ينابيع الرجاء - النبع الثامن: {وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً}

منذ 2014-03-25

امتحن الرسل بالمرسل إليهم ودعوتهم إلى الحق والصبر على أذاهم. وتحمل المشاق فى تبليغهم رسالات ربهم، امتحن المرسل إليهم بالرسل، وهل يطيعونهم، وينصرونهم، ويصدقونهم، أم يكفرون بهم، ويردون عليهم، ويقاتلونهم؟، امتحن العلماء بالجهال، هل يعلِّمونهم وينصحونهم، ويصبرون على تعليمهم ونصحهم وإرشادهم، ولوازم ذلك؟، امتحن الجُهَّال بالعلماء؛ هل يطيعونهم ويهتدون بهم؟، امتحن الملوك بالرعية، والرعية بالملوك، امتحن الأغنياء بالفقراء، والفقراء بالغنياء، امتحن الضعفاء بالأقوياء، والأقوياء بالضعفاء، امتحن السادة بالأتباع والأتباع بالسادة، امتحن المالك بمملوكه، ومملوكه به، امتحن الرجل بامرأته، وامرأته به، امتحن الرجال بالنساء، والنساء بالرجال، امتحن المؤمنين بالكفار والكفار بالمؤمنين، امتحن الآمرين بالمعروف بمن يأمرونهم، وامتحن المأمورين بهم.

 

  • قال ابن القيم في إغاثة اللهفان وهو يبيِّن الحكمة من اختلاف الخلق: وهذا عام فى جميع الخلق، امتحن بعضهم ببعض:
    • امتحن الرسل بالمرسل إليهم ودعوتهم إلى الحق والصبر على أذاهم. وتحمل المشاق فى تبليغهم رسالات ربهم.
    • امتحن المرسل إليهم بالرسل، وهل يطيعونهم، وينصرونهم، ويصدقونهم، أم يكفرون بهم، ويردون عليهم، ويقاتلونهم؟ 
    • امتحن العلماء بالجهال، هل يعلِّمونهم وينصحونهم، ويصبرون على تعليمهم ونصحهم وإرشادهم، ولوازم ذلك؟ 
    • امتحن الجُهَّال بالعلماء؛ هل يطيعونهم ويهتدون بهم؟ 
    • امتحن الملوك بالرعية، والرعية بالملوك.
    • امتحن الأغنياء بالفقراء، والفقراء بالغنياء.
    • امتحن الضعفاء بالأقوياء، والأقوياء بالضعفاء.
    • امتحن السادة بالأتباع والأتباع بالسادة.
    • امتحن المالك بمملوكه، ومملوكه به.
    • امتحن الرجل بامرأته، وامرأته به.
    • امتحن الرجال بالنساء، والنساء بالرجال.
    • امتحن المؤمنين بالكفار والكفار بالمؤمنين.
    • امتحن الآمرين بالمعروف بمن يأمرونهم، وامتحن المأمورين بهم.


ولذلك كان فقراء المؤمنين وضعفاؤهم من أتباع الرسل فتنةً لأغنيائهم ورؤسائهم، امتنعوا من الإيمان بعد معرفتهم بصدق الرسل، وقالوا: {لَوْ كانَ خَيْراَ مَا سَبَقُونَا إلَيْهِ} [الأحقاف: 11][1].

وقد قرن الله سبحانه الفتنة بالصبر هنا، فليس لمن فُتِنَ بفتنة دواء مثل الصبر، فإن صَبَر كانت الفتنة ممحِّصة له، ومخلِّصة من الذنوب، كما تخلِّص النار خبث الذهب والفضة، فالفتنة كير القلوب، ومحك الإيمان، وبها يتبين الصادق من الكاذب. قال تعالى: {وَلَقَدْ فَتنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللهُ الّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ} [العنكبوت: 3].

فالفتنة قسمت الناس فريقين: صادقٍ وكاذبٍ، ومؤمن ومنافق، وطيبٍ وخبيثٍ، فمن صبر عليها كانت رحمة فى حقه، ونجا بصبره من فتنة أعظم منها، ومن لم يصبر عليها وقع فى فتنة أشد في النار والعياذ بالله، فالنار فتنة من لا صبر له على فتن الدنيا كما قال تعالى: {يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّار يفُتَنُونَ ذُوقُوا فِتْنَتَكمْ هذا الّذِى كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ} [الذاريات: 13، 14].

  • حكى الإمام القرطبي: ومعنى هذا أنَّ كُلَّ واحد مُخْتَبَرٌ بصاحبه، فالغني ممتحن بالفقير، عليه أن يواسيه ولا يسخر منه، والفقير ممتحن بالغني، عليه ألا يحسده، ولا يأخذ منه إلا ما أعطاه، وأن يصبر كل واحد منها على الحق، وأصحاب البلايا يقولون: لم لم نُعاف؟ 
    والأعمى يقول: لم لم أُجْعَل كالبصير؟ 
    وهكذا صاحب كل آفة. 
    والرسول المخصوص بكرامة النبوة فتنة لأشراف الناس من الكفار في عصره. 
    وكذلك العلماء وحُكّام العدل. 

    فالفتنة أن يحسد المبتلى المعافى، والصبر: أن يحبس كلاهما نفسه، هذا عن البطر، وذاك عن الضجر.
    وقول الله تعالى {أتصبرون} محذوف الجواب، يعني أم لا تصبرون، فيقتضي جوابا كما قاله المزني، وقد أخرجته الفاقة (الفقر) فرأى خصيا في مراكب ومناكب، فخطر بباله شيء فسمع من يقرأ الآية: {أتصبرون}؟! فقال: بلى ربنا! نصبر ونحتسب.

