ينابيع الرجاء - النبع الخامس: {وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ}

منذ 2014-03-24

المكر هو إظهار أمر يعتقد الجاهل به غير حقيقته، والكيد والمكر لا يَدُلان أبدا على القوة؛ إنما يدلان على ضعف؛ لأن الشجاع القوي يجاهر بعدائه؛ لأنه قادرٌ على عدوه، لكنَّ الضعيف هو من يستخدم الحيلة والمكر ليوقع بخصمه، والقوي لحظة أن يمسك بخصم ضعيف قد يُطلِقه وقد يعاقبه، لأنه مطمئن أن قوته تستطيع أن تنال من هذا الضعيف وقتما أراد، لكن الضعيف حين يقبض على قوي، فإنه يعتبر الأمر فرصة لن تتكرر، ويضع في اعتباره أن خصمه أقوى منه حيلة وأرجح عقلا، لذا يخفي الماكر أمر مكره ويبيِّته بليل.


المكر هو إظهار أمر يعتقد الجاهل به غير حقيقته، والكيد والمكر لا يَدُلان أبدا على القوة؛ إنما يدلان على ضعف؛ لأن الشجاع القوي يجاهر بعدائه؛ لأنه قادرٌ على عدوه، لكنَّ الضعيف هو من يستخدم الحيلة والمكر ليوقع بخصمه، والقوي لحظة أن يمسك بخصم ضعيف قد يُطلِقه وقد يعاقبه، لأنه مطمئن أن قوته تستطيع أن تنال من هذا الضعيف وقتما أراد، لكن الضعيف حين يقبض على قوي، فإنه يعتبر الأمر فرصة لن تتكرر، ويضع في اعتباره أن خصمه أقوى منه حيلة وأرجح عقلا، لذا يخفي الماكر أمر مكره ويبيِّته بليل، ولذلك أنشأ أبو تمام يقول:

وضعيفة فإذا أصابت فرصة قتلت *** كذلك قدرة الضعفاء


ولحرمة المكر السيء وخبثه فقد ترفَّع عنه الصحابة الذين تربوا على موائد النبوة، فهذا قيس بن سعد بن عبادة- رضي الله عنهما- يقول: لولا أنّي سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «المكر والخديعة في النّار» [1] لكُنْتُ من أمكر الناس.

والمكر مقلوب على صاحبه مرتدٌّ إلى قلبه كما استقرأ ذلك محمّد بن كعب القرظي من كتاب الله فقال: "ثلاث من فعلهنَّ لم ينْجُ حتى ينزل به: من مكر أو بغى أو نكث، وتصديقها فى كتاب الله تعالى: {وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ} [فاطر: 43] {إِنَّما بَغْيُكُمْ عَلى أَنْفُسِكُمْ} [يونس: 23] {​فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّما يَنْكُثُ عَلى نَفْسِه}[2]
وإن كان المكر قبيحا في حق البشر لكنه محمود في حق الله سبحانه كما قال الشاعر:

ويَقْبُح من سواك الشيء عندي *** وتَفْعَلُه فيحسُنُ مِنْكَ ذاكا


فكيف ذلك؟!
اسمع مني: 
حين تجد صفة تستبعد أن يوصف بها الله فاعلم أنما جاءت للمشاكلة، فمكر الله يكون تارة فعلًا يُقصد به مصلحة العبد ومنفعته، فهو محمود على سبيل المقصد والغاية.
ويكون تارة معناه الجزاء والمثوبة؛ أي يُجازي أهل المكر جزاء مكرهم.
ويكون تارة بأن لا يقبِّحُ مكر أعدائه في عيونهم، بل يزيِّنه لهم.
ويكون تارة بقطع توفيقه عنهم فيتخبطون.
ويكون تارة بإعطائهم ما يتمنون من دنياهم واستعماله في غير ما يحب، فيكون قد مَكَر بهم واستدرجهم إلى مصارعهم كما قال الزمخشري: مكر الله استعارة لأخذه العبد من حيث لا يشعر ولاستدراجه، فعلى العاقل أن يكون في خوفه من مكر الله كالمحارب الذي يخاف من عدوِّه الكمين والبيات والغيلة[3].

ولأجل ذلك قال تعالى: {وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ}
وهذا الذي اقتضى قول ربنا تعالى: {وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ}، ولذا اعتروا أمن مكر الله كبيرة! قال الطاهر بن عاشور: قال الخفاجي: الأمن من مكر الله كبيرة عند الشافعية، وهو الاسترسال على المعاصي اتكالا على عفو الله»[4].

ولأن الله يعلم ما يبيِّت أي إنسان، فإذا أراد الله إنفاذ أمر فلا يستطيع أحدٌ أن يواجِه إرادة الله وأمره، ولذا فمكر الله لا قِبَل لأحد بواجهته {وَمَكَرُواْ وَمَكَرَ الله والله خَيْرُ الماكرين} [آل عمران: 54]، فمكْر العباد مفضوح عند الله، أما مكْرُه سبحانه فلا يقدر عليه أحد، ولا يحتاط منه أحد؛ لذلك كان الحق سبحانه خَيْر الماكرين.
فطوبى لمن كان الله معه فمكر له، والويل كل الويل لمن عاداه ربه فمكر به.


[1] صحيح: رواه ابن عدي في الكامل كما في السلسلة الصحيحة رقم:1057، وقيس هذا داهية يتفجر حيلة وذكاء، وكان قيس يعدّ في الدهاة، وكانوا خمسة يومئذ، وهم: معاوية، وعمرو بن العاص، والمغيرة ابن شعبة، وقيس بن سعد، وعبد الله بن بديل، وهو الذي قال عن نفسه: لولا الاسلام، لمكرت مكرا لا تطيقه العرب!! ولقد كان مع علي ضدَّ معاوية، وكان يقول: والله لئن قدّر لمعاوية أن يغلبنا، فلن يغلبنا بذكائه، بل بورعنا وتقوانا.!!
[2] الكشاف 2/ 563.
[3] الفتح/ 10.
[4] التحرير والتنوير 9/25.

خالد أبو شادي

طبيبٌ صيدليّ ، و صاحبُ صوتٍ شجيٍّ نديّ. و هو صاحب كُتيّباتٍ دعويّةٍ مُتميّزة

المقال السابق
النبع الرابع: «لأنصرنك ولو بعد حين​»
المقال التالي
النبع السادس: {أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِدًا}