نصيحة في وجوب الصلاة مع الجماعة وفضلها

منذ 2014-04-06

يا أمَّة الإسلام، أنقِذوا أنفُسَكم وتداركوا حياتَكم، واسلكوا سبيلَ ربِّكم، تفوزوا بسعادة الدُّنيا والآخرة، واحْذروا سلوكَ السَّبيل المفْضِية إلى الهلاك والعطَب والبوار، وليْس بين هذا والوقوف على الحقيقة إلاَّ أن يقال: فلان مات. ولا تغترُّوا بزهرة هذه الحياة الفانية؛ فإنَّها عمَّا قليلٍ مضمحلَّة وزائلة.

الحمد لله، والصَّلاة والسَّلام على رسولِ الله نبيِّنا محمَّد.
وبعد:
أيُّها الإخوة المسلمون، إليْكم هذه الأحاديثَ التَّالية والدَّالَّة على فضْل الصَّلاة مع الجماعة في المساجِد مع المسلِمين، نسوقُ البعض منها لعلَّها تكون سببًا في الهداية وسلوك سبيل النَّجاة لمن أراد الله هدايتَه وتوفيقَه، وحجَّة على مَن سمِعها ولَم يعمل بِمُقتضى ما دلَّت عليه.
فقد ثبتَ في الصَّحيحَين من حديثِ ابنِ عُمَر -رضِي الله عنْهما- قال: قال رسولُ الله -صلَّى الله عليْه وسلَّم-: «صلاة الجماعة تفضل على صلاة الفذِّ بسبْعٍ وعشرين درجة».
وفيهما عن أبي هريرة -رضِي الله عنْه- قال: قال رسول الله -صلَّى الله عليْه وسلَّم-: «صلاةُ الرَّجُل في جماعة تضعف على صلاته في بيتِه وفي سوقه خمسًا وعشرين ضعفًا؛ وذلك أنَّه إذا توضَّأ فأحسنَ الوضوء ثمَّ خرج إلى المسجِد لا يُخْرِجه إلاَّ الصَّلاة، لَم يَخْطُ خطوةً إلاَّ رفعت له بها درجة وحطَّت عنه بها خطيئة ..» الحديث.


وفي صحيح مسلم من حديث عثْمان بن عفَّان -رضِي الله عنْه - أنَّ النَّبيَّ- صلَّى الله عليْه وسلَّم- قال: «مَن صلَّى العشاء في جماعة فكأنَّما قام نصف اللَّيل، ومَن صلَّى الصُّبح في جماعة فكأنَّما قام اللَّيل كلَّه».
وفي الحديث عن النبي -صلَّى الله عليْه وسلَّم- قال: «إذا رأيتُم الرَّجُل يعتاد المساجد فاشهدوا له بالإيمان» (رواه الترمذي وقال: حديث حسن).
وفي الحديث عنه -صلَّى الله عليْه وسلَّم- أنَّه قال: «مَن غدا إلى المسجد أو راح، أعدَّ الله له في الجنَّة نزلاً كلَّما غدا أو راح» (متَّفق عليه)، والمراد بالنُّزُل هنا الضِّيافة والكرامة عند الله.


وفي الحديث: «بشِّروا المشَّائين إلى المساجد في الظُّلَم بالنُّور التَّامّ يوم القيامة»[1].
وعن عبادة بن الصَّامت -رضِي الله عنْه- قال: قال رسولُ الله -صلَّى الله عليْه وسلَّم-: «إذا توضَّأ العبد فأحسنَ وضوءَه، ثمَّ قام إلى الصَّلاة فأتمَّ ركوعَها وسجودَها والقراءة فيها، قالتْ له الصَّلاة: حفِظَك الله كما حفِظْتَني، ثمَّ يصعد بها إلى السَّماء ولها ضوء ونور، وفتحتْ لها أبواب السَّماء حتَّى تنتهي إلى الله - تبارك وتعالى - فتشفع لصاحبها، وإذا لم يتمَّ ركوعها ولا سجودَها ولا القراءة فيها، قالت له الصَّلاة: ضيَّعك الله كما ضيَّعتَني، فتغلق عنها أبواب السَّماء، فتلفّ كما يلفّ الثَّوب الخلق ثم يضرب بها وجه صاحبها» [2].
وفي الحديث الصَّحيح: «أثْقل الصَّلاة على المنافقين صلاة العِشاء وصلاة الفجر، ولو يعلمون ما فيهما - من الأجر - لأتوْهُما ولو حبوًا»؛ (متَّفق عليه).