    وقد تلا ابن القاسم صاحب الإمام مالك هذه الآية حين رأى أشهب بن عبد العزيز في مملكته عابرا عليه، ثم أجاب نفسه بقوله: سنصبر[2].
    وهو استفهام توبيخي إنكاري كذلك يفيد وجوب الصبر؛ لأن الله امتحن المؤمنين بأعدائهم، ولولا ذلك لما كانت لهم الجنة.
    وما أروع كلمة علي بن أبي طالب رضي الله عنه يصف بها الحكمة من خلق الخلق ودورهم في نصرة الحق، فقال رحمه الله: "إن الله لا يُسلِم الحق، ولكن يتركه ليبلو غَيْرة الناس عليه، فإذا لم يغاروا عليه غَارَ هو عليه"[3].

    والناس تنفر من الفتنة وتخافها، وهذا لا يصح؛ لأن الفتنة تعني الاختبار، وهي مأخوذة من فتنة الذهب حين يُصْهر، فالذي ينبغي أن نخشاه هو نتيجة الفتنة، لا الفتنة نفسها، فالامتحان فتنةٌ للطلاب، والطالب المجتهد يسعى بحماسة إلى الاختبار ليثبت تفوُّقه، ومن أخفق في البذل أخفق يوم النتيجة، وكانت الفتنة في حقِّه شرًّا.
     
  • أوهام الفتنة!
    وبعض الناس يتخذ من الفتنة ذريعة لعدم الصدح بكلمة الحق وترك إنكار المنكر وعدم مواجهة الظالم، وهذا والله من العجائب، ويفتح باب تمييع الحق ولبسه بالباطل، وقد عرض لهذه الشبهة القديمة ابن بطال حين استعرض حوارا مع أحد أصحاب هذا الفهم السقيم ثم روى تفاصيله: الفتنة فى كلام العرب الابتلاء والاختبار، فقد يكون ذلك بالشدَّة والرخاء والطاعة والمعصية، وكان حقًا على المسلمين إقامة الحق ونصرة أهله، وإنكار المنكر والأخذ على أيدى أهله، كما وصفهم الله تعالى بقوله: {الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِى الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاَةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ} [الحج: 41] كان معلومًا أن من أعان فى الفتنة فريقَ الحق على فريق الباطل، فهو مصيب أمر الله تعالى.
     
  • ولا يخلو المفتئتون من أحد أمور ثلاثة: إما أن يكون كلاهما محقين أو كلاهما مبطلين أو أحدهما محقًا والآخر مبطلا؟ فإن قال: نعم. قيل له: أو ليس الفريقان إذا كانوا مبطلين حقَّ على المسلمين الأخذ على أيديهما إن قدروا على ذلك وإن لم تكن لهم طاقة؛ فكراهة أمرهما والقعود عنهما وترك معونة أحدهما على الآخر فقد أوجب معونة الظالم على ظلمه، وذلك خلاف حكم الله. ويقال له: أرأيتَ إن كان أحد الفريقين مُحِقًّا والآخر مبطلاً .. أيجب على المسلمين معونة المحق على المبطل؟ 
    فإن قال: لا، فقد أوجب ترك الساعي فى الأرض بالفساد، وهذا خلاف قوله تعالى: {إِنَّمَا جَزَاء الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ} [المائدة: 33] الآية. فإن قال: تجب معونة المحق على المبطل، فقد أوجب قتال الفرقة الباغية. 
    وأما الحالة الثالثة، فإنها حالة ممتنع فى العقل وجودها، وذلك حال حرب فريقين من المسلمين يقتلان وهما جميعًا محقان فى ذلك[4]. 

    قال الشافعيّ: ما أخْرَجتْ مصر أَفْقَهَ من أشهب لولا طَيْش فيه.
    قال محمد بن عبد اللَّه بن الحكَم: رأيت أشهب بْن عَبْد العزيز ساجدًا، وهو يقول في سجوده: اللَّهم أمت الشافعيّ ولا تُذهِب عِلْم مالك.
     
  • فبلغ الشّافعيّ ذلك، فتبسّم وأنشأ يقول: 

تمنّى رجال أن أموت وإن أمُتْ *** فتِلك سبيلٌ لستَ فيها بأوحد
فقل للذي يبغي خلاف الذي مضى *** تهيأ لأخرى مثلها فكأن قد
وقد علموا لو ينفع العلم عندهم *** لئن مت ما الداعي عليّ بمُخلَّدِ.


قال: فلما مات الشافعي، اشترى أشهب من تركته عبدا، ثم مات أشهب، فاشتريت أنا ذلك العبد، وذكروا أنه كان موت أشهب بعد الشافعي بشهر وقيل بثمانية عشر يوما.
وفضَّله محمد بن عبد الله بن عبد الحكم على ابن القاسم في الرأي حتى إنه قال: أشهب أفقه من ابن القاسم مائة مرة.


[1] إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان 2/161.
[2] تفسير القرطبي 13/18- فائدة: أشهب: هو أشهب بن عبد العزيز القيسي العامري الجعدي: فقيه الديار المصرية في عصره، وصاحب الإمام مالك. توفي سنة 204هـ/819م.
[3] تفسير الشعراوي 16/10040، 10041- ط مطابع أخبار اليوم.
[4] شرح ابن بطال 10/24-28 بتصرف. 
 

خالد أبو شادي

طبيبٌ صيدليّ ، و صاحبُ صوتٍ شجيٍّ نديّ. و هو صاحب كُتيّباتٍ دعويّةٍ مُتميّزة

المقال السابق
النبع السابع: «أَنا عند ظن عبدي بي»
المقال التالي
النبع التاسع: {وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا}