التوبة إلى الله

منذ 2014-04-04

رحمة الله واسعه وفضلهه عظيم وذنوبنا كثيرة فلنرجع إليه ولنستغفره عسى أن يتوب علينا

 الحمد لله القائل {وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ ۖ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَىٰ نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ ۖ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِن بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} [الأنعام:54]،

والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم القائل «وَاللَّهِ إِنِّي لَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ وَأَتُوبُ إِلَيْهِ فِي اليَوْمِ أَكْثَرَ مِنْ سَبْعِينَ مَرَّةً» (صحيح البخاري؛برقم:6307).

يقول الله سبحانه و تعالى: {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} [الزمر:53]

قال عبد الله بن عباس عن هذه الأية أنها: "أكثر آية في القرآن الكريم فرحًا"؛ لأنها تحث الناس على التوبة إلى الله مهما كثرت ذنوبهم ومعاصيهم

ولكن الله تعالى أتبع هذه الآية بقوله: {وأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ} [الزمر:54 ]  

فإن الله غفور رحيم لمن رجع إليه واستسلم له سبحانه فالإسلام هو الإستسلام لله تعالى ومن استسلم لله تعالى فعل أوامره واجتنب نواهيه وكان أمره كله لله فليس له في نفسه شيء،

ثم قال المولى سبحانه {واتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ} [الزمر:55]،

فإن من أناب إلى الله ورجع إليه وسلَّم أمره له سبحانه ليس له طريق إلا  اتباع ما أنزل الله من القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة فهما الطريق الوحيد الموصلة إلى الله سبحانه، ومن اتبع غيرهما أو زاد عليهما أو نقص منهما شيء ضل وزل في الدنيا والآخرة إلا أن يتوب ويرجع إليهما مرة أخرى.

وتصديقًا لما سبق قول الله تعالى:{وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى} [طه:82]

قال ابن كثير في تفسيره:"{وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى} [طه:82]

أي: كل من تاب إليَّ تبت عليه من أيِّ ذنب كان، حتى إنه تعالى تاب على من عبد العجل من بني إسرائيل.

وقوله: {تاب} أي: رجع عما كان فيه من كفر أو شرك أو نفاق أو معصية.
وقوله: {وآمن} أي: بقلبه  {وعمل صالحا} أي: بجوارحه.
وقوله: {ثم اهتدى} قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: أي ثم لم يشكك.
وقال سعيد بن جبير: {ثم اهتدى} أي: استقام على السنة والجماعة. وروي نحوه عن مجاهد، والضحاك، وغير واحد من السلف.
وقال قتادة: {ثم اهتدىثم اهتدى} أي: لزم الإسلام حتى يموت.
وقال سفيان الثوري: {ثم اهتدى} أي: علم أن لهذا ثوابا.

ومن رحمته تعالى أن باب التوبة مفتوح للجميع للمسلم فيتوب من معصيته وذنوبه وللكافر فيتوب من كفره وشركه
قال تعالى { لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ . أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [المائدة:73-74]

قال ابن كثير في تفسيره:

 "{أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} وهذا من كرمه تعالى وجوده ولطفه ورحمته بخلقه، مع هذا الذنب العظيم وهذا الافتراء والكذب والإفك، يدعوهم إلى التوبة والمغفرة، فكل من تاب إليه تاب عليه"

وذكر ابن القيم في كتابه بدائع الفوائد عشرة أسباب تمنع شر الحاسد عن المحسود منها "السبب السابع: تجريد التوبة إلى الله من الذنوب التي سلطت عليه أعداءه فإن الله تعالى يقول: {وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ} [الشورى من الآية:30]

وقال لخير الخلق وهم أصحاب نبيه دونه صلى الله عليه وسلم

{أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ} [آل عمران من الآية:165]،          فما سلط على العبد من يؤذيه إلا بذنب يعلمه أو لا يعلمه وما لا يعلمه العبد من ذنوبه أضعاف ما يعلمه منها وما ينساه مما علمه وعمله أضعاف ما يذكره وفي الدعاء المشهور
  « اللهم إني أعوذ بك أن أشرك بك وأنا أعلم وأستغفرك لم لا أعلم »،
فما يحتاج العبد إلى الاستغفار منه مما لا يعلمه أضعاف أضعاف ما يعلمه فما سلط عليه مؤذ إلا بذنب،           ولقي بعضُ السلف رجلًا فأغلظ له ونال منه فقال: له قف حتى أدخل البيت ثم أخرج إليك فدخل فسجد لله وتضرع إليه وتاب وأناب إلى ربه ثم خرج إليه فقال له: ما صنعت
فقال: تبت إلى الله من الذنب الذي سلطك به علي، وليس في الوجود شر إلا من الذنوب وموجباتها فإذا عوفي من الذنوب عوفي من موجباتها فليس للعبد إذا بغي عليه وأوذي وتسلط عليه خصومه شيء أنفع له من التوبة النصوح

وعلامة سعادته أن يعكس فكره ونظره على نفسه وذنوبه وعيوبه فيشغل بها وبإصلاحها وبالتوبة منها فلا يبقى فيه فراغ لتدبر ما نزل به بل يتولى هو التوبة وإصلاح عيوبه والله يتولى نصرته وحفظه والدفع عنه ولا بد
فما أسعده من عبد وما أبركها من نازلة نزلت به وما أحسن أثرها عليه ولكن التوفيق والرشد بيد الله لا مانع لما أعطى ولا معطي لما منع فما كل أحد يوفق لهذا لا معرفة به ولا إرادة له ولا قدرة عليه ولا حول ولاقوة إلا بالله".

فياعباد الله إن رحمة الله واسعة وفضله عظيم ولا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء؛ فهيا بنا نرجع إلى الله ونتوب إليه ونستغفره مما نعلم ومما لا نعلم والله غفور رحيم تواب كريم.

 

أبو عمر