وأمَّا الأحاديث الدَّالَّة على وجوب الصَّلاة في المساجد جماعة، والوعيد المترتِّب على المتخلف المتكاسل والمتهاون بها في المساجد، فكثيرة جدًّا عن النبيّ -صلَّى الله عليْه وسلَّم- وعن صحابتِه والتَّابعين لهم بإحسان رضي الله عنهم.
فمنها: عن أبي هريرة -رضي الله عنْه- أنَّ رسولَ الله -صلَّى الله عليْه وسلَّم- قال: «والَّذي نفسي بيده، لقد هممتُ أن آمُر بِحَطب فيحتطب، ثمَّ آمُر بالصَّلاة فيؤذَّن لها، ثمَّ آمُر رجلاً فيؤمّ النَّاس، ثمَّ أُخالف إلى رجالٍ لا يشهدون الصَّلاة فأحرِّق عليهم بيوتَهم بالنَّار»، وفي رواية: «لولا ما فيها من النِّساء والذُّرّيَّة» (متَّفق عليه).


وعن ابن عباس -رضي الله عنهما- عن النبي -صلَّى الله عليْه وسلَّم- أنَّه قال: «مَن سمِع النِّداء فلَم يُجب فلا صلاةَ له إلاَّ من عُذر» ))[3].


وفي صحيح مسلم أنَّ رجلاً أعمى -هو ابن أمّ مكتوم- جاء إلى النبي -صلَّى الله عليْه وسلَّم- فقال: يا رسول الله، إنَّه ليس لي قائد يقودُني إلى المسجد، فهل تَجِدُ لي رخصةً أن أصلِّي في بيْتي؟ فقال رسول الله -صلَّى الله عليْه وسلَّم-: «هل تسمَع النداء بالصَّلاة» فقال: نعم، قال: «فأجب».


وجاء في الحديث: «لا صلاةَ لجار المسجد إلاَّ في المسجد» (رواه الدارقطني بإسناد ضعيف)، وجارُ المسجد هو مَن سمع النداء.
وسُئِل ابن عباس -رضي الله عنهما- عن رجُل يصوم النَّهار ويقوم اللَّيل، غير أنَّه لا يشهد الجمُعة ولا الجماعة، فقال: "هو في النَّار"، ثمَّ تردَّد عليه السَّائل، فقال: "هو في النَّار" (رواه الترمذي موقوفًا).


وورد أنَّ النَّبيَّ -صلَّى الله عليْه وسلَّم- قيل له: إنَّ رجُلاً نام حتَّى الصَّباح، فقال: «ذاك رجُل بال الشَّيطان في أذنيْه»؛ (رواه البخاري ومسلم وغيرهما).
وقال عبدالله بن مسعود -رضي الله عنْه-: "مَن سرَّه أن يلقى الله غدًا مسلمًا، فلْيُحافظ على هؤلاء الصَّلوات الخمْس حيث ينادى بهنَّ؛ فإنَّ الله -تبارك وتعالى- شرع لنبيِّكم سُنَن الهدى، وإنَّهنَّ من سنن الهدى، ولو أنَّكم صلَّيتم في بيوتِكم كما يصلِّي هذا المتخلِّف في بيته لتركتُم سنَّة نبيِّكم، ولو تركتُم سنَّة نبيِّكم لضللتُم"...إلى أن قال -رضي الله عنه-: "ولقد رأيتُنا وما يتخلَّف عنها -أي الصلاة في الجماعة- إلاَّ منافق معلوم النفاق" (رواه مسلم).


وثبت أنَّ عتَّاب بن أَسِيد -رضي الله عنْه- وكان عامل رسول الله -صلَّى الله عليْه وسلَّم- على أهل مكَّة قال: "واللهِ، لا يبلغني أنَّ أحدًا منكم تخلَّف عن الصَّلاة في المسجد مع الجماعة إلاَّ ضربتُ عنقَه" [4].


والأحاديث والآثار عن الصَّحابة والتَّابعين الثَّابتة في وجوب الصَّلاة في المساجد جماعة، وعقوبة المتخلّف عنها كثيرة غير ما ذكرنا.
وكان شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- وغيره من الأئمَّة المقْتدى بِهم، يروْن أنَّ صلاة الجماعة شرطٌ في صحَّة الصلاة، بمعنى: أنَّه إذا صلَّى في بيته من غير عُذر شرعي، فإنَّ صلاته غير صحيحة؛ لأدلَّة كثيرة.
وأمَّا مَن ترك الصلاة بالكلّيَّة، أو جحد وجوبَها، فهذا كافرٌ حلال الدَّم والمال؛ لتضافُر الأدلَّة في الكتاب والسنَّة وإجماع الأئمَّة على كفْرِه عياذًا بالله.


♦ فيا أمَّة الإسلام، أنقِذوا أنفُسَكم وتداركوا حياتَكم، واسلكوا سبيلَ ربِّكم، تفوزوا بسعادة الدُّنيا والآخرة، واحْذروا سلوكَ السَّبيل المفْضِية إلى الهلاك والعطَب والبوار، وليْس بين هذا والوقوف على الحقيقة إلاَّ أن يقال: فلان مات. ولا تغترُّوا بزهرة هذه الحياة الفانية؛ فإنَّها عمَّا قليلٍ مضمحلَّة وزائلة.


♦ واعْلموا وعُوا، أنَّ عليْكم مسؤوليَّة كبيرة ملْقاة على عاتقكم، ألا وهي مسؤوليَّة تربية الأولاد من بنين وبنات وزوجات، وزرْع المبادئ والتَّعاليم الإسلاميَّة الحقَّة في نفوسهم، وحثّهم على عدَم التَّساهُل نحو عقيدتهم السَّمحة، فمن واجباتِكم حتمًا إعطاء هذه المسؤوليَّة الملْقاة على عاتقكم مزيدًا من الاهتِمام وشدَّة العناية والملاحظة والمراقبة التَّامَّة، وذلك بغرس مَحاسن الإسلام والدِّين في نفوسهم، وتعْليمهم العلوم النافعة وما يعود عليهم بالنَّفع العاجِل والآجِل، والعناية بالعبادة الَّتي من أجْلِها خُلِقوا، وأنَّهم لَم يُخْلَقوا عبثًا ولَم يُتْرَكوا سدًى، وتَحذيرهم وزجْرهم عن الوقوع في الجرائم والمحرَّمات، وسفاسف الأخلاق والرذائل.


وعلى كل إمام مسجد واجب ومسؤولية كبرى نحو توْعية جماعته، بالتفقُّد والمناصحة وعدم الغفلة عنهم، والرفع عن المتكاسل منهم بأداء الصَّلاة في المسجِد إلى الجهة المسؤولة، قال تعالى: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ} [المائدة: 2]، فكلُّكم راعٍ وكلُّكم مسؤولٌ عن رعيَّته.


هذا، وأرجو اللهَ العليَّ القدير أن يأخُذ بنواصينا ونواصي إخوانِنا المسلمين إلى سبيل النَّجاة، والفوز بالجنَّات، ويجنِّبنا وإيَّاهم أسباب السخط وقبائح المحدثات.


اللَّهُمَّ صلِّ على نبيِّنا محمَّد، وآله وصحْبه وسلَّم.
ـــــــــــــــــ
[1] رواه أبو داود والتّرمذي عن بريدة، وابنُ ماجه والحاكم عن أنس وسهل بن سعد، ورمز السيوطي لصحَّته.
[2] رواه الطبراني في "الأوسط" من حديث أنس بسند ضعيف، والبيهقي في "شعب الإيمان" بسند ضعيف.
[3] رواه ابن ماجه وابن حبان في صحيحه، والحاكم وقال: صحيح على شرطِهما.
[4] ذكره ابن القيم في كتاب الصلاة، صفحة 81.

 

_________________________

 عبدالعزيز بن عبدالرحمن الشثري