إن إبراهيم كان أمة - (11) إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام وبناء البيت العتيق

منذ 2014-04-04

بنى إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام الكعبة المشرفة على أساسها القديم وطهراها من الأرجاس والنجاسات، وأذن إبراهيم عليه السلام في الناس بالحج، وبقيت الكعبة بيت الله الحرام الذي كان وما زال وسيظل حرمًا آمنًا إلى قرب قيام الساعة بوعدٍ من الله جل وعلا.

إن من أهم المراحل في حياة أبينا إبراهيم عليه السلام هي مرحلة بنائه للبيت الحرام حيث أكرمه الله بهذا الفضل فأمره أن يبني البيت الحرام هو وولده إسماعيل عليهما السلام. فنهض إبراهيم عليه السلام من فوره ملبيًا نداء الله تعالى وسافر من بلاد الشام إلى مكة المكرمة حيث لقي هناك ولده إسماعيل عليه السلام فسلم عليه وكان مشتاقًا لرؤيته فهو لم يره منذ مدة طويلة، ثم أخبره بما أمره الله به، فرحب الولد المطيع بالأمر ونهض مع والده يساعده في إتمام هذه المهمة الشريفة.

 

جاء في الحديث النبوي الشريف الذي رواه الإمام البخاري في صحيحه من حديث ابن عباس الذي سبق ذكر أجزاء منه وفيه: «ثُمَّ جَاءَ بَعْدَ ذَلِكَ وَإِسْمَاعِيلُ يَبْرِي نَبْلًا لَهُ تَحْتَ دَوْحَةٍ قَرِيبًا مِنْ زَمْزَمَ، فَلَمَّا رَآهُ قَامَ إِلَيْهِ فَصَنَعَا كَمَا يَصْنَعُ الْوَالِدُ بِالْوَلَدِ وَالْوَلَدُ بِالْوَالِدِ، ثُمَّ قَالَ: يَا إِسْمَاعِيلُ إِنَّ اللَّهَ أَمَرَنِي بِأَمْرٍ. قَالَ: فَاصْنَعْ مَا أَمَرَكَ رَبُّكَ. قَالَ: وَتُعِينُنِي؟ قَالَ: وَأُعِينُكَ. قَالَ: فَإِنَّ اللَّهَ أَمَرَنِي أَنْ أَبْنِيَ هَا هُنَا بَيْتًا، وَأَشَارَ إِلَى أَكَمَةٍ مُرْتَفِعَةٍ عَلَى مَا حَوْلَهَا. قَالَ صلى الله عليه وسلم: فَعِنْدَ ذَلِكَ رَفَعَا الْقَوَاعِدَ مِنْ الْبَيْتِ، فَجَعَلَ إِسْمَاعِيلُ يَأْتِي بِالْحِجَارَةِ وَإِبْرَاهِيمُ يَبْنِي، حَتَّى إِذَا ارْتَفَعَ الْبِنَاءُ جَاءَ بِهَذَا الْحَجَرِ فَوَضَعَهُ لَهُ فَقَامَ عَلَيْهِ وَهُوَ يَبْنِي وَإِسْمَاعِيلُ يُنَاوِلُهُ الْحِجَارَةَ وَهُمَا يَقُولَانِ: {رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ}، قَالَ: فَجَعَلَا يَبْنِيَانِ حَتَّى يَدُورَا حَوْلَ الْبَيْتِ وَهُمَا يَقُولَانِ: {رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ}» (البخاري: [3364]).

 

وقد ذكرت القصة في القرآن الكريم في العديد من المواضع والآيات؛ قال تعالى: {وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ} [الحج:26]. وقد كانت قواعد البيت الحرام موجودة من قبل ولكنها مع مرور الزمن اندرست تحت الأرض فهيأ الله سبحانه وتعالى لإبراهيم مكان تلك القواعد وعرفها له لينقب عنها ثم يبني فوقها بقية البيت.

 

قال الشيخ الشنقيطي رحمه الله تعالى في تفسير هذه الآية: "فقوله {بَوَّأْنَا لإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ البيت} أي هيأناه له، وعرفناه إياه، ليبنيه بأمرنا على قواعده الأصلية المندرسة، حين أمرنا ببنائه، كما يهيأ المكان لمن يريد النزول فيه. والمفسرون يقولون: بوأه له، وأراه إياه بسبب ريح تسمى (الخجوج) كنست ما فوق الأساس، حتى ظهر الأساس الأول الذي كان مندرسًا، فبناه إبراهيم وإسماعيل عليه. وقيل: أرسل له مُزنة فاستقرت فوقه، فكان ظلها على قدر مساحة البيت، فحفرا عن الأساس، فظهر لهما فبنياه عليه. وهم يقولون أيضاً: إنه كان مندرسًا من زمن طوفان نوح، وأن محله كان مربض غنم لرجل من جرهم، والله تعالى أعلم. وغاية ما دل عليه القرآن: أن الله بوأ مكانه لإبراهيم، فهيأه له، وعرفه إياه ليبنيه في محله، وذهبت جماعة من أهل العلم إلى أن أول من بناه إبراهيم ولم يُبن قبله. وظاهر قوله: حين ترك إسماعيل، وهاجر في مكة {رَّبَّنَا إني أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ المحرم} [إبراهيم:37] يدل على أنه كان مبنيًا، واندرس، كما يدل عليه قوله هنا {مَكَانَ البيت} لأنه يدل على أن له مكانًا سابقًا، كان معروفاً. والله أعلم". ا.هـ.

 

وقام إبراهيم عليه السلام وولده إسماعيل بجمع الأحجار وبناء البيت الحرام ممتثلين أمر الله تعالى بتطهير البيت من كل ما لا يليق ببيوت الله من الأقذار والأرجاس والأوثان، وأن يجعلاه مهيأ لاستقبال الطائفين به والعاكفين فيه والمؤدين للصلاة بداخله. فقاما عليهما السلام بذلك العمل على أتم وجه وهما يدعوان الله تعالى في أثناء عملهما أن يحفظ هذا البلد؛ مكة وأن يرزق أهله من كل الثمرات وأن يتقبل منهم هذا العمل وأن يجعلهم من المسلمين الموحدين وأن يُخرج من ذريتهم أمة مسلمة موحدة تعبد الله ولا تشرك به وأن يغفر لهم ويتوب عليهم.

 

وقد استجاب الله سبحانه وتعالى لدعائهما فأخرج أمة العرب من لدن إسماعيل وبعث نبينا محمد صلى الله عليه وسلم من أمة العرب هذه ومن نسل إسماعيل بن إبراهيم عليهم جميعًا أفضل الصلاة والسلام؛ قال تعالى: {وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ . وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ . وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ . رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ . رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [البقرة:125- 129].

 

ومقام إبراهيم هو الحجر الذي كان إبراهيم عليه السلام يقف عليه خلال بنائه للكعبة وثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه لما طاف بالبيت صلى خلف المقام ركعتين، أما الحجر الأسود فقد نزل من الجنة مع آدم عليه السلام، وقد كان أبيض، ثم أسودَّ بسبب ذنوب بني آدم، فقد روى الترمذي عن ابن عباس رضي الله عنهما وصححه الألباني: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «نزل الحجر الأسود من الجنة وهو أشد بياضًا من اللبن، فسودته خطايا بني آدم» (صحيح الجامع: [6756]).

 

ثم بعد ذلك أمر الله سبحانه وتعالى نبيه إبراهيم عليه السلام أن يؤذن في الناس بالحج؛ قال تعالى: {وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ} [الحج:27]. قال ابن كثير رحمه الله في تفسيره: "أي: ناد في الناس داعيا لهم إلى الحج إلى هذا البيت الذي أمرناك ببنائه. فَذُكر أنه قال: يا رب، وكيف أبلغ الناس وصوتي لا ينفذهم؟ فقيل: ناد وعلينا البلاغ. فقام على مقامه، وقيل: على الحجر، وقيل: على الصفا، وقيل: على أبي قُبَيس، وقال: يا أيها الناس، إن ربكم قد اتخذ بيتا فحجوه، فيقال: إن الجبال تواضعت حتى بلغ الصوت أرجاء الأرض، وأسمَعَ مَن في الأرحام والأصلاب، وأجابه كل شيء سمعه من حَجَر ومَدَر وشجر، ومن كتب الله أنه يحج إلى يوم القيامة: "لبيك اللهم لبيك". هذا مضمون ما روي عن ابن عباس، ومجاهد، وعكرمة، وسعيد بن جُبَير، وغير واحد من السلف، والله أعلم". ا.هـ.

 

وهكذا بنى إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام الكعبة المشرفة على أساسها القديم وطهراها من الأرجاس والنجاسات، وأذن إبراهيم عليه السلام في الناس بالحج، وبقيت الكعبة بيت الله الحرام الذي كان وما زال وسيظل حرمًا آمنًا إلى قرب قيام الساعة بوعدٍ من الله جل وعلا، وقد كانوا في الجاهلية على مر العصور على الرغم من شركهم يقدسون البيت ويحترمونه حتى إن أحدهم ليرى قاتل أبيه في الحرم فلا يمسه بسوء.

 

بقلم/ سدرة المُنتهى.

المقال السابق
(10) زيارة إبراهيم لولده إسماعيل في مكة
المقال التالي
(12) إبراهيم عليه السلام والطيور الأربعة