المسلمون في أثيوبيا وإريتريا

منذ 2014-02-03

ورغم الاستقلال فإريتريا تتعرَّض لحملة اضطهاد صليبية شرسة من قِبَلِ الرئيس أسياس أفورقي، فقد قام أفورقي بضمِّ عدَّة أقاليم إسلامية إلى ثلاث مقاطعات مسيحية؛ وذلك في محاولة منه لتذويب قطاعات المسلمين في هذه المقاطعات.

 

 
أما في إثيوبيا (الحبشة) فقد استطاعت القوى الاستعماريَّة أن تُجْبِرَ المسلمين الذين يمثِّلون ثلثَيْ سكان الحبشة تقريباً أن يُحْكَمُوا عن طريق الأمهرة النصارى، وأدَّى تفوُّق "منليك" إمبراطور الحبشة، وانتصارُه واستيلاؤُه على مدينة "هَرَر" عام 1887م؛ إلى سقوط الحكم الإسلامي الذي استمرَّ أربعمائة سنة دون انقطاع، رغم الثورات المتكرِّرة من شعب الأورومو وغيره من الشعوب الإسلامية الأخرى في بلاد الحبشة.
 
وقد قام السلطان "محمد علي" وهو من خيرة سلاطين الأورومو بمقاومة حكم "منليك"؛ ولكنَّه هُزم، فاختار التَّنَصُّرَ الظاهريَّ على القتل، وقد أَنْجَبَ "ليج ياسو" من ابنة "منليك"، ولما تُوُفِّيَ "منليك" في عام 1913م انتقل الحكم لحفيده "ليج ياسو" الذي ما لَبِثَ أن أعلن إسلامه، وأبدل العَلَمَ القديم الذي يحمل الصليب بالعَلَمِ الجديد الذي يحمل الهلال، والمنقوش عليه: "لا إله إلا الله محمد رسول الله".
 
لكنْ لم تَرْضَ كُلٌّ من إنجلترا، وفرنسا، وإيطاليا، وروسيا؛ فعَمِلوا على إقصائه من الحكم، وتعيين "هيلاسيلاسي" الذي قام بوضع "ليج ياسو" في السجن مدَّة عشرين عاماً إلى أن مات هناك في عام 1936م، واستمرَّ حكم "هيلاسيلاسي" مدَّة خمسين سنة، مما أضفى على الحدود التي أمدَّها "منليك" صِفَةَ الأمرِ الواقع، والمشروعيَّة الدُّولية، وعلى الرغم من هذه الحركات التحرُّريَّة والاستقلاليَّة المتتالية من شعب الأورومو المسلم؛ إلا أنهم ما زالوا في درجة من الضعف لا تُمَكِّنُهم من الاستقلال، ثم إنهم ما زالوا مطارَدِين من السلطات الإثيوبية.
 
أما جبهة تحرير الصومال الغربي "أوجادين" التي كانت بلادهم "الصومال الغربي" واقعة منذ الاستقلال عام 1954م تحت سيطرة الصومال؛ فقد عُقِدَ اتِّفاق سِرِّيٌّ بين بريطانيا والحبشة في عهد "هيلاسيلاسي" خُوِّل من خلاله "هيلاسيلاسي" من ضمِّ الإقليم المُسْلِم إلى أراضي الحبشة، ورغم التاريخ الجهادي الطويل منذ الاستقلال وحتى الآن؛ فإن الحكومة الإثيوبيَّة لا تقدِّم أدنى الاهتمامات لهذا الإقليم الفقير[1].
 
والغريب أنه رغم كون المسلمين في إثيوبيا يمثِّلون ثلثي السكان تقريباً؛ إلا أن الدِّينَ الرسمي للدولة هو المسيحية، وهو ما يؤيده إحصاء عام 1993م الذي أشار إلى أن عدد المسلمين في الحبشة بلغ 27 مليوناً من مجموع السكان البالغ عددهم 45 مليوناً، وقد حرص الرئيس "زيناوي" كسابقيه على إبقاء الطابع المسيحي للحبشة؛ فجعل نصيب المسلمين من مقاعد البرلمان 22% فقط، ونصيبهم من الوزارات ثلاث وزارات غير سياديَّة من أصل ثماني عشرة وزارة، كما حرص زيناوي على شنِّ الحملات العسكريَّة على تجمعات القوميَّات الإسلامية من حين لآخر دون انقطاع[2].

 
الحركة السياسية في إريتريا:
 
أما إريتريا فرغم الأغلبية المسلِمَة إلا أنها وقعت تحت الاحتلال الحبشي، وفي ظلِّه انخفضت نسبة المسلمين من 80% إلى 60%، وفي عام 1882م انسحبت مصر من إريتريا بسبب وقوعها تحت الاحتلال البريطاني، وهو ما أعطى الفرصة لإيطاليا لاحتلال إريتريا عام 1885م، وقد بقيت فيها حتى عام 1941م حيث دخلتها قوات الحلفاء في الحرب العالمية الثانية، وفي عام 1962م أعلن "هيلاسيلاسي" ضمَّ إريتريا للحبشة، وهو ما أدَّى لدخول إريتريا في صراع طويل مع الحبشة، وكان من جملة العوامل القويَّة التي أدَّت بإطاحة الإمبراطور "هيلاسيلاسي" عام 1974م، ولما تولى "منجستو" اتَّخذ سياسة أشدَّ بطشاً من سابقه "هيلاسيلاسي" في التعامل مع المسلمين؛ فقد استخدم أموال التبرعات الإغاثية المُقَدَّمة للمسلمين في تنفيذ خُطَّة سيِّئة في تهجير المسلمين، وتقتيلهم.
 
وظلَّ المسلمون على ذلك حتى إعلان استقلال إريتريا عن الحبشة عام 1993م، وقد بلغ عدد القتلى ما يقرب من 100 ألف قتيل، وشُرِّد حوالي 750 ألف مسلم، ويُتِّم حوالي 90 ألف طفل، ورغم الاستقلال فإريتريا تتعرَّض لحملة اضطهاد صليبية شرسة من قِبَلِ الرئيس أسياس أفورقي، فقد قام أفورقي بضمِّ عدَّة أقاليم إسلامية إلى ثلاث مقاطعات مسيحية؛ وذلك في محاولة منه لتذويب قطاعات المسلمين في هذه المقاطعات، فقد ضمَّ إقليمَيْ بركة والقاش الإسلامِيَّيْن، والمشهورين بقوَّتَيْهما الاقتصاديَّة؛ إلى مقاطعة سراي ذات الأغلبية المسيحية، في حين لا تبلغ سراي إلا حوالي ربع مساحة إقليم بركة، وقد قام أفورقي بتغييب الهُوَيَّة العربية والإسلامية عن إريتريا، فشكَّل الحكومة المؤقَّتة من اثني عشر وزيراً؛ منهم تسعة نصارى، وثلاثة مسلمين، ورفض الانضمام للجامعة العربية، ثم رفض أن تكون اللغة العربية هي اللغة الأمُّ، وجعل اللغة التجرينية هي الأمُّ، ثمَّ أنشأ الكنائس في المناطق التي لا يقطنها إلا المسلمون، وأعطى الأولويَّة في الوظائف الحكومية للنصارى[3].
 
وأخطر ما يُهَدِّد إريتريا الآن هي الهيئات التنصرية التي انتشرت بكثرة مستغلَّة الفقر والحاجة التي يُعَاني منها المسلمون، وفي عَهْدِه ازداد بطشُ الجبهة الشعبية واعتداءاتها على حُرُمات المسلمين، ففي خلال الأشهر الأخيرة من عام 1989م قامت الجبهة بقيادة أفورقي بالاعتداء على 58 قرية مُسْلِمَة، وأخذت منها أكثر من 500 امرأة مسلمة، وأجبرتهن على الزواج من نصارى، ورغم هذه الاعتداءات والتحاملات القاسية على المسلمين إلا أن حركة الجهاد الإسلاميِّ وجبهة التحرير استطاعت أن تُسيطر على ستِّ مقاطعات ريفية من بين ثماني محافظات، بل استطاعوا الوصول إلى ساحل البحر الأحمر[4].
 
_____________________________

[1] جمال عبد الهادي، علي لبن: المجتمع الإسلامي المعاصر (ب) إفريقيا ص112-118 بتصرف.
[2] مجلة المسلمون في عددها الموافق 18/6/1993م.
[3] جمال عبد الهادي، علي لبن: المجتمع الإسلامي المعاصر (ب) إفريقيا ص120-126 بتصرف.
[4] جريدة النور في 4/10/1989م، المسلمون في 20/6/1991م، البيان عدد يناير 1992م.