوحي إليه إعمالَ الفكر والتدبير؛ حتى يضمن نجاح مهمته، ولم يكن ثمةَ بدٌّ من وضع خطة لتوقِّي العقبات، وكفالة الانطلاق إلى الهدف المرسوم، فكان للهجرة مقدماتُها الضرورية، وفي مستهلِّها اختيارُ المكان الذي يقصده الرسول صلى الله عليه وسلم والمسلمون، ووقع اختياره عليه الصلاة والسلام بوحي من الله على يثرب؛ لوفائها بمقصده، وتناسبها مع الهدف من هجرته؛ إذ كانت له بها صلة قربى، كما كانت في مقدمة مدن الجزيرة العربية غنًى بمائها، وزرعها، وثرواتها التِّجارية، وعمارًا بدورها، ومنعةً بحصونها، وسيادة وسلطانًا بأهلها من الأوس والخزرج، وكانت طريق تجارة مكة إلى الشام، ومِن ثم فإن موقعها الإستراتيجي الحيوي إذا أقام فيها المسلمون يهدِّد مصالحَ قريش بالخطر، إن سوَّلت لها نفسُها التعرُّضَ للمسلمين، والصدَّ عن دين الله.

 
وهناك عاملٌ آخرُ رشَّح يثرب كمكان مناسب للهجرة، يتمثل في الأثر الروحي الذي نشأ عن جوار الأوس والخزرج لليهود، وهم أهل كتاب، ودعاة وحدانية، ومن شأن هذا أن يجعل أهلَ يثرب من العرب أكثرَ استماعًا للحديث في الشؤون الروحية، فأسلم بعض أهل يثرب بعد أن دعاهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم إلى الإسلام، حين كانوا يفدون إلى مكة للحج، أو للتجارة، أو لالتماس الحلف.

 
كما كان اختيار يثرب أرضًا للهجرة، فضلاً عن منطقيته ورجاحته لما سبق من عواملَ وأسبابٍ استخلاصًا للعبرة من تجرِبة مريرة سابقة، مر بها رسول الله صلى الله عليه وسلم وخاصة بعد رحلته إلى الطائف.

 
تدابير تمهيدية:
 
غير أن هذه الظروف المشجِّعة على الهجرة إلى يثرب، والمحفزة على اتخاذها موطنًا للعقيدة، ودولةً للإسلام قد ساندتْها بعضُ التدابير التي قام بها النبي صلى الله عليه وسلم في سبيل تأليف قلوب أهل المدينة، وعقد معاهدة صداقة ودفاع معهم، حتى إذا ما قدم بدِينه إليهم، وحلَّ مع صحبه في ديارهم، طاب فيها مقامه، وكان له من بقاعها بديلٌ عن الوطن الذي أُكره على تركِه، والنزوح بعيدًا عنه، ووجد فيها المناخ الملائم لدعوته، والقلوب الصادقة المناصرة له.

 
أما هذه التدابير التي قام بها النبي صلى الله عليه وسلم وكانت تمهيدًا، خيرَ تمهيد لتنفيذ خطة الهجرة، فهي بيعتا العقبة الأولى والثانية.

 
وتدل وقائع هاتين البيعتين والظروف التي اكتنفتهما، على مبلغ الإحكام في التخطيط لهما؛ إذ كان نجاحها بمثابة نجاح لمرحلة تحضيرية للهجرة، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتحيَّن الفرصة المناسبة لعقد المعاهدة؛ حتى لا يستلفت إليه النظر، فكان يختار موسم الحج، وكان المتعاهدون يَخرُجون من مكة، حيث يغصُّ الموسم بالجموع المتزاحمة، إلى بقعة بعيدة هادئة، هي العقبة، كما كانوا يختارون الليل موعدًا للقائهم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فيتسللون واحدًا بعد آخر من رحالهم للتجمع في المكان المحدد، خلال ساعة من الليل محددة.

 
وفي بيعة العقبة الثانية اختار النبي صلى الله عليه وسلم من المبايعين السبعين اثني عشر نقيبًا، تسعةً من الخزرج، وثلاثة من الأوس، مما يدل على سداد التدبير، فالنقيب هو الأمين والمصدق على طائفته، وعلى أسرارهم، والعارف بطرق أمرهم، المخاطب عنهم في بعض الحالات.

 
ومن رجاحة التخطيط أيضًا: مراعاةُ التدرج في تنفيذ الخطة؛ بمعنى إنجازها على مراحل بحسب مقتضيات الحال، أو وضع خطط جزئية تندرج في إطار الخطة العامة، وتنفيذها واحدة بعد أخرى، ذلك أن الطفرة قد تؤدي إلى الإخفاق في الوصول إلى الهدف المنشود، وقد تحقق ذلك في بيعتي العقبة، إذ اقتصرت الأولى على الدخول في الإسلام، إضافة إلى بعث مصعب بن عمير إلى المدينة مع الوفد؛ للدعوة فيها إلى الإسلام، وقد أسلم على يده خَلقٌ كثير؛ مما مهَّد للبيعة الثانية، التي تجاوزت الدخول في الإسلام إلى عقد حلف دفاعي؛ بمعنى القتال مع النبي ضد المشركين دفعًا للعدوان بالعدوان.

 
هجرة المسلمين:
 
عندما بلغ قريشًا نبأُ الحلف الذي عقده رسول الله صلى الله عليه وسلم مع الأوس والخزرج، غشِيَهم الفزعُ، وأخذ النبي صلى الله عليه وسلم يحثُّ أصحابه في مكة أن يهاجروا إلى المدينة؛ نجاةً بأنفسهم وعقيدتهم من أذى المشركين، وتعزيزًا للإسلام في الأرض الجديدة، وبدأت طلائع الهجرة تترَى إلى يثرب، مما يصح معه القول: إن هذه الهجرة شأنها في ذلك شأن بيعتي العقبة كانت تمهيدًا لخطة هجرة النبي.

 
وكان أمر الرسول صلى الله عليه وسلم للمؤمنين أن يخرجوا من مكة متفرِّقين، وأن يلتزموا الكتمان؛ حتى لا يجلبوا عليهم نِقْمةَ قريش، فما أحكمَ التدبيرَ والتخطيط! وكانت المسيرة من مكة "المخرج الصدق" إلى المدينة "المدخل الصدق" في سبيل اللحاق بالأنصار محفوفةً برغم احتياطات الأمن بالآلام وصنوف العذاب، ولكن لا ضير؛ فإن الهجرة بابٌ من أبواب الجهاد، والمهاجِر مجاهِد، وله أجرُه.

 
المؤامرة والخطة المضادة:
 
وعزم رسول الله صلى الله عليه وسلم على الخروج، وأخذ يُعِد لذلك الوسائلَ اللازمة لتحقيق الهدف، ويرسم طريقة التنفيذ، ولكن طرأ عامل جديد على الموقف، فَرَض نفسَه على أسلوب الهجرة وتوقيتها، واقتضى مزيدًا من التدبير والإحكام، فقد رأتْ قريش أن المسلمين قد صاروا إلى المدينة، وقد دخل أهلُها الإسلامَ، وفشِل بذلك كلُّ ما وضعتْه من خطط، وما ابتدعتْه من أساليبَ، وأدركتْ أن محمدًا صلى الله عليه وسلم لاحقٌ لا محالة بصحبه وحلفائه في يثرب، فأخذتْ تُفكِّر فيما تفعل؛ لتحبط ما قام به محمد صلى الله عليه وسلم ولتمنعه من اللحاق بأنصاره، ولما رأتْ أنها استنفدت ما في جعبتها، ولم يبقَ بها إلا سهمٌ واحد، عمدتْ إلى تجرِبته، ولم يكن هذا السهم إلا نسجَ مؤامرةٍ لقتله صلى الله عليه وسلم.

 
ولما نمى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم نبأُ المؤامرة، لم يكن ثمة بدٌّ من وضع خطة مضادة لما دبَّرتْه عصبة قريش، فلقد حزم النبي صلى الله عليه وسلم أمرَه على الهجرة، وأعدَّ لها مقدماتِها، ولم يبقَ إلا أن يوحى إليه أن يهاجِر، فجاءه أمر ربه، فوضع لتنفيذ خطة تتناول عدة مراحل؛ أولاها: إعداد مستلزمات الرحيل، والثانية: الخروج من بيته، والثالثة: الاستخفاء عن أعين قريش في الطريق.

 
وفي خطة هجرته صلى الله عليه وسلم نرى كيف أحكم، ودبَّر، وتعامَلَ مع الأسباب، لدرجةٍ يمكن أن يُتوهَّم معها أنه أهمل رعاية السماء والعياذ بالله وفي الوقت نفسه التجأ إلى الله، وأمَّل في نصره واستشعره، إلى درجة يمكن أن يتوهم معها أنْ لا صلة للإيمان بالأخذ بالأسباب واعتمادها؛ فكل وقائع هجرته صلى الله عليه وسلم تؤكِّد ذلك؛ مثل استئذان أبي بكر رضي الله عنه في الهجرة، وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم له: «لا تعجل؛ لعل الله يجعل لك صاحبًا» [1]، دون أن يخبره بأنه بصدد انتظار الإذن؛ ليكون هو الصاحب، وعندما جاء الرسول صلى الله عليه وسلم أبا بكر رضي الله عنه وسط النهار، وفي شدة الحر، في وقت لم يؤلف فيه الخروج؛ وذلك تعمية على الأعداء، وكذلك عندما قال النبي صلى الله عليه وسلم لأبي بكر: «أخرِج مَن عندك»؛ ليخبره بالإذن في الهجرة؛ حتى لا يشيع الأمر، ويحبط العمل.

 
واستئجار عبدالله بن أريقط وكان مشركًا ليدلَّهما على الطريق، وواعده غارَ ثور بعد ثلاثِ ليالٍ، بعد أن تكون حركة المشركين هدأتْ في الطلب، وقراءته صلى الله عليه وسلم أثناء خروجه من داره قولَه تعالى: {وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ} [يس: 9]، ملتجئًا إلى الله تعالى أن يُعمِيَ أبصارَهم، إلى آخر وقائع الهجرة التي تؤكِّد كلها الدرس الرائع في التخطيط، والدراسة للقضايا الكبيرة والأمور الجزئية، والدقة في الحركة والتنفيذ، والتعامل مع الأسباب للوصول إلى النتائج، والتوكل على الله واللجوء إليه، بعد بذل الطاقة والإمكانات.

 
ــــــــــــــــــــ
 
المراجع:
 
راجع "المنهج الحركي للسيرة النبوية"؛ منير محمد الغضبان، مكتب المنار - الأردن، ص 133 - 199.
 
راجع "التخطيط والتنظيم في الهجرة"؛ د. حسن فتح الباب، سلسلة دراسات في الإسلام، المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية - القاهرة، ص 35.
 
راجع "فقه السيرة"؛ محمد الغزالي، دار القلم - دمشق، ص 146- 165.
 
راجع "السيرة النبوية"؛ ابن هشام، دار القلم - بيروت 2/ 73، 137.
 
[1] رواه ابن إسحاق (2/2) بدون إسناد، لكن معناه فيما أخرجه البخاري (7/ 183- 197) من حديث عائشة رضي الله عنها الطويل في الهجرة. 
 
المصدر: مسعد سالم