بغض معرفة الأسرار

منذ 2014-03-29

عادة التطلع إلى معرفة أسرار الآخرين تنتقص من قدر صاحبها، وتعرضه لغضب الله ومقت الناس، والحكمة القديمة تقول: (من راقب الناس مات هما وغما).

قيل أن الحكمة النبوية التي تقول أن (من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه) إنما تضمنت أنواعا كثيرة من الترك حتى أنه لايسهل حصرها. منها على سبيل المثال علم لا ينفع، وما أكثر العلوم غير النافعة في عصرنا هذا، بل أن بعضها يلقب بألقاب أنيقة جدا، أو الاهتمام بأخبار شخصيات لا وزن لها ولا قيمة سوى أنها تحاد الله ورسوله، كذلك المعلومات والأنباء الخاصة بموضوعات وأحداث من التفاهة بمكان مما يتعارض مع إدراك المسلم لقيمة الوقت إذا فرط في وقته الثمين بمتابعتها وغير ذلك. أما ما نعرفه جميعا ونفهمه من تلك الحكمة العظيمة هي أنها تنهى عن محاولة معرفة أسرار وخصوصيات الآخرين وتفاصيل حياتهم بحلوها ومرها أو إقحام النفس دون ضرورة ملحة. وتعتبر هذه إحدى العادات الشائعة بين كثير من الناس، وقد تصل إلى درجة مرضية لدى بعضهم حتى أنها تهبط بصاحبها إلى أدنى المستويات عندما تستعبده فتدفعه إلى استدراج الآخرين وتتبع عوراتهم وتجعله محلا لوعيد الله في الدنيا والآخرة ، فقد قال صلى الله عليه وسلم: «يا مَعْشَرَ مَن آمن بلسانِه ولم يَدْخُلِ الإيمانُ قلبَه ، لا تغتابوا المسلمينَ ، ولاتَتَّبِعُوا عَوْرَاتِهِم ، فإنه مَن تَتَبَّعَ عَوْرَةَ أَخِيه المسلمِ ، تَتَبَّعَ اللهُ عَوْرَتَه ، ومَن تَتَبَّعَ اللهُ عَوْرَتَه ، يَفْضَحْهُ ولو في جوفِ بيتِه» (صحيح الجامع؛ رقم: [7984]).

 ولو يدرك المرء أبعاد الحكمة النبوية لاعتصم باتباعها دون حاجة للوعيد، ولو عرف حجم الأضرار الناجمة عن مخالفتها، لصارت شيئا بغيضا إلى نفسه بدلا من أن تكون هواية. فحياة الآخرين لا تخرج عن كونها مجموعة من الإيجابيات أو السلبيات، أما معرفة الإيجابيات بما تعنيه من سعادة ووئام وحسن صحة وسعة في العيش، فضرره يكون جسيما عندما يكون المرء مفتقدا لأهم عناصر الإيمان وهو الرضا والقناعة بما لديه، فتقوم النفس الأمارة بالسوء بحسد الآخرين على مالديهم والتمرد على وضعها بالرغم من أفضلية هذا الوضع. أما معرفة السلبيات بما تعنيه من مشكلات، فأول أضرارها أنه لا يخلو غالبا من ذم هذا أو ذكر عيب ذاك، أو شئ من هذا القبيل مما يعرج بالطرفين على طريق الغيبة شاءا ذلك أم لا، وبذلك يدخلا دائرة المحرمات، خاصة أن السماع من طرف واحد لا يتسم غالبا بالإنصاف. كذلك فإن حمل الأسرار أمانة وعبء ثقيل وكم من أشخاص نهشتهم ضمائرهم بسبب الصراع ما بين الاستمرار في الائتمان على السر، وبين دفع مظلمة عن برئ وُضع موضع إدانة أدبيًا أو اجتماعيًا او حتى قانونيًا. كذلك فإن الذي يفضي بسره أومشكلته إلى آخر في لحظة ضعف كثيرًا ما يكره هذه اللحظة، ويكره من عرى ضعفه أمامه بعد أن كان يحبه، فتكون هذه الإفضاءات مدخلا رحبا للشيطان، عندما يوسوس للبعض بأن الذي اطلع على سره يتعمد التلميح إلى مشكلاته ليعيره بها، بل تصل به الوساوس أحيانا وسوء الظن إلى درجة توقع الغدر ممن علم بسره، وبدلا من شكره على حسن الإنصات إليه وحسن النصيحة له ينقلب له عدوا! وإذا كان المرء يرى نفسه على درجة من الحكمة أو القدرة على إعانة الآخرين على إيجاد حلول لمشكلاتهم، فإنه سيكون أكثر حكمة عندما يكون أكثر إعراضا عن سماع تفاصيل حياتهم، وأشد بغضا لمعرفة أسرارهم. فإن شعر بالتقصير تجاههم، أو التقاعس عن مساعدتهم، فإن عليه المساعدة متجنبا قدرالمستطاع طريق الأسرار المحفوف بالأشواك. أما من يجد لنفسه المبرر للاطلاع على اسرار وأخبار الآخرين بداع وبدون داع متعللا بحب الاستطلاع، فإن حب الاستطلاع له ميادينه الواسعة المتشعبة التي أباحها الشرع بل وحث عليها وعلى رأسها التفقه في الدين. فمن العار على المسلم أن يتطلع يمينا ويسارا وهو جاهل بأساسيات دينه، مقصر في واجباته الشرعية نحو ربه ونفسه ومجتمعه.

سهام علي

 

المصدر: جريدة الوطن القطرية عام 2000.

سهام علي

كاتبة مصرية، تخرجت في كلية الإعلام، وعضوة في هيئة تحرير موقع طريق الإسلام